صيفٌ كاشف.. الانهيار الخدمي يفضح تحالف العدوان ويشعل الغضب الشعبي في المناطق المحتلة
يكشف تفاقم أزمة الانهيار الخدمي في مدينة عدن ومحافظة حضرموت وبقية المناطق الساحلية الواقعة تحت وطأة الاحتلال، عن أبعاد بنيوية تتجاوز التوصيفات السطحية القائمة على العجز التقني الطارئ. إن بلوغ مؤشرات درجات الحرارة حاجز 42 درجة مئوية مع تجاوز معدلات الرطوبة نسبة 85%، حوّل هذه المدن إلى بؤر للاختناق الحراري، مما دفع آلاف المواطنين مجبرين للخروج إلى الشوارع وافتراش الأرصفة وقطع الطرقات الرئيسية احتجاجاً على سياسة التجويع والإذلال الممنهجة.
ومن الناحية التحليلية، فإن هذا الصيف الكاشف لم يعد مجرد أزمة خدمات عابرة، بل تحول إلى أداة قياس عملية أسقطت الأقنعة عن تحالف العدوان بقيادة الرياض وأبوظبي، وفضحت زيف مشاريع “الإعمار والنماء” المزعومة، واضعةً النخبة الوظيفية القاطنة في فنادق الخارج أمام محاكمة شعبية وأخلاقية علنية فرضتها حقائق الواقع الميداني المعاش.
إن القراءة الفاحصة لهذا المشهد المأساوي تؤكد وجود فجوة طبقية وأخلاقية حادة؛ فبينما يواجه الأطفال وكبار السن في حارات “كريتر” والشيخ عثمان والشحر والمكلا خطراً وجودياً جراء انقطاع التيار الكهربائي لأكثر من 18 ساعة يومياً، تعيش حكومة المرتزقة في منافيهم ومقرات إقامتهم الفارهة بميزانيات تشغيلية ضخمة تُصرف بالعملة الصعبة. هذا الانفصال التام عن الواقع غيّر طبيعة الحراك الشعبي، ليتجاوز سقف المطالب الحقوقية الضيقة صوب تفكيك جذور الأزمة المتمثلة في سلب القرار السيادي وتعطيل المنشآت الحيوية. وبناءً على السياسة التحريرية الوطنية، فإن هذا التدمير الممنهج لقطاع الخدمات لا يمكن تصنيفه كفشل إداري مجرد، بل هو عقاب جماعي مدروس ومخطط له مع سبق الإصرار والترصد، لإنهاك الحاضنة الشعبية وتطويعها لتمرير خطط قوى الغزو والاحتلال الرامية للسيطرة على الثروات والجغرافيا اليمنية.
أولاً: اقتصاد الديزل ونهب الإيرادات العامة
تُثبت البيانات الفنية الموثقة أن أزمة الطاقة في عدن وحضرموت هي عجز مصطنع تديره شبكات مصالح تابعة لمعسكر الارتزاق عبر نظام “الطاقة المشتراة” (المستأجرة). تحتاج مدينة عدن في ذروة فصل الصيف إلى طاقة توليدية تقدر بـ 750 ميجاوات، في حين أن القدرة التوليدية الفعلية لكافة المحطات الحكومية والمستأجرة لا تتعدى 210 ميجاوات في أفضل أحوالها، بنسبة عجز تتجاوز 65%. هذا الخلل الهيكلي يترجم ميدانياً إلى ساعة ونصف فقط من التشغيل مقابل 7 ساعات إطفاء، متسبباً في شلل تام للقطاع التجاري الصغير وإغلاق الورش والمخابز التي عجزت عن تحمل الكلفة العالية لخيارات التوليد البديلة.
وعلى الصعيد المالي، تكشف الأرقام الرسمية أن كلفة وقود المحطات من الديزل والمازوت سيء المواصفات تستهلك ما بين 90 إلى 100 مليون دولار شهرياً. هذا الإنفاق الفلكي، الذي يقترب من مليار ومائتي مليون دولار سنوياً، يتم عبر مناقصات مشبوهة وعقود استئجار طاقة مجحفة تذهب أرباحها لصالح تجار ونافذين يتبعون حكومة المرتزقة؛ حيث تشير التقارير الاقتصادية إلى أن كلفة وقود الكهرباء لثلاثة أشهر فقط كانت كفيلة بإنشاء محطة استراتيجية حديثة تعمل بالغاز الطبيعي أو الطاقة المتجددة بقدرة 500 ميجاوات، مما يؤكد أن الإبقاء على حلول الديزل الرديئة هو خيار متعمد لاستنزاف السيولة النقدية لدى البنك المركزي وتوليد الأزمات المستدامة.
