سيادة الصومال بعيون يمنية.. صنعاء تعلن سقوط ‘رهان المسافة’ وتؤكد: أي موطئ قدم صهيوني هو هدف مشروع


تمثل الخطوة الصهيونية الأخيرة المتمثلة في محاولة تعيين “سفير” للكيان في مدينة هرجيسا بإقليم أرض الصومال، تجاوزاً جيوسياسياً يتعدى حدود الدبلوماسية التقليدية ليدخل في سياق “العربدة الاستراتيجية” التي يحاول الكيان من خلالها كسر العزلة البحرية المفروضة عليه من قبل صنعاء. إن التحذير الشديد الذي أطلقته وزارة الخارجية والمغتربين في صنعاء لا ينطلق من مجرد التضامن القومي مع الصومال الشقيق فحسب، بل هو قراءة استباقية لمخطط يهدف إلى تحويل السواحل الغربية لخليج عدن إلى “ثكنة استخباراتية” صهيونية تهدف إلى مراقبة وتطويق العمليات العسكرية اليمنية المساندة لغزة. صنعاء اليوم، ببيانها الرسمي، تعلن عن تدشين مرحلة جديدة من “الردع العابر للحدود”، حيث لم تعد تكتفي بحماية سيادة مياهها الإقليمية، بل باتت تعتبر العمق الأفريقي الموازي لليمن مساحة أمنية حيوية لا يمكن السماح للعدو الصهيوني بالعبث في توازناتها، خاصة في ظل العجز الأمريكي البريطاني عن حماية السفن الصهيونية في باب المندب.

إن هذا الموقف اليمني الحازم يرتكز على رؤية سيادية شاملة تتبناها القيادة في صنعاء، ترى في التواجد الصهيوني في الصومال محاولة لتمزيق النسيج العربي والأفريقي عبر تشجيع المشاريع الانفصالية التي توفر بيئة خصبة للاختراق الأمني. إن تعيين “سفير” في إقليم منشق هو اعتراف ضمني بتفتيت الدول الموحدة، وهو تكرار لسيناريوهات صهيونية سابقة نُفذت في مناطق نزاع حول العالم لانتزاع موطئ قدم مقابل وعود وهمية بالأمن. ومن هنا، يأتي التوصيف اليمني لهذه الخطوة بأنها “انتهاك صارخ للقانون الدولي”، ليضع الكيان ومن يتعاون معه في مواجهة مباشرة مع الإرادة الشعبية اليمنية والصومالية على حد سواء. إن الرسالة التي وجهتها صنعاء للعالم مفادها أن اليمن الذي غيّر معادلات الصراع في البحر الأحمر، لن يقف مكتوف الأيدي أمام محاولات الالتفاف الجغرافي التي يسعى العدو من خلالها لإعادة فرض هيمنته على طرق التجارة العالمية من الضفة الأفريقية.

 

استراتيجية “الأطراف” وبعث الأطماع التاريخية

لا يمكن قراءة التحرك الصهيوني تجاه هرجيسا بمعزل عن “عقيدة المحيط” أو “حلف الأطراف” التي أسسها “ديفيد بن غوريون” في خمسينيات القرن الماضي، والتي قامت على بناء تحالفات مع كيانات وقوى غير عربية لتطويق العالم العربي من الخارج. الكيان الصهيوني، الذي يواجه اليوم حصاراً بحرياً يمنياً غير مسبوق أدى إلى شلل ميناء “إيلات”، يحاول يائساً العودة إلى هذه الاستراتيجية القديمة عبر البحث عن “رئة اصطناعية” في القرن الأفريقي. إن الاهتمام الصهيوني بالصومال ليس وليد اللحظة، بل هو طمع تاريخي في السيطرة على “مثلث الملاحة” الرابط بين المحيط الهندي والبحر الأحمر، وهو ما حذر منه السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي في أكثر من خطاب، مؤكداً أن العدو يسعى دوماً لإنشاء قواعد متقدمة للتجسس والمراقبة تستهدف القوى المقاومة للهيمنة الاستكبارية في المنطقة.

