الصرخة في ذكراها الـ24: سلاح الموقف الذي كسر صنم الهيمنة
الجوف نت /
محمد ناصر حتروش: تطل علينا الذكرى الرابعة والعشرون لانطلاقة مشروع التحرر والكرامة؛ ذكرى هتاف الحرية الذي دشنه الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي -رضوان الله عليه- بشعاره الخالد: “الله أكبر، الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود، النصر للإسلام”.
ويعد هتاف الحرية اللبنة الأولى لتأسيس مشروع قرآني استنهض الأمة لكسر قيود الارتهان والتبعية لقوى الهيمنة والاستكبار العالمي، إذ تحل هذه الذكرى اليوم والمنطقة تعيش مخاضاً تاريخياً، وتحولات جيوسياسية كبرى وضعت اليمن في قلب المواجهة المباشرة مع قوى الطغيان.
ووفق خبراء ومتابعون دوليون فإن شعار الصرخة اليوم تجاوز الساحة الملحية والندوات العلمية والثقافية ليصبح واقعاً يتردد صداه بوضوح في عمق ممرات الملاحة الدولية، وتترجمه منصات الصواريخ والمسيرات التي أعادت تعريف الصراع مع العدو الصهيوني والأمريكي.
ويشيرون إلى أن هذا المشروع، بعد عقدين من الزمن، نجح في التحول من شعار أُطلق في ظروف بالغة التعقيد، إلى عقيدة تحرك أمة واعية وموقف عملي يزلزل عروش المستكبرين، فما يشهده العالم اليوم من صمود يمني يماني منقطع النظير هو الثمرة الناضجة لهذا المسار التحرري، الذي بات يسبب الأرق والهوس الدائم لقوى الاستكبار، ليؤكد أن الصرخة التي أرادوا خنقها في مهدها، صارت اليوم ناظماً للانتصارات، ودستوراً للميدان، وبوصلة لا تخطئ نحو استعادة كرامة الأمة وحريتها المسلوبة.
الصرخة من المظلومية إلى السيادة
ويراقب العالم اليوم كيف استطاع هذا الشعار أن يصمد أمام ترسانة الهيمنة الغربية، وكيف تحول من كلمات محاصرة في جبال مران إلى مشروع مقاومة يمتد تأثيره ليزلزل معادلات القوى الكبرى ويربك مخططاتهم التآمرية.
وفي تقريرنا هذا نستعرض كيف استطاع الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه أن يكسر جدار الصمت في زمن الهيمنة المطلقة، وكيف تنامى المشروع ليصبح نواة الوجدان الشعبي الذي يربط بين الموقف الإيماني والتحرك الميداني لشعب الحكمة والإيمان ليصدر مفاهيمه لكل أحرار العالم، في مشهد يجمع بين الأصالة التاريخية للمشروع والواقع العملي الذي يفرضه اليمن كلاعب دولي يصعب تجاوزه في المنطقة، محولاً الشعار من صوت إلى سلاح يحمي السيادة ويناصر القضايا العادلة للأمة الإسلامية وعلى رأسها القضية الفلسطينية.
ويعود المشهد إلى مطلع العام 2002م حين كانت المنطقة تغرق في ذهول الأكذوبة الأمريكية المعروفة بأحداث الـ11 من سبتمبر2001م، والصمت يخيم على الأنظمة الإسلامية التي تسابقت لتقديم أوراق الاعتماد في واشنطن؛ ومن وسط السكون أطلق الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي -رضوان الله عليه- من مدرسة الهادي بمنطقة مران هتاف الحرية: “الله أكبر، الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود، النصر للإسلام” ليمثل إعلاناً لميلاد مشروع ثقافي قرآني يسعى لاستعادة الهوية الإسلامية المطموسة بفعل المؤامرات الصهيونية.
الصرخة تفرض معادلة الندية في المسرح الدولي
ويتبين لمتتبع تاريخ هذا المشروع كيف بدأ كـصرخة تحذير في وقت كان فيه الحديث عن استقلال القرار اليمني ضرباً من الخيال لينتقل المشروع من مرحلة الشعار إلى مرحلة الصمود الميداني؛ فسرعان ما واجهت السلطة آنذاك هذا التحرك بست حروب عبثية، ظناً منها أن الرصاص قادر على خنق الكلمة، غير أن ما حدث هو العكس تماماً، فكل حرب كانت تمنح الصرخة عمقاً شعبياً أكبر، وتخرجها من عزلة الجبال إلى اتساع المدن.
ومع انطلاق ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر، حطمت الصرخة أغلال التهميش الرسمي، وتحولت من شعار كان يحسب على فئة معينة إلى عنوان لسيادة دولة، ليلحظ المراقبون كيف انتقل المشروع في خطواته التسلسلية من الجانب التوعوي الذي ركز على مقاطعة البضائع الأمريكية والصهيونية كأداة اقتصادية، إلى الجانب العسكري والسياسي الذي نراه اليوم، فمشروع الصرخة أصبح منطلقاً للسياسة التحريرية للإعلام الوطني، وموجهاً للمناهج التربوية التي تبني جيلاً يرفض التبعية والخنوع.
في المرحلة الراهنة، يتجسد المشروع في أرقى صوره العملية؛ حيث يربط اليمنيون اليوم بين صرختهم في الساحات وبين عملياتهم العسكرية البرية والجوية والبحرية المساندة لمحور المقاومة، إذ يؤكد هذا التسلسل المنطقي أن المشروع أسس وفق بناء تراكمي بدأ بالكلمة، مرَّ بالصبر والتضحية، ووصل اليوم إلى مرحلة الندية مع الاستكبار، فمرحلة الانتقال من المستضعفين الذين لا يملكون سوى أصواتهم وأسلحتهم الشخصية ، إلى المقتدرين الذين يفرضون معادلاتهم على مسرح الأحداث العالمي، مؤكدين أن الصرخة كانت ولا تزال سلاحاً وموقفاً منذ الطلقة الأولى وحتى اليوم.
وتظل الذكرى السنوية للصرخة محطة متجددة تعود مع كل تحدٍّ يواجه مظلومي العالم، فالحقيقة التي تفرض نفسها اليوم هي أن هذا المشروع استطاع أن يملأ الفراغ القومي والإسلامي، محولاً حالة اليأس إلى باس شديد.
ويبقى هتاف الحرية ملهماً لكل الأحرار الذين يبحثون عن مخرج من الهيمنة الاستعمارية الحديثة.