المعادلة الصفرية.. خطاب السيد القائد في يوم القدس العالمي يضع “الوجود الصهيوني” في قلب العاصفة الميدانية الشاملة
يمثل خطاب السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي بمناسبة يوم القدس العالمي لعام 1447هـ، نقطة ارتكاز جوهرية في توصيف المرحلة الراهنة، حيث تجاوزت مضامينه السرد التقليدي للمظلومية لتنتقل إلى صياغة معادلة “النصر الحتمي” ضمن اشتباك إقليمي شامل. إن الخطاب يضع المنطقة أمام حقيقة جيوسياسية جديدة، مفادها أن الاستراتيجية الأمريكية الصهيونية الرامية إلى إعادة تشكيل “الشرق الأوسط” عبر بوابة العدوان على إيران وغزة ولبنان، قد اصطدمت بجدار صلب من الردع الاستراتيجي الذي لم يعد يكتفي بالدفاع، بل بات يمتلك المبادرة لضرب مراكز الثقل الاستعماري وقواعده العسكرية في عمق الجغرافيا المحتلة والمنطقة.
إن القراءة العميقة لهذا الخطاب تكشف عن تحول جذري في طبيعة الصراع، حيث انتقل المحور من حالة “تعدد الجبهات” إلى حالة “وحدة القدر والمصير” في مواجهة مباشرة وأصيلة مع “رأس الأفعى” واشنطن. لقد كرس السيد القائد في خطابه رؤية ثورية ترى في العدوان الأمريكي الإسرائيلي على الجمهورية الإسلامية في إيران استهدافاً كلياً للإسلام والمسلمين، مما يستوجب استنفاراً شاملاً لا يعترف بالحدود الجغرافية التي رسمها الاستعمار، بل يعتمد خارطة طريق قرآنية تهدف إلى اجتثاث الغدة السرطانية الصهيونية وإنهاء الهيمنة القطبية التي استباحت دماء وثروات الشعوب لعقود طويلة.
الردع المباشر
يؤصل السيد القائد لمرحلة سقوط “معادلة الاستباحة” التي حاول الأمريكي والإسرائيلي فرضها عبر استهداف الجمهورية الإسلامية في إيران، مؤكداً أن الرد الإيراني الذي دمر القواعد الأمريكية ونكل بالعدو الإسرائيلي قد أسقط أهداف العدوان الرامية لإزاحة عوائق مشروع “إسرائيل الكبرى”. هذا التحول الميداني يعكس نجاح رؤية “الإعداد” وفق القاعدة القرآنية {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة}، حيث تحولت الإمكانات العسكرية للمحور إلى أداة فاعلة لكسر الغطرسة الأمريكية التي كانت تظن أن قواعدها في المنطقة بمنأى عن العقاب والتنكيل المباشر.
ويشير الخطاب إلى أن الصمود الإيراني والرد المدمّر للقواعد الأمريكية يمثل نموذجاً مشرفاً للأمة، حيث كشف الفشل الاستراتيجي لواشنطن وتل أبيب في تحقيق أهدافهم المعلنة تحت لافتة “تغيير الشرق الأوسط”. الوقائع الميدانية تؤكد أن الأعداء باتوا اليوم في “مأزق واضح” ويتكبدون خسائر كبيرة، مما يثبت أن خيار المواجهة والرد القوي هو الوحيد القادر على لجم الطغيان، بخلاف الأنظمة التي ارتهنت للقواعد الأمريكية ووجدت نفسها عاجزة عن حماية سيادتها أو منع استباحة أراضيها من قبل الأمريكي.
إن هذا الردع لم يعد محصوراً في جغرافيا محددة، بل امتد ليشمل جبهات الإسناد في اليمن ولبنان والعراق، حيث أكد السيد القائد أن العمليات اليمنية مستمرة ومتصاعدة ومفاجئة، وأن جبهة حزب الله والرد الفصائل العراقية تمثل حقوقاً مشروعة لمواجهة الاحتلال والاستباحة. هذا التكامل الميداني يبرهن على فشل التكنولوجيا والآلة العسكرية الغربية في توفير الحماية للكيان الصهيوني، الذي بات سجيناً في “قفص جغرافي” يحيط به طوق ناري من صواريخ ومسيرات المحور التي لا تستطيع واشنطن إخمادها.
المعتقد الصهيوني
يمضي التحليل في تفكيك بنية العقل الاستعماري، حيث كشف السيد القائد عن الجذور العقائدية “الصهيونية” التي تحكم القرار السياسي في واشنطن والبيت الأبيض. إن الموقف الأمريكي ليس مجرد حسابات سياسية براجماتية، بل هو تحرك محكوم برؤية “خرافية” وتوجهات عدوانية ترى في إبادة المسلمين وتصفية وجودهم شرطاً لتحقيق أحلام السيطرة العالمية. هذا التوصيف يقطع الطريق أمام كل الواهمين بالحلول الدبلوماسية أو “راعي السلام” الأمريكي، ويؤكد أن المعركة هي معركة وجودية بين حق إنساني أصيل وباطل استعماري مغلف بدين منقطع عن الأنبياء.
