إيران تصيب ترامب بـ”الدوار” والأخير يبحث عن فرصة للهروب


تقرير | وديع العبسي

يكاد يكون “ترامب” الشخص الوحيد المتفرد في التاريخ الذي اتفق الجميع على تفوقه في الهذيان والقفز على الواقع إلى اختلاق سياقات لا وجود لها إلا في ذهنيته المأزومة، ورغم أن سلوكه غير المنضبط غالباً ما يُواجَه بالتعرية، إلا أنه لا يجد حرجاً في تكرار نفس الفعل. وفي آخر تقليعاته “التهريجية”، زعم -في تصريحات معلنة- أن الجمهورية الإسلامية “تتعرض لهزيمة ساحقة”، وأنها قدمت اعتذاراً رسمياً واستسلمت لدول الجوار، ثم قوله إن واشنطن قد حققت ما تريد من حربها في وقت قياسي. وإن إيران “لم يعد لديها بحرية، ولا اتصالات، ولا قوة جوية”.

الأكيد أنه لم يعد في مدّ تصريحات “ترامب” وجزْرها، أي ثقة أو وزن، لكنها تبقى المُعبرة بصورة واضحة عن طبيعة الدولة الأمريكية وانفلاتها في إغراق العالم بالفوضى الأمنية والاقتصادية دون أي شعور بالمسؤولية.

الهذيان “الترامبي” لقي سخرية عارمة بالنظر إلى ما تفيد به وقائع المواجهة، والإرباك الذي صنعته الضربات الإيرانية لحسابات المؤسسة العسكرية الأمريكية، وتداعيات الأزمات الناتجة عن هذه المقامرة إقليمياً وعالمياً. وقد شكك رئيس وزراء بولندا “دونالد توسك” في تصريح “ترامب” بأن إيران خسرت الحرب مع أمريكا، وشدد على أن القتال في الشرق الأوسط لا يزال مستمراً. وقال “توسك”: “أين هو النصر الذي يتحدث عنه ترامب؟. لقد ارتفعت أسعار النفط”.

“العدو سيأخذ حلمه إلى القبر”

“ترامب” أيضاً -وفي تقمصه للـ”كاراكتر” الكوميدي- أكد “بحزمٍ” أنه لن يوقف عمليته الإرهابية ضد الجمهورية الإسلامية إلا بعد أن تعلن استسلامها دون شروط، وهو مطلب منخفض عما جرى تداوله طويلاً بشأن أهداف أمريكا من هذه العملية الإرهابية، وتتعلق بـ: البرنامج النووي، إسقاط النظام الإسلامي، وتدمير القدرة الصاروخية.

مع ذلك فإن الحديث عن استسلام إيراني يبدو “ساذجاً” بالنظر إلى أن طهران ما تزال في مرحلة تصعيد موجات التأديب لأمريكا والكيان الصهيوني.

الرئيس الإيراني بزشكيان جاء تعليقه على توهمّات “ترامب” واضحاً وصريحاً، مؤكداً أن “العدو سيأخذ حلمه باستسلام إيران دون شروط معه إلى القبر”. بزشكيان دعا أيضاً -في ذات التصريح- الدول الجارة إلى “ألّا تصبح ألعوبة بيد الإمبريالية”. وقال إن “العمالة لأمريكا المتغطرسة والكيان الصهيوني هي افتقار للغيرة ومدعاة للعار الأبدي”.

وإلى ذلك، ما يجري الخوض فيه داخل أروقة القرار الأمريكي، وهو ترسُّخ قناعة مقلقة لهم، ترى بأنه مع كل تغريدة “ترامبية” خارج السرب، تغرق أمريكا أكثر. فهذا المدير السابق لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية جون برينان يؤكد أن “الحرب لا تسير كما أراد ترامب”، وقال برينان: “إثارة مسألة استسلام إيران غير المشروط محض هراء، ويدل على أن ترامب يدرك أن الوضع على الأرض أصبح فوضوياً ومعقداً للغاية”. وعرّى “برينان” خلفية تصريحات المجرم “ترامب” العشوائية بالقول: “كلما شعر ترامب بأن التطورات لا تسير كما توقع، ازدادت لهجته حدةً، وخطابه درامية”.

قلق عسكري أمريكي من استمرار القتال

في واقع الحال، “ترامب” يقود بلاده إلى الانتحار، وهذا الاستخلاص تؤكده استطلاعات الرأي داخل الولايات المتحدة، والتي أظهرت -وعلى ضوء النتائج الأولية للعملية الإرهابية وسقوط قتلى من الجيش الأمريكي ومؤشرات أزمات الطاقة المتولدة من هذه العملية- أن معظم الأمريكيين يعارضون الحرب، فيما %38 فقط من الأمريكيين يدعمون الضربات في إيران. مع ذلك -وتعليقاً على نتائج الاستطلاع- قال المختلّ “ترامب” لصحيفة “نيويورك بوست”: “أنا غير قلق، وأعتقد أن استطلاعات الرأي جيدة جداً، لكنني لا أهتم بها. عليّ أن أفعل الشيء الصحيح”.

هذه الغيوم الملبّدة لأفق العملية الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران ليس مرده فقط توابيت الجنود الأمريكيين، وإنما تَراجُع القدرة الأمريكية على الاستمرار، والنفاد المبكر لمخزونات الدفاع الجوي. وحسب صحيفة واشنطن بوست فإن هناك قلقاً متزايداً بين كبار القادة العسكريين من استمرار القتال لأسابيع، ما سيزيد من الضغط على مخزونات الدفاع الجوي الأمريكية “المحدودة” أصلاً. ذاتُ القلق تسرب إلى مجلس النواب الأمريكي، وكشف عنه النائب الديمقراطي البارز في لجنة القوات المسلحة “آدم سميث” الذي قال: “لا يمكننا أن نقول: مهلاً يا إيران، لقد نفدت أنظمة الدفاع الصاروخي لدينا الآن، لذا سنتوقف للحظة. هل هذا مقبول؟ هذا سيستنزف قدرتنا على الدفاع عن كل ما نحتاج للدفاع عنه”.