ميدانياً، تركت هذه السياسة آثاراً كارثية على القطاع الصحي المتهالك في المحافظات المحتلة؛ حيث سجلت مستشفيات عدن والمكلا ارتفاعاً حاداً في معدلات الوفيات بين نزلاء العناية المركزة، والأطفال الخدج، ومرضى الفشل الكلوي جراء الانقطاعات المفاجئة للتيار وفشل المولدات الإسعافية في العمل المتواصل تحت درجات الحرارة المرتفعة. وتُظهر البيانات الحقوقية أن غياب الطاقة الكهربائية أدى أيضاً إلى توقف محطات ضخ المياه الرئيسية في “بئر ناصر” و”بئر أحمد”، مما تسبب في أزمة جفاف حادة دفعت بالمواطنين لشراء صهاريج المياه بأسعار تفوق طاقتهم الشرائية المنعدمة أساساً بسبب توقف المرتبات وانهيار العملة.
ثانياً: هندسة التعطيل وحصار الثروات السيادية
يكمن السبب الرئيسي وراء العجز المالي والخدمي للمناطق المحتلة في الاستراتيجية التي ينتهجها تحالف العدوان لتعطيل المنشآت الاقتصادية السيادية ومنع الاستغلال الأمثل للموارد الوطنية. الشاهد الأبرز على هذه الجريمة الاقتصادية هو الاستمرار في تعطيل وتحويل منشأة “بلحاف” الاستراتيجية لإنتاج وتصدير الغاز الطبيعي المسال في محافظة شبوة إلى قاعدة عسكرية مغلقة ومقر لسيطرة القوات الإماراتية، مما يحرم الخزينة العامة من إيرادات سنوية تتجاوز 1.5 مليار دولار، وهي كفيلة بإصلاح قطاع الخدمات وتغطية بند المرتبات في عموم الجمهورية بشكل مستدام.
هذا الحصار الاقتصادي الممنهج امتد لضرب قطاع إنتاج النفط الخام وتصديره في حقول “المسيلة” بحضرموت وقطاعات شبوة، فضلاً عن منع تشغيل وتوسعة محطة “فخامة الرئيس” الغازية في عدن وإبقائها دون خطوط نقل أو وقود غازي كافٍ. وفي الوقت ذاته، تفرض قوى الغزو قيوداً ملاحية مشددة عبر آلية التفتيش القسري على السفن المتجهة إلى مينائي عدن والمكلا، مما أدى إلى رفع كلفة التأمين البحري وتراجع حركة الشحن والتفريغ لصالح الموانئ الإقليمية التابعة لدول العدوان، وهو ما جفف منابع الإيرادات الجمركية والضريبية للدولة.
أدت هذه الاستراتيجية الممنهجة لتجفيف الموارد إلى عجز مالي خانق، تم ترحيله مباشرة على كاهل القوة الشرائية للمواطنين عبر التدهور التاريخي للعملة المحلية في المناطق المحتلة، والتي تجاوزت سقف 2000 ريال للدولار الواحد. ولم تكن “الودائع المالية” أو “منح المشتقات” السعودية والإماراتية سوى أدوات للابتزاز السياسي؛ إذ يتم التحكم بتدفقها وتقطيرها بربطها بمدى استجابة مرتزقة الفنادق لتمرير صفقات مشبوهة تمس السيادة الوطنية، كالاتفاقيات الأخيرة لتسليم قطاع الاتصالات لشركات أجنبية، ومنح امتيازات طويلة الأجل في الجزر والموانئ الحيوية مثل سقطرى وميون.
ثالثاً: إفلاس “الشرعية” في فنادق الارتزاق
تسقط أزمة الخدمات الحالية المبررات القانونية والأخلاقية لما يُسمى “الشرعية”، نظراً لتعريف السلطة في العرف السياسي بقدرتها على الوفاء بالتزامات العقد الاجتماعي وتأمين مقومات البقاء للمجتمع. إن عجز مجلس المرتزقة المصنوع وحكومته العميلة عن تأمين الحد الأدنى من الكهرباء ومياه الشرب والخدمات الطبية لمدينتي عدن والمكلا، يجردهم من صفة السلطة ويحولهم إلى أدوات وظيفية تدير الخراب لحساب الممول الخارجي، مستندين على شرعية دولية مزيفة لا وجود لها على أرض الواقع الميداني.
ويتجسد الإفلاس الأخلاقي الكامل لهذه المنظومة في التباين الطبقي الفاضح بين معاناة الشارع وبذخ القيادات؛ ففي الوقت الذي تعيش فيه العائلات في عدن والمكلا والشحر حالة من الاختناق اليومي، تصرف حكومة المرتزقة ملايين الدولارات شهرياً كمرتبات وامتيازات بالعملة الصعبة لآلاف المسؤولين والمستشارين والبعثات الدبلوماسية المتضخمة المقيمة بشكل دائم في عواصم الخارج (الرياض، أبوظبي، القاهرة، عمان). هذا السلوك النفعي أكد للشارع اليمني أن استمرار المعاناة والحرب يمثل مصلحة وجودية لهذه النخبة لضمان تدفق الامتيازات المالية الشخصية على حساب دماء وأقوات المواطنين.
