هذا الموقع لا يمنحُ اليمن قيمةً جغرافيةً فحسب، إنما يجعله جزءًا مباشرًا من معادلة الأمن البحري والتجارة الدولية، حَيثُ تمر عبره واحدةٌ من أهم خطوط الملاحة العالمية.

ومن هذا المنطلق، فإنَّ أيةَ قراءة لدور اليمن يجب أن تنطلق من كونه طرفًا سياديًّا يمتلك أوراقَ تأثير حقيقيةً، لا مُجَـرّد ساحة نفوذ لقوى إقليمية كما يُصوِّره الإعلام المضلِّل.

وفي السياق الإقليمي الراهن، يبرز اليمن اليوم كقوةٍ تمتلك مقومات ردع فرضتها طبيعة التحديات التي واجهها، بما في ذلك مواجهة تحالفات عسكرية كبرى ضمّت أكثر من سبع عشرة دولة بقيادة الولايات المتحدة، في واحدةٍ من أكثر المواجهات تعقيدًا في الإقليم خلال العشر السنوات الماضية.

كما برز دوره في سياق دعم غزة خلال عملية “طوفان الأقصى”، وما تبعها من تصعيدٍ استمرَّ لعامَين، دخلت خلاله أمريكا بشكل مباشر في محاولة لكسر اليمن وإحداث تغييرٍ في موازين القوة للحد من قدراته، إلا أن مجريات الأحداث فرضت واقعًا ميدانيًّا أكثر تعقيدًا على حسابات القوى الدولية.

وفي السياق العسكري والسياسي الأخير، برز اليمن في مواجهة مباشرة مع كَيان الاحتلال ضمن تداعيات الصراع الإقليمي المتصاعد، وضمن وحدة الساحات، وهو ما أضاف بُعدًا جديدًا لدوره يتجاوز حدود الجغرافيا التقليدية للصراعات.

كما أن التطورات في البحر الأحمر، وما رافقها من تصعيد مع الولايات المتحدة، كشفت عن تحولاتٍ نوعية في طبيعة الاشتباك؛ حَيثُ واجهت واشنطن تحديات عملياتية معقدة في حماية خطوط الملاحة المرتبطة بكَيان الاحتلال الصهيوني، رغم وجودها العسكري البحري في المنطقة، الأمر الذي دفعها إلى إعادة تقييم خياراتها والبحث عن مسارات تهدئة عبر وساطات إقليمية، كان أبرزها الوساطة العُمانية؛ بهَدفِ احتواء التهديد الحقيقي الذي تعرضت له أمريكا لضمان أمن سفنها الاقتصادية.

هذه التطورات لا يمكن قراءتها بمعزل عن إعادة تشكّل موازين القوة في المنطقة، حَيثُ لم تعد الهيمنة البحرية أَو العسكرية تُدار بسهولة كما في السابق، بل باتت تخضع لتوازنات جديدة تفرضها قدرات اليمن الصاعدة في الإقليم، كموقعٍ جغرافيٍّ وعسكريٍّ قويٍّ لا يمكن تجاهله.

ومع ذلك، فإن فهم الدور اليمني يتطلب تجاوز التظليل الإعلامي الذي يحاول حصره في إطار ارتباطات خارجية، بينما يرتبط الدور اليمني بقضايا مصيرية للأُمَّـة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، ومنع واقعٍ يُراد تشكيله في المنطقة فيما يُسمّى “إسرائيل الكبرى”، وهو ما يجعل حضوره مرتبطًا بسياقات أوسع من الجغرافيا والسياسة التقليدية، ويعكس تداخلًا بين السيادة الوطنية وقضايا الأُمَّــة كاعتباراتٍ إقليميةٍ وتحولاتٍ في بنية الصراع الدولي في المنطقة.

في المحصلة، يمثل اليمن اليوم عنصرًا فاعلًا في معادلة الأمن الإقليمي، وليس مُجَـرّد هامشٍ في صراعات الآخرين كما يُروَّج له، إنما واقعٌ مفروض يمكن قراءته استراتيجيًّا كأمرٍ لا يمكن تجاوزه أَو التقليل منه.