وفي هذا المحور، يربط السيد القائد بين الأطماع المادية للسيطرة على الثروات والموقع الاستراتيجي للمنطقة، وبين تلك المعتقدات المنحرفة، مما يجعل من المواجهة واجباً دينياً وأخلاقياً يسبق كونه ضرورة سياسية. إن تشخيص العدو بهذا الوضوح يمنح الشعوب بصيرة استراتيجية للتحرك الواعي، فلا انخداع بالوعود ولا ركون إلى معاهدات السلم المزعومة، فالعدو الذي يتحرك بدافع “إبادة الآخر” لا يفهم إلا لغة القوة والمواجهة الشاملة في كل الميادين.
الحرب الأخلاقية
يربط السيد القائد بين المشروع الصهيوني وبين حرب “الإفساد الشامل” التي تستهدف تدمير القيم الأخلاقية والاجتماعية كتمهيد للسيطرة السياسية والعسكرية، مشيراً إلى أن العدو يعمل بجهد لنشر الرذائل والجرائم اللاأخلاقية وتفكيك الأسرة. الشواهد التي ساقها الخطاب، كفضيحة وثائق “جيفري إبستين” والأنشطة المشبوهة في المختبرات البيولوجية لتطوير الفيروسات الفتاكة، تؤكد أن الصهيونية تدير حرباً وجودية تستهدف الإنسان في صحته وقيمه، مما يجعل من الوعي الأخلاقي جبهة جهادية لا تقل أهمية عن الجبهة العسكرية.
ويوضح الخطاب أن استهداف الأمة في قيم العفة ومكارم الأخلاق يهدف إلى “تدجينها” وجعلها قابلة للسحق والتلاشي أمام الخطر اليهودي، حيث يعمل الصهاينة كـ “أولياء للشيطان” لنشر الفواحش بأسوأ المستويات. هذه الحرب الناعمة تتطلب استنهاضاً في كل المجالات لمواجهة التضليل الثقافي والفكري، معتبراً أن كل من يتحرك لمواجهة الهجمات الإعلامية الصهيونية وأبواقها العربية هو مجاهد في ميدان ساخن، يمنع العدو من تحقيق اختراق في وجدان الأمة وعلاقتها بهويتها الإيمانية.
إن هذه المواجهة القيمية تستند إلى حقيقة قرآنية عرضها الخطاب، مفادها أن اليهود هم “الأشد عداوة” والأسوأ إجراماً وضلالاً بين البشر، ويسعون دائماً لإضلال الأمة عن سبيلها {ويريدون أن تضلوا السبيل}. لذا، فإن العودة إلى القرآن الكريم وتعزيز الثقة بالله يمثلان الحصن المنيع ضد محاولات المسخ الهوياتي، وهو ما تجلى في صمود الشعوب التي استمسكت بهويتها ورفضت الانحلال الأخلاقي، مما جعلها عصية على الانكسار العسكري والسياسي أمام الآلة الصهيونية.
السقوط الرسمي
ينتقد السيد القائد بحدة حالة “الغباء الفاحش” والارتهان التاريخي للأنظمة العربية التي ربطت مصيرها بالبريطاني ثم الأمريكي، واصفاً تسمية أمريكا بـ “راعية السلام” بالضلال المبين والتيه الرهيب. الوقائع التاريخية التي استعرضها الخطاب تثبت أن الأمريكي شريك صهيوني كامل في العقيدة والمخطط، ولم يكن يوماً وسيطاً نزيهاً، بل استخدم المفاوضات والاتفاقات كأداة لتخدير الأمة وتمكين الكيان الإسرائيلي من بناء قوته وتوسيع مستوطناته عقداً بعد عقد.
ويكشف الخطاب عن خيانة بعض الأنظمة التي تحولت إلى “مترس” يحمي القواعد الأمريكية، حيث تتبنى هذه الحكومات تقديم الغطاء العسكري للطائرات والصواريخ الأمريكية المعتدية على دول المنطقة من داخل أراضيها. هذا الدور الوظيفي للأنظمة المطبّعة، الذي يسعى لتوريطها في صد الردود المشروعة للمقاومة، يمثل ذروة السقوط القيمي والسياسي، ويجعل من هذه الأنظمة أعواناً صريحين للعدو الصهيوني في تنفيذ أجندته الرامية لتطويق الشعوب وإخضاعها للسيادة الإسرائيلية الكاملة.
ويعرج التحليل على فشل خيار “المساومات وأنصاف الحلول” و”المبادرات العربية” التي لم تنتج سوى تراجع مستمر في الموقف الرسمي وصولاً إلى التطبيع المذل، الذي يعني عملياً التسليم للعدو في سيادة المنطقة. السيد القائد يؤكد أن هذه الأنظمة لا تملك أي نجاح في هذا المسار، ولن يكون التطبيع منجياً لها من الأطماع الصهيونية التي لا تحترم عهداً ولا ميثاقاً، مستشهداً بقوله تعالى {أوكلما عاهدوا عهداً نبذه فريق منهم}، مما يثبت أن الارتهان للخارج هو انتحار سياسي واستراتيجي.
