بقلم.طاهر حسن جحاف

إن من أعظم الذنوب التي توجب غضب الله ومقته هو الاحتقار، والنظرة الدونية للآخر تحت مبرّرات إما للمال أَو المقام وغيرها، فتكون النظرة الدونية لقلة المال، أَو كونه لضعف الحال واستضعاف البيئة، أو لمجرد إضحاك الآخرين، وغالبًا ما يأتي مغلَّفًا بـ مُزاح.

تحدث الله في القرآن عن هذا الموضوع بالشكل الذي يخلق لدى الإنسان وعيًا أولًا.

وأَسَاس هذا الذنب بدأ من أن اقتضى أمر الله أن يخلق آدم ويستخلفه في الأرض، حين قال الله: {إني جاعلٌ في الأرض خليفة}، اقتضت حكمة الله أن يكون آدم هو المستخلف في الأرض.

الملائكة كان لديها نظرة مختلفة حول هذا الأمر، قالوا: {أتجعلُ فيها من يُفسِدُ فيها ويُسْفِكُ الدماء}، قيَّمت تقييمًا دقيقًا للإنسان وما الذي يمكن أن يحصل على يده.

كما تحدث الشهيد القائد أن الملائكة كان عندهم عِلمٌ مسبق من الله أنه سيسفك الدماء ويفسد في الأرض، أهم السلبيات التي ربما ستكون سببًا في أن يغير الله موقفه تجاه استخلاف آدم عليه السلام.

لم يفهم الملائكة مقتضى الإيمان بالله وهو التسليمُ المطلق لله في كُـلّ ما يريده، سؤالٌ فيه استغراب: {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبِّحُ بحَمْدِك وَنُقَدِّسُ لَك}.

وحاولوا أن يبرزوا أنفسهم ليكونوا البديل؛ باعتبَار أنهم الأرقى والأجدر بمسألة الاستخلاف في الأرض، وهم المؤهَّلون لمهمة الاستخلاف، وفي نفس الوقت التحقير والتقليل من قيمة الإنسان احتقارًا، قال: {إني أعلم ما لا تعلمون}، الله هو الأعلم والمحيط بكل شيء.

​{وعلَّمَ آدمَ الأسماءَ كُلَّها ثم عَرَضَهم على الملائكة}، الله أعطى آدم علم أسماء مفردات الطبيعة وكيف يستخدم هذه المفردات في الاستخلاف في الأرض، ولتكون مظهرًا من مظاهر حكمة الله وعلمه الواسع، ثم عرضهم على الملائكة ليبين للملائكة قصورُ وعيهم وكذلك علَّمهم، فقال: {أنبئوني بأسماءِ هؤلاء إن كنتم صادقين}، إن كنتم محقين في نظرتكم وعلمِكم بآدم أنبئوني بأسماء هؤلاء، هم عاجزون عن أن ينبئوا الله بالأسماء إن كنتم صادقين في ما قلتم، الملائكة شعرت أنها تجاوزتْ أَو غفلتْ، قالوا: {سبحانَك لا عِلْمَ لنا إلا ما عَلَّمْتَنَا}، اعترفوا بقصور علمهم وشهدوا لله بالكمال المطلق ونزهوا الله، وتقديسًا لله.

ثم أمر الملائكة بالسجود لآدم لينظر هل الملائكة استوعبت مقتضى الإيمان بالله وهو التسليم المطلق لله.

ويعد اختبارا حقيقيًّا للملائكة؛ لأنهم يرون أنفسهم هم الأرقى من آدم، أحيانًا يحتقر الشخص رجلًا مستضعفًا ويقلل من قيمته ويزدريه، وتأتي الأيّام فما يصلح أن ينفع في موضوع معين إلا ذلك الرجل الفقير، يعجز كُـلّ أصحاب المقامات ويأتي السجود معنويًّا وهو التسليم بحكمة الله، فلا تحتقر شخصًا أيًّا كان وضعه وواقعه وطريقة تفكيره، قد يجعل الله على يديه الخير الكثير، فالله خلق كُـلّ إنسان وله مهمة في الحياة وكلها تصب في إقامة دين الله والاستخلاف في الأرض، فالهدف من خلق الإنسان هو الاستخلاف في الأرض، وقد تحتقر شخصًا وتقلل، ومع مرور السنوات تسجد له سجودًا معنويًّا أي تسلم بحكمة الله من خلقه في الحياة.

وهناك حديث في القرآن كثيرٌ حول الاحتقار وما هي النتائج المترتبة على هذا الخلق الذميم، المحتقر يصبح ذا شأن، والذي يحقر لاعتباراتٍ دنيوية يصبح لا قيمة له، حتى وإن امتلك المال والنفوذ والمكانة لا قيمة له.

هذه هي سنن الله وقوانين الله في الكون، والاحتقار للآخر يجعل الشخص معلولُ النفسية، فيتعامل مع المحتقِر من واقع نفسي معقَّد يؤدي إلى مظالِم غير مبرّرة ينال بها سخطَ الله، وعاقبةً وخسرانًا في الدنيا وعذابًا في الآخرة.

كذلك طالوت عندما في حكمة الله أن أعطاه مؤهلاتٍ لا توجد في غيره كما قال الله: {بسطة في العِلم والجسم}.

كانت هذه المؤهلات؛ مِن أجلِ الناس ليُخْرِجَهم من واقع الظلم والاضطهاد إلى واقع العزة والكرامة.

لكن شعور الملأ بالأنفة وعدم تقبلهم مقتضى حكمة الله ونظرة الاحتقار حين اجتمعت كلمتُهم في نظرتهم تجاه طالوت قالوا: {أنَّى يكونُ له المُلك علينا} مستغربين من الموضوع.

يتدارسون كيف سيكون له الصدارة ونحن أحق بالملك منه.

نظروا إلى الموضوع من واقع شخصي ومصالح دنيوية ومقامات، {ونحن أحق بالملك منه} اعتبروا الأحقية لهم في ذلك؛ باعتبَارهم وجاهات معروفة وذات نفوذ سابق وهم الأجدر، وما عداهم غير جديرين؛ لأن طالوت كان في نظرهم مُجَـرّدَ رجل قروي لا يملك المؤهلاتِ التي يرونها لتصبحَ جديرًا بالمسؤولية.

كانت معاييرهم في المسألة الخِبرة والأحقية لهم في الملك، والمعيار الثاني هو المال؛ باعتبَار الأحقية المطلقة وكذلك المال.

هذه معايير البشر في كُـلّ وقت وزمان في المقامات الدنيوية.

أما المعايير الإلهية هي بسطة في: أولًا العلم، عِلم من الله ليس كعِلم البشر، علم من عند الله ليس علمًا لكثرة المقروءات، كما تحدث سيدي حسين رضوان الله عليه.

وكذلك بسطة في الجسم، لديه من الله بنية جسمية قوية يستطيع أن يكون قائدًا عسكريًّا فاعلًا في الميدان في المعركة.

وفي نهاية الأمر انتصر ذلك القائد في المعركة ضد جالوت، وكان نصرًا عظيمًا، وخابت آمالُ الملأ من بني إسرائيل، وكانت نظرتهم غلطًا وغير سليمة.

هكذا هي حكمةُ الله وقوانينُ الله، لا تحتقرُ أيَّ شخص مهما كان وضعُه، قد يجعل اللهُ سِرَّه في أضعف خلقه.

​نسأل الله أن يجعَلَ نفوسُنا راضيةً بما عند الله وأن يهذِّبَها لتستقيمَ على أوامر الله.