من مضيق هرمز إلى قلب الكيان.. عاصفة «الوعد الصادق 4» تشعل المنطقة وتفرض معادلة الردع الكبرى
تتجه المواجهة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية من جهة، والولايات المتحدة والكيان الصهيوني من جهة أخرى، نحو مرحلة أكثر اتساعاً وخطورة، مع استمرار الضربات الإيرانية المتصاعدة ضمن عملية «الوعد الصادق 4» التي تجاوزت موجاتها الأربعين، مستهدفة العمق الصهيوني والقواعد الأمريكية في المنطقة.
ففي الوقت الذي تواصل فيه واشنطن و”تل أبيب” عدوانهما على الأراضي الإيرانية، والذي خلّف مئات الشهداء المدنيين وأضراراً واسعة في البنية التحتية، تؤكد طهران أن الرد يتصاعد تدريجياً وفق استراتيجية مدروسة تهدف إلى تفكيك القدرات العسكرية للعدو وفرض معادلة ردع جديدة في المنطقة.
وبين الصواريخ الثقيلة والطائرات المسيّرة والعمليات البحرية في الخليج، تبدو المنطقة اليوم أمام مرحلة استراتيجية جديدة من الصراع قد تعيد رسم موازين القوة في الشرق الأوسط.
موجات صاروخية ثقيلة تضرب العمق الصهيوني
واصل الحرس الثوري الإيراني تنفيذ موجات متتالية من عملية «الوعد الصادق 4»، حيث أعلن تنفيذ الموجة الثانية والأربعين من العملية تحت شعار «لبيك يا خامنئي».
وبحسب بيان الحرس الثوري، فقد شملت هذه الموجة إطلاق صواريخ ثقيلة من طراز عماد وقدر وخيبرشكن وفتاح، إضافة إلى طائرات مسيّرة انتحارية، مستهدفة قلب “تل أبيب” وقواعد عسكرية أمريكية في المنطقة.
وجاءت هذه العملية بعد ساعات من تنفيذ الموجة الحادية والأربعين التي شهدت إطلاق أكثر من مئة صاروخ ثقيل نحو أهداف عسكرية للعدو الصهيوني الأمريكي في “تل أبيب” والقدس المحتلة، إلى جانب قواعد أمريكية في المنطقة.
وتضمنت الضربات صواريخ خرمشهر متعددة الرؤوس الحربية وصواريخ خيبر التي تحمل رأساً حربياً يزن طناً كاملاً، إلى جانب صواريخ فتاح الفرط صوتية، ما يعكس تصاعد القدرات الهجومية المستخدمة في العمليات.
وأكد الحرس الثوري أن هذه الضربات تأتي في إطار الرد المتواصل على العدوان الأمريكي الصهيوني الذي بدأ في 28 فبراير الماضي.
ضرب القواعد العسكرية الحساسة للعدو
في موازاة الضربات الصاروخية، نفذت القوات الإيرانية عمليات دقيقة بالطائرات المسيّرة استهدفت مواقع عسكرية حساسة داخل الأراضي المحتلة.
وأعلن الجيش الإيراني استهداف قاعدة بلماخيم الجوية قرب “تل أبيب”، والتي تعد مركزاً لاختبارات الصواريخ وإطلاق الأقمار الصناعية، إضافة إلى موقع تمركز منظومات الدفاع الجوي المتقدمة مثل «مقلاع داود».
كما استهدفت الهجمات قاعدة عوبدا الجوية التي تُعد من المنشآت الاستراتيجية للكيان الصهيوني، وتتمركز فيها مقاتلات أمريكية متطورة.
وفي عملية أخرى، أعلن الجيش الإيراني استهداف مقر جهاز الشاباك المسؤول عن الأمن الداخلي للكيان الصهيوني، في ضربة وُصفت بأنها تمس قلب المنظومة الأمنية للاحتلال.
وأكد المتحدث باسم الجيش الإيراني أن تدمير عدد من الرادارات ومنظومات الدفاع الجوي للعدو جعل استهداف الأهداف العسكرية أكثر سهولة ودقة من أي وقت مضى.
ضربات في الخليج وإغلاق مضيق هرمز
وفي تطور يعكس اتساع رقعة المواجهة، أعلن الحرس الثوري تنفيذ هجوم بالصواريخ والطائرات المسيّرة على مقر الأسطول الخامس الأمريكي في ميناء سلمان.
وأفاد بيان الحرس الثوري أن الضربات استهدفت منشآت داخل القاعدة بينها منظومات مضادة للطائرات المسيّرة ومراكز صيانة وتخزين الزوارق المسيرة إضافة إلى خزانات الوقود ومراكز تجمع الجنود الأمريكيين.