إن هذا السقوط الرسمي يقابله “نموذج الثورة والتحرر” الذي تمثله جبهات المقاومة، حيث أثبتت الأحداث أن الأنظمة التي تتبنى رؤية “تدجينية” تنهار في ساعات أمام الضغط العسكري، بينما تتماسك الدول التي بُنيت على قاعدة السيادة الشعبية والإيمانية. الخطاب يضع الشعوب أمام مسؤولية تصحيح واقعها الداخلي والتوبة إلى الله من حالة الذل، مؤكداً أن الحالة التي وصلت إليها الأمة من إذلال صهيوني هي نتاج “تفريط رهيب” في الالتزامات الدينية والأخلاقية، يستوجب ثورة وعي شاملة لاستعادة الكرامة المسلوبة.
وحدة الساحات
يجسد الخطاب مفهوم “الجسد الواحد” من خلال التأكيد على أن العدوان الذي يستهدف الجمهورية الإسلامية في إيران هو حرب على الإسلام والمسلمين واستهداف للمنطقة بكلها، مما يجعل اليمن شريكاً أصيلاً ومباشراً في هذه المعركة. الموقف اليمني، كما حدده السيد القائد، يتجاوز التضامن المعنوي إلى “الجهوزية لكل التطورات”، معتبراً أن القضية الفلسطينية والقدس هي البوصلة المركزية التي توحد تحركات المحور من صنعاء وبيروت إلى بغداد وطهران في طوق ناري لا يمكن كسره.
ويشدد السيد القائد على مشروعية عمليات حزب الله في لبنان والفصائل المجاهدة في العراق، معتبراً تحركاتهم رداً طبيعياً على الاستباحة الأمريكية والإسرائيلية للسيادة والأجواء والأرواح. الوقائع الميدانية التي شهدتها الجبهات طوال 15 شهراً من التصعيد أثبتت أن “وحدة الساحات” ليست مجرد شعار، بل هي منظومة عملياتية منعت العدو من الاستفراد بغزة أو لبنان، وحولت الكيان الصهيوني من “شرطي المنطقة” إلى كيان يبحث عن الحماية خلف الأساطيل الأمريكية والقواعد المترنحة.
ويختم الخطاب هذا المحور بالتركيز على الرافد الشعبي لـ “وحدة الساحات”، متمثلاً في المليونيات اليمنية التي تخرج في العاصمة صنعاء والمحافظات كجزء من “الجهاد في سبيل الله”. هذا الحضور الجماهيري المشرّف، الذي وصفه السيد بالقربة العظيمة في شهر رمضان، هو الذي يمنح الفعل العسكري شرعيته وقوته، ويحول “يوم القدس العالمي” إلى تظاهرة كونية تؤكد أن القدس والمسجد الأقصى باتا اليوم أقرب من أي وقت مضى بفعل الإرادة المقاومة والتحرك الموحد لكل أحرار الأمة.
أفول الهيمنة وبشائر التحرير الحتمي
تخلص القراءة الاستراتيجية لخطاب يوم القدس العالمي 1447هـ إلى أن المشروع الأمريكي في المنطقة قد دخل مرحلة “الانسداد التاريخي”، حيث تحولت أدوات الضغط العسكري والاقتصادي إلى حوافز لاستنهاض الشعوب وتطوير قدرات المقاومة. إن الاستنتاج الأبرز هو أن معادلة “تغيير الشرق الأوسط” التي أرادها الصهاينة قد ارتدت عليهم، فبدلاً من “إسرائيل الكبرى”، نرى اليوم انكماشاً صهيونياً وقلقاً وجودياً لم يسبق له مثيل، يقابله تمدد في إرادة المقاومة التي باتت تمتلك القدرة على فرض شروطها وإدارة المعركة في أبعادها العسكرية والأخلاقية والسياسية بجداره واقتدار.
إن المستقبل الذي رسمه الخطاب هو مستقبل “السيادة الكاملة” للأمة، حيث لا مكان للقواعد الأجنبية ولا وجود للكيان الغاصب. إن الحشود المليونية التي تملأ الساحات والضربات التي تزلزل القواعد الاستعمارية، هي التوقيع الفعلي على وثيقة نهاية “الأحادية القطبية” في منطقتنا. لقد وضع السيد القائد العالم أمام حقيقة ثابتة: أن زمن الاستضعاف قد انتهى، وأن وعد الآخرة بدخول المسجد الأقصى فاتحين قد أصبح واقعاً تراه العيون في ثبات المجاهدين وصمود الشعوب، وفي مآلات الصراع التي تشير بوضوح إلى زوال قريب ومحتوم للباطل، وبزوغ فجر جديد تحتكم فيه الأمة لهويتها وقوتها وقرارها المستقل.