في المحاضرة الرمضانية الثانية والعشرين.. السيد القائد يضع خارطة بناء الأمة على هدي الوحي ومنطلقات الرسالة الإلهية
الجوف نت / صنعاءفي إطار محاضراته الرمضانية المتواصلة التي تحوّلت إلى مدرسة قرآنية متكاملة لإحياء وعي الأمة وإعادة ربطها بهدي القرآن الكريم، قدّم السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي في محاضرته الرمضانية الثانية والعشرين قراءة قرآنية عميقة لقصة نبي الله موسى عليه السلام، مستخلصاً منها جملة من المبادئ الكبرى التي تشكّل الأساس لبناء الإنسان المؤمن وبناء الأمة القادرة على مواجهة تحديات العصر ومخططات الأعداء.
المحاضرة جاءت امتداداً للسلسلة القرآنية التي يعرض فيها السيد القائد دروس الهداية الإلهية في ضوء القصص القرآني، مركّزاً هذه المرة على دلالات الوحي الأول لنبي الله موسى عليه السلام، وما تضمّنه من عناوين كبرى تشكّل القاعدة التي قامت عليها الرسالات الإلهية عبر التاريخ، بدءاً من التوحيد لله، مروراً بإقامة الصلاة، وصولاً إلى الإيمان بالآخرة والمسؤولية أمام الله.
قدسية المعالم الإسلامية.. معركة الهوية في مواجهة الاستهداف
في مستهل المحاضرة، تناول السيد القائد مسألة قدسية المعالم والمقدسات الإسلامية، موضحاً أن القرآن الكريم يؤكد هذه القدسية في العديد من المواضع، كما في وصف الوادي الذي كلم الله فيه نبيه موسى عليه السلام بأنه وادي مقدس مبارك.
وبيّن أن المعالم الدينية والمقدسات الإسلامية ليست مجرد مواقع جغرافية، بل هي شعائر ذات أبعاد إيمانية وروحية عميقة، ترتبط بها الأمة وجدانياً وتاريخياً، وتشكّل جزءاً من هويتها الإيمانية ومسيرتها الحضارية الممتدة عبر الزمن.
وأشار إلى أن أعداء الإسلام يدركون جيداً أهمية هذه المقدسات، ولذلك يعملون بشكل ممنهج على استهدافها وطمسها، سواء عبر الاحتلال المباشر كما يحدث في المسجد الأقصى، أو عبر حملات التشويه الفكرية التي تستهدف إضعاف ارتباط الأمة بمقدساتها.
وأوضح أن تعظيم شعائر الله هو من تقوى القلوب كما يؤكد القرآن الكريم، مشيراً إلى أن بعض التيارات التكفيرية المتشددة حاولت تشويه هذا المفهوم واعتبار التعظيم للمقدسات نوعاً من الشرك، في إطار مخططات فكرية تقف وراءها هندسة يهودية ودعم استعماري استهدف ضرب الهوية الإسلامية من الداخل.
الرسالات الإلهية.. اختيار رباني ومسؤولية عظيمة
وتوقف السيد القائد عند قضية اختيار الله للرسل والأنبياء، مبيناً أن الرسالة الإلهية ليست وظيفة يمكن إعداد الإنسان لها بوسائل بشرية، بل هي اصطفاء رباني وإعداد إلهي خاص.
وأشار إلى قول الله تعالى لموسى عليه السلام:
{وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى}،
وقوله سبحانه:
{وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي}.
وأوضح أن هذه الآيات تعبّر عن شرف عظيم ومنّة كبرى يمنّ الله بها على أنبيائه ورسله، حيث يهيئهم ويصطفيهم لحمل أعظم رسالة في تاريخ البشرية، وهي هداية الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور.
كما أكد أن الأنبياء في مسيرتهم الرسالية ينطلقون بيقين كامل وإيمان راسخ بوحي الله، بعيداً عن الشكوك أو الالتباسات التي يحاول أعداء الدين إثارتها حول طبيعة الوحي والرسالة.
الوحي الإلهي.. المصدر الأصيل للهداية
وأوضح السيد القائد أن العلاقة بين الأنبياء والوحي الإلهي تمثّل الأساس المعرفي والعملي لرسالاتهم، فكل ما يقدّمونه للبشرية من تعاليم وهداية هو مستمد من وحي الله سبحانه وتعالى.
وأشار إلى أن القرآن الكريم أكد هذا المعنى في مواضع عديدة، منها قول الله تعالى:
{إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ}
مبيناً أن الأنبياء كانوا النموذج العملي الأرقى في الالتزام بهدى الله والعمل بتعاليمه، وهو ما جعلهم حلقة الوصل بين السماء والأرض في إيصال هداية الله للبشرية.