فوضى تصيب الاقتصاد العالمي

كل المعطيات والتداعيات الميدانية ترجّح كفة الطرح الإيراني الذي يرى انحداراً حاداً للقدرة الأمريكية على الاستمرار، في مقابل ما يحاوله “ترامب” من خلاله صنع حالة من التوازن النفسي من أجل الاستمرار، مع علمه بأن الكلفة مع الهزيمة ستكون باهظة. وقد بدأت بالفعل الأوساط الاقتصادية تتحدث عن مغامرة ترامبية ستفرض تداعياتها السلبية ليس على الاقتصاد الأمريكي فقط، وإنما أيضاً العالمي. فداخلياً كشفت صحيفة وول ستريت جورنال أن كلفة الأيام الأربعة الأولى من العملية العسكرية ضد إيران قُدّرت بنحو 11 مليار دولار، ما يكشف عن إنفاق مرهق للخزينة الأمريكية. وتشمل هذه الكلفة: تشغيل القوات الجوية والبحرية، إطلاق الصواريخ والذخائر المتطورة، تشغيل حاملات الطائرات والأنظمة الدفاعية، إضافة إلى الدعم اللوجستي والاستخباراتي. فيما نقلت رويترز بأن وزارة الحرب الأمريكية تعمل على طلب ميزانية إضافية قدرها 50 مليار دولار لتعويض الأسلحة المستنزفة.

إلى جانب ذلك شهد مضيق هرمز تعقيداً لحركة التجارة العالمية، وأثر ذلك على سوق الطاقة عالمياً، وهو المرشح لتفاقم تداعياتها، حيث تعطلت الملاحة واحترقت ناقلات نفط، ووقفت أخرى بعيدة، واضطربت بالتالي أسعار الطاقة، وكلفة الشحن والتأمين البحري إلى مستويات غير مسبوقة، ما شكل فوضى سيكون لها كلفتها الباهظة على الاقتصاد العالمي.

“ترامب” يبدو الحلقة الأضعف

أما على صعيد ما ظهرت به الجمهورية الإسلامية من اقتدار ينسف هراء “ترامب” عن اشتراطه لوقف العملية الإرهابية، فقد أعطاها حُسْنُ الأداء ومستواه العالي الأفضليةَ في قدرتها على إدارة المعركة، فضلاً عن امتلاك السلاح المناسب لفرض توازن الردع من صواريخ باليستية، وصواريخ كروز، وفرط صوتية، وصواريخ انشطارية، وطائرات مسيّرة هجومية وانقضاضية. ويؤكد الحرس الثوري الإسلامي أن قواته “نجحت في شلّ البنية التحتية الدفاعية والاستخباراتية لأمريكا والكيان الصهيوني في عملية دقيقة ومتقدمة للغاية”.

ونقلت صحيفة نيويورك تايمز عن مسؤولين عسكريين أمريكيين بأن “الخسائر الفادحة أظهرت أن إيران أكثر استعداداً مما توقعته إدارة ترامب”. وبالتوازي ثمة قناعة بدأت بالتمدد، تفيد بأن الولايات المتحدة تعيش حالة استنزاف اقتصادي وسياسي.

وإلى ذلك فإن المراقبين قد خلصوا إلى أن مؤشرات التفوق والتأثير قد ظهرت بشكل مبكر لصالح إيران عقب الموجات الدفاعية الهجومية في الأيام الأولى من عملية “الوعد الصادق 4″، إذ أحدثت تحولات كبرى في صياغة معادلة ردع جديدة، وجعلت من “ترامب” يبدو الحلقة الأضعف، يحاصره ثقل كلفة المغامرة سياسياً، واقتصادياً، كما رأى فيها مراقبون أنها معركة فاصلة في المواجهة ضد مشروع الهيمنة الأمريكية الإسرائيلية المنفلت.

هزيمة مفصلية للغطرسة الأمريكية

على ضوء ذلك يتأكد أن الشطحات الترامبية ليست أكثر من تعبير عن الصدمة التي منيت بها بلاده وربيبتها “إسرائيل”، عقب وضع حسابات وفرضيات “عدمية” تقوم على قطف ثمار العدوان بشكل سريع جداً، لتنفتح المواجهة بصورة غير محسوبة، وتنتقل من الداخل الإيراني لتصل إلى مديات بعيدة داخل عمق العدو، فطالت أهدافاً استراتيجية وحيوية، كما ردعت العدو الأمريكي بضربه براً وبحراً عبر استهداف قواعده وأصوله العسكرية في المنطقة، وقطعه البحرية من مدمرات وحاملة طائرات.

المشهدية التي ترسم تفاصيل هزيمة مفصلية للغطرسة الأمريكية ظهرت أيضاً لقوى عالمية رأت في العدوان مصلحة صهيونية أكثر من كونها أمريكية، لذلك جاءت مواقف هذه القوى معبرة عن هذه الرؤية، فالصين أعلنت دعم سيادة إيران، وروسيا اعتبرت الاعتداء تهديداً للأمن الإقليمي والعالمي، وإيطاليا رأت في الهجوم تجاوزاً سافراً للقانون الدولي، كما أعلنت فرنسا عدم المشاركة في أي عملية ضد إيران، فيما رفضت إسبانيا استخدام قواعدها.

 

موقع انصار الله.