كما أعلنت البحرية التابعة للحرس الثوري استهداف ناقلة نفط أمريكية في الخليج بعد تجاهلها التحذيرات الإيرانية.
وفي السياق نفسه أكد قائد القوة البحرية في الحرس الثوري الأدميرال علي رضا تنكسيري أن مضيق هرمز سيبقى تحت السيطرة الإيرانية الكاملة، مشدداً على أن أي تهديد للملاحة أو المصالح الإيرانية سيواجه أشد الضربات الممكنة.
تفوق استخباراتي وضرب شبكات التجسس
إلى جانب العمليات العسكرية، أعلنت السلطات الإيرانية تحقيق اختراقات أمنية مهمة في مواجهة الأنشطة الاستخباراتية المعادية.
فقد أعلنت الأجهزة الأمنية الإيرانية اعتقال رئيس شبكة تجسس مرتبطة بجهاز الموساد في مدينة خرم آباد، وضبط معدات اتصال ووثائق حساسة كانت تُستخدم لنقل معلومات أمنية.
وفي السياق ذاته أكد المستشار العسكري الأعلى للقائد العام للقوات المسلحة اللواء يحيى صفوي أن إيران تمتلك إشرافاً استخباراتياً دقيقاً على تحركات الولايات المتحدة والكيان الصهيوني.
وأشار إلى أن طهران قادرة على رصد تحركات الطائرات الأمريكية ومسارات الأساطيل البحرية من البحر المتوسط حتى المحيط الهندي بشكل مباشر.
طهران: لن نتراجع حتى يندم المعتدون
سياسياً، شدد أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني على أن إيران لن تتراجع حتى تجعل خصومها يندمون على “الخطأ الجسيم في التقدير”.
كما حذر من أن أي استهداف للبنية التحتية الحيوية في إيران، مثل شبكة الكهرباء، سيقابله رد واسع قد يؤدي إلى إظلام المنطقة بأكملها خلال وقت قصير.
وفي السياق ذاته أكد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن إيران تمارس حقها المشروع في الدفاع عن النفس، مشدداً على أن القوات المسلحة عازمة على تلقين المعتدين درساً لن ينسوه.
رفض إيراني للقرار الأممي
دبلوماسياً، رفضت إيران قرار مجلس الأمن الدولي الأخير بشأنها، واعتبرته قراراً منحازاً يخالف القانون الدولي.
وقال مندوب إيران لدى الأمم المتحدة إن القرار يمثل «ظلماً صارخاً» لأنه يتجاهل العدوان الأمريكي الصهيوني ويحاول قلب الحقائق عبر تصوير الضحية على أنها المعتدي.
جرائم العدوان وحصيلة إنسانية صادمة
في المقابل، تتواصل تداعيات العدوان الأمريكي الصهيوني على المدنيين داخل إيران.
وكشفت المتحدثة باسم الحكومة الإيرانية أن الهجمات أسفرت عن استشهاد 216 امرأة و198 طفلاً دون سن الثامنة عشرة، بينهم طفلة رضيعة لا يتجاوز عمرها ثمانية أشهر.
كما أفاد الهلال الأحمر الإيراني بأن أكثر من 21 ألف منطقة مدنية تعرضت للقصف منذ بدء العدوان، بينها مدارس ومستشفيات ومراكز طبية.
وفي محافظة همدان وحدها أسفرت الهجمات عن استشهاد 50 شخصاً وإصابة 286 آخرين بعد استهداف عشرات المواقع المدنية.
يوم القدس.. رسالة مقاومة في قلب المواجهة
وفي خضم التصعيد العسكري، دعا الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان الشعب الإيراني إلى المشاركة الواسعة في مسيرات يوم القدس العالمي.
وأكد أن الحضور الشعبي في هذه المناسبة سيبعث برسالة قوية إلى أعداء إيران ويجدد التأكيد على دعم القضية الفلسطينية.
كما شدد الحرس الثوري الإيراني على أن يوم القدس يمثل رمزاً لانتفاضة الأمة الإسلامية ضد المشروع الصهيوني، مؤكداً أن عمليات «الوعد الصادق 4» ستتواصل حتى تحقيق الردع الكامل.
مواجهة مفتوحة ترسم ملامح مرحلة جديدة
تشير التطورات المتسارعة إلى أن المواجهة الحالية تتجه نحو مرحلة استراتيجية جديدة مع استمرار الضربات الإيرانية واتساع نطاقها من الأراضي المحتلة إلى القواعد الأمريكية في المنطقة والمياه الإقليمية للخليج.
ومع وصول عمليات «الوعد الصادق 4» إلى الموجة الثانية والأربعين، تبدو المنطقة أمام صراع مفتوح قد يعيد رسم معادلات القوة والردع في الشرق الأوسط خلال المرحلة المقبلة.