وأكد أن إدراك أهمية الوحي الإلهي وتعظيمه يمثلان أساساً لبناء العلاقة الصحيحة بين الإنسان وربه، ولإقامة حياة مستقيمة قائمة على هدى الله.
التوحيد.. الأساس الذي تقوم عليه الرسالة الإلهية
وفي حديثه عن مضمون الوحي الأول الذي تلقاه موسى عليه السلام، أوضح السيد القائد أن أول ما جاء فيه هو مبدأ التوحيد لله سبحانه وتعالى، كما في قوله تعالى:
{إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي}.
وبيّن أن التوحيد في الرسالة الإلهية ليس مجرد مفهوم عقائدي نظري، بل هو مبدأ عملي شامل يقوم على عبودية الإنسان لله في كل مجالات حياته.
فالمفهوم الصحيح للعبادة يعني أن تكون حياة الإنسان كلها قائمة على أساس طاعة الله والالتزام بتعليماته، وليس مجرد ممارسة طقوس دينية محدودة بينما تسير بقية الحياة وفق الأهواء أو وفق إرادة الطغاة والمستكبرين.
وأشار إلى أن الأنبياء عبر التاريخ حرروا الإنسان من العبودية للطغاة والجبابرة، وأعادوا توجيهه نحو العبودية الخالصة لله وحده.
الصلاة.. مدرسة تربوية لتحرير الإنسان
كما ركزت المحاضرة على أهمية الصلاة في الرسالات الإلهية، حيث تأتي في مقدمة التشريعات التي فرضها الله على عباده مع كل رسالة.
وأوضح السيد القائد أن التعبير القرآني جاء بـ {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ} وليس مجرد “صلِّ”، في إشارة إلى أن المطلوب هو إقامة الصلاة بمعناها الكامل، بما تحمله من حضور قلبي وخشوع وتفاعل روحي مع الله.
وأشار إلى أن جوهر الصلاة هو الذكر لله والتذكير به، مبيناً أن الإنسان في زحمة الحياة وهمومها قد يغفل عن الله، فجعلت الصلاة في أوقات محددة خلال اليوم والليلة لتعيد ربطه بخالقه وتذكّره بعظمته.
كما أكد أن فهم معاني أذكار الصلاة – وعلى رأسها التكبير لله “الله أكبر” – يسهم في تحرير الإنسان من الخضوع للطغاة والمتكبرين، ويغرس في نفسه الشعور بعظمة الله فوق كل عظمة.
الإيمان بالآخرة.. الضامن لاستقامة الإنسان
وفي المحور الثالث من محاور الوحي الأول، تناول السيد القائد الإيمان بالآخرة والجزاء، كما في قوله تعالى:
{إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى}.
وأوضح أن الإيمان بالقيامة والحساب يمثل عاملاً أساسياً في ضبط سلوك الإنسان في الحياة الدنيا، لأنه يرسّخ الشعور بالمسؤولية عن الأعمال والمواقف.
وبيّن أن الإيمان بالآخرة يعكس أيضاً الإيمان بعدل الله وحكمته، حيث يفرّق بين المحسن والمسيء ويجازي كل إنسان بما عمل.
وأشار إلى أن من أخطر ما يبعد الإنسان عن الاستقامة هو اتباع الهوى، كما حذّر القرآن الكريم في قوله تعالى:
{فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى}.
مبيناً أن الانقياد للأهواء يدفع الإنسان إلى الانحراف والفساد، ويقوده في النهاية إلى الهلاك والخسران.
القرآن.. خارطة هداية لبناء الأمة
وفي خلاصة محاضرته، أكد السيد القائد أن العناوين الثلاثة التي تضمنها الوحي الأول – التوحيد، وإقامة الصلاة، والإيمان بالآخرة – تمثل القواعد الكبرى التي تقوم عليها الرسالة الإلهية كلها.
وأشار إلى أن هذه المبادئ ليست مجرد مفاهيم نظرية، بل هي منهج عملي لبناء الإنسان المؤمن وبناء الأمة القادرة على مواجهة التحديات والانحرافات.
وشدد على أن العودة الصادقة إلى هدي القرآن الكريم هي الطريق الحقيقي لاستعادة الأمة قوتها وعزتها، واستعادة دورها الحضاري في مواجهة مشاريع الهيمنة والطغيان التي تستهدف هويتها وإيمانها.
موقع 21 سبتمبر.