لقد سلب هذا الارتهان المطلق حكومة المرتزقة القدرة على الاعتراض على السياسات التدميرية للتحالف، وتحول دورهم إلى لافتة لتمرير وتغطية نهب الثروات وتأجير الجزر والموانئ؛ حيث تم توقيع صفقات مشبوهة تفتقر لأي غطاء دستوري أو برلماني لبيع وتأجير أصول الدولة السيادية والاقتصادية. هذا الانكشاف الأخلاقي جعل الشارع في المحافظات المحتلة يدرك أن الأزمة ليست ناتجة عن نقص الإمكانيات، بل عن طبيعة المنظومة الحاكمة الفاقدة للإرادة والقرار، والتي ارتضت العمالة للغزاة مقابل مصالح فئوية ضيقة.
رابعاً: طوفان الغضب وصحوة الوعي الجذري
أحدث “الصيف الكاشف” تحولاً جوهرياً في طبيعة الحراك الشعبي بالمحافظات الجنوبية والشرقية المحتلة، تمثل في انتقال رقعة الاحتجاجات من مربع المطالب الخدمية الفئوية المحدودة إلى مربع الوعي السياسي الجذري بطبيعة المعركة وأطرافها. التظاهرات الغاضبة وقطع الطرقات الرئيسية وإحراق الإطارات التي شهدتها أحياء عدن والمكلا وتريم لم تعد توجه هتافاتها ضد الموظفين المحليين في مؤسسة الكهرباء، بل صوبت غضبها مباشرة نحو مقار قوى الاحتلال وقادة معسكر الارتزاق، مطالبة بإنهاء الوصاية الخارجية والسيطرة الوطنية على الثروات.
وتُرجم هذا التحول النوعي ميدانياً عبر شعارات وهتافات صريحة تطالب بطرد القوات الأجنبية، ووقف نهب النفط والغاز، وإغلاق المقرات التابعة لما يُسمى “البرنامج السعودي للإعمار” والهلال الأحمر الإماراتي، بعد أن تيقن الشارع أن هذه الكيانات ليست سوى أدوات ناعمة لتغطية عملية حصار وتجويع ممنهجة. إن صرخات الأمهات والأطفال المخنوقين في ليل عدن الحار تحولت إلى وقود لوعي ثوري جديد تجاوز خطوط التقسيم السياسي والمناطقي التي حاول الاحتلال زرعها لسنوات، ليلتقي الشارع المحتل مع الرؤية الوطنية المناهضة للعدوان والوصاية.
هذا النضج الجماهيري المتسارع يقود المشهد العام في المناطق المحتلة نحو نقطة الانفجار الكبير والحتمي الذي لن تفلح المسكنات المالية أو الوعود الترقيعية للتحالف في احتوائه؛ فالمواطن الذي حُرم من الكهرباء، والمياه، والراتب، وتآكلت قدرته الشرائية بفعل انهيار العملة، لم يعد لديه ما يخسره. إن رهان تحالف العدوان وأدواته على سياسة الإنهاك المعيشي لإشغال الشعب عن حقوقه السيادية قد سقط بالكامل، ليتحول الجوع والظلام إلى محرك أساسي لطوفان شعبي قادم يهدد باجتثاث منظومة العمالة والتبعية واستعادة السيادة الوطنية المغدورة.
السقوط الأخير
تؤكد الشواهد الميدانية والحقائق الميدانية والأرقام الاقتصادية الصادمة بما لا يدع مجالاً للشك، أن المعاناة والانهيار الخدمي في المحافظات الواقعة تحت وطأة الاحتلال والتبعية ليست قضاءً وقدراً، بل هي صناعة وظيفية وإقليمية مشتركة وواعية، استخدمت حياة المواطن وأنفاس أطفاله كأوراق ضغط رخيصة في حلبة المصالح الجيوسياسية الضيقة لقوى الاستكبار والعدوان.
إن هذا المشهد العاري يضع التاريخ والشعب أمام حقيقة واحدة لا يمكن تزييفها بالخطابات البراقة للمرتزقة أو المهرجانات الإغاثية المضللة؛ فالحرارة الخانقة والظلام الدامس الذي يلف المدن الساحلية يعلنان النهاية الدرامية لمسرحية “الإنقاذ والإعمار”، ويكتبان بصرخات الجائعين والمخنوقين السطر الأخير في كتاب سقوط الشرعية المزعومة وتحالف التبعية:
هذا الجحيمُ وما شاهدناه.. هو نتاجُ خيانةٍ مكتملةِ الأركان، هندَسَها قادةُ النفاق والارتزاق.. وساقوا البلادَ قرابينَ لأسيادهم في الرياض وأبوظبي! فاحترقت على مَذابحِهم وعودُ “الرخاءِ” الموهومة، فلا شرعيتهم المزعومة صانت كرامةَ للشعب، ولا تحالفَ العربان جاء بغيرِ الجوعِ والظلام!
موقع ٢١ سبتمبر