القرآن وقائد المسيرة.. خارطة الطريق لاستعادة كرامة الأُمَّــة في ليلة القدر


بقلم ـ حسين بن محمد المهدي

﴿إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ ۝ فِيها يُفْرَقُ كُـلّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ۝ أَمْرًا مِنْ عِنْدِنا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾

ليلة القدر ليست مُجَـرّد ليلة يتعبد فيها المسلمون بالصلاة والدعاء فحسب، بل هي محطة إيمانية عظيمة تتجدد فيها صلة الأُمَّــة بالقرآن الكريم، وتستحضر فيها أعظم رسالة إلهية أُنزلت لهداية البشرية وبناء الحضارة الإنسانية القائمة على العدل والكرامة والحق.

ففي هذه الليلة المباركة نزل القرآن، الكتاب الذي أخرج الله به الأُمَّــة من ظلمات الجهل والفرقة والضعف إلى نور الإيمان والوحدة والقوة.

{ألر، كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ}

لقد كان القرآن الكريم منذ اللحظة الأولى لنزوله مشروع نهضة للأُمَّـة، ومنهج حياة متكامل يصوغ الإنسان المؤمن، ويقيم المجتمع العادل، ويؤسس للأُمَّـة القادرة على حمل رسالة الحق في مواجهة الباطل.

ولذلك لم يكن نزول القرآن حدثًا عابرًا في التاريخ، بل كان نقطة تحول كبرى غيّرت مسار البشرية: {يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ۝ قُلْ بِفَضْلِ اللَّـهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ}

غير أن القرآن ـ مع عظمته ـ لا يُحدث أثره في الواقع ما لم يتحول إلى منهج عملي يقوده قائد واعٍ يجسد قيمه في السلوك والموقف والحركة.

فقد ارتبط القرآنَ منذ فجر الرسالة بالقيادة الربانية الحكيمة التي جسدها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فكان القائد الذي ترجم القرآن واقعًا حيًّا في حياة الناس، وبنى به أُمَّـة صنعت أعظم تحول حضاري في التاريخ.

{يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا}.

ومن هنا فإن العلاقة بين القرآن والقائد ليست علاقة شكلية أَو عابرة، بل هي علاقة تكامل؛ فالقرآن هو المنهج، والقائد هو من يقود الأُمَّــة لتجسيد هذا المنهج في الواقع.

وَإذَا انفصلت الأُمَّــة عن القرآن فقدت بُوصلتها، وَإذَا فقدت القيادة الواعية التي تتحَرّك بالقرآن ضاعت جهودها وتفرقت طاقاتها.

إن ما تعانيه الأُمَّــة الإسلامية اليوم من ضعف وتفرق وهيمنة الأعداء ليسَ بسَببِ قلة الإمْكَانات؛ بلْ بسَببِ الابتعاد عن القرآن منهجًا للحياة، وغياب القيادة التي تعيد للأُمَّـة ثقتها بربها، وتوحد صفها، وتوجّـه طاقاتها نحو مشروع النهضة والتحرّر: {إِنَّ هذَا القرآن يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا}.

ومن هنا تأتي ليلة القدر لتكون فرصة عظيمة لمراجعة المسار، واستعادة العلاقة الحقيقية مع القرآن، ليس بوصفه كتاب تلاوة فحسب، بل كتاب هداية وتغيير وبناء للأُمَّـة.

فالقرآن الذي صنع الجيل الأول القادر على مواجهة أعظم الإمبراطوريات في التاريخ قادرٌ ـ إذَا تمسكنا به حق التمسك ـ أن يصنع نهضة جديدة تعيد للأُمَّـة عزتها وكرامتها: {وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأرض يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ}.

وقد كان يمنُ الإيمان والحكمة سبَّاقًا لاختيار السيد عبدالملك بن بدر الدين الحوثي قائد المسيرة القرآنية وموالاته.

وإن من أعظم الدروس التي نستفيدها من هذه الليلة المباركة أن الأُمَّــة لا يمكن أن تنهضَ إلا إذَا اجتمع فيها عنصران أَسَاسيان: القرآن كمنهج هداية، والقيادة الواعية التي تتحَرّك به في مواجهة التحديات.

فبهذين العنصرين قامت حضارة الإسلام، وبهما يمكن أن تستعاد كرامة الأُمَّــة في حاضرها ومستقبلها.

إن إحياء ليلة القدر ينبغي أن يتجاوز حدود الطقوس الفردية إلى مستوى الوعي الجماعي برسالة القرآن، واستحضار المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتق الأُمَّــة في مواجهة الظلم والاستكبار، ونصرة المستضعفين، وإقامة العدل الذي جاء به الإسلام، ولا يمكن تحقيق ذلك دون الاعتصام بحبل الله المتين ورفع راية القرآن: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّـهِ جميعًا وَلا تَفَرَّقُوا}.

فالأمة التي تعود إلى القرآن، وتلتف حول القيادة الصادقة التي تحمل مشروعه، قادرة على تجاوز كُـلّ التحديات، مهما بلغت قوة الأعداء أَو تعاظمت المؤامرات.

لأن القرآن ليس مُجَـرّد كتاب يُتلى، بل قوة تغيير هائلة تصنع الإنسان الحر، والمجتمع القوي، والأمة التي ترفض الذل والاستسلام، {وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}، {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}.

وفي ليلة القدر، حَيثُ تتنزل الرحمات وتفتح أبواب السماء، يكون من أعظم ما ينبغي أن تدعو به الأُمَّــة أن يوفقها الله للعودة الصادقة إلى كتابه، وأن يهيئ لها العمل بكتاب الله مع القيادة التي تقودها بنور القرآن نحو العزة والكرامة والنهضة الشاملة: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئك هُمُ الْمُفْلِحُونَ}.

فحين يلتقي القرآن بالقائد الواعي، وتلتفُّ الأُمَّــة حول مشروعهما، يصبح الطريق إلى استعادة الكرامة واضحًا، وتتحول ليلة القدر من مُجَـرّد ذكرى لنزول القرآن إلى نقطة انطلاق جديدة في مسيرة نهضة الأُمَّــة واستعادة دورها الحضاري في هداية البشرية، واتباع سنة نبيه ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾.

والغلبة والنصر والتمكين سيكون بإذن الله حليفهم {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرض كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى‏ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا}.

{وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}.