إن محاولة التسلل الصهيوني إلى إقليم أرض الصومال تهدف بالدرجة الأولى إلى إنشاء مراكز “حرب إلكترونية” ورادارات متطورة قادرة على كشف التحركات في السواحل اليمنية والقرن الأفريقي، مما يمنح الكيان ميزة استخباراتية يحاول من خلالها تقليل فاعلية الهجمات اليمنية المسددة ضد سفنه. تاريخياً، حاول الكيان الصهيوني في السبعينيات التواجد في جزر “دهلك” الأريتيرية ومنطقة “مصوع” لتحقيق الهدف ذاته، لكن الصحوة الجهادية المعاصرة في اليمن، والتحول الجذري في موازين القوى، جعلت من هذه المحاولات انتحاراً سياسياً وعسكرياً. إن صنعاء تدرك أن الصهيونية العالمية ترى في الصومال الضعيف والمجزأ فرصة ذهبية للتحكم في باب المندب من الجهة المقابلة، ولذلك فإن الموقف اليمني الحالي هو عملية “إجهاض استباقية” لمشروع تحويل الصومال إلى قاعدة “موساد” متقدمة تحت غطاء الدبلوماسية.

وتأسيساً على هذا، فإن الدعم الصهيوني للمشاريع الانفصالية في الصومال يمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي العربي والإسلامي، حيث يسعى الكيان لخلق كيانات هشة تدين له بالولاء مقابل الحماية والاعتراف الزائف. هذا النوع من التدخل يؤدي بالضرورة إلى إذكاء الصراعات الإقليمية وتحويل القرن الأفريقي إلى ساحة لتصفية الحسابات الدولية، وهو ما ترفضه صنعاء التي تؤكد على وحدة واستقلال الصومال كجزء لا يتجزأ من جدار الصمود في وجه المشروع الصهيوني. إن الشواهد التاريخية تثبت أن أي تواجد صهيوني في أفريقيا كان يتبعه موجات من عدم الاستقرار والنهب الاقتصادي، وهو ما يجعل من الموقف اليمني ضرورة أخلاقية وقانونية لحماية الشعوب الأفريقية من الوقوع في فخ التبعية للصهاينة الذين لا يحترمون سيادة ولا عهوداً.

 

معادلة “الخط الأحمر” والردع العسكري الميداني

لقد حدد البيان الرسمي لوزارة الخارجية في صنعاء أن أي تواجد صهيوني في الصومال يمثل “خطاً أحمراً”، وهو مصطلح لا يحمل دلالة سياسية فحسب، بل هو ترجمة لتهديد عسكري قائم ومسنود بالقدرات الميدانية. ففي يناير الماضي، وتزامناً مع تصاعد التوترات في المنطقة، أصدرت القوات المسلحة اليمنية موقفاً معلناً وحازماً بشأن التحركات الصهيونية والأجنبية في الصومال، مؤكدة أن اليمن لن يسمح بأي تهديد ينطلق من الضفة المقابلة لخليج عدن. هذا الموقف العسكري يعكس تحول اليمن من دور “المتفرج” إلى دور “الفاعل الاستراتيجي” الذي يمتلك القدرة على الوصول إلى أي هدف معادٍ ضمن نطاق جغرافي واسع، وهو ما يدركه الكيان الصهيوني الذي يخشى أن تتحول قواعده المفترضة في أفريقيا إلى أهداف مشروعة للصواريخ والمسيرات اليمنية.

إن التحذير اليمني من تقويض أمن البحر الأحمر والملاحة الدولية هو توصيف دقيق للواقع، فالتواجد الصهيوني هو المصدر الأول لعدم الاستقرار، حيث يسعى الكيان لعسكرة هذه الممرات الحيوية وجلب القوى الاستعمارية الكبرى تحت ذريعة حماية السفن. القوات المسلحة اليمنية، ومنذ انطلاق معركة “الفتح الموعود والجهاد المقدس”، أثبتت أنها الطرف الوحيد القادر على تأمين الملاحة الدولية من خلال استهداف السفن المرتبطة بالعدو الصهيوني حصراً، بينما فشلت التحالفات الأمريكية في فرض إرادتها. وبالتالي، فإن محاولة إسرائيل التموضع في هرجيسا هي محاولة لتغيير قواعد الاشتباك البحرية التي فرضتها صنعاء، وهو ما سيقابل بردود يمنية تتناسب مع حجم التهديد، بما يضمن بقاء البحر الأحمر وخليج عدن ممرات آمنة وخالية من التواجد الصهيوني الخبيث.

علاوة على ذلك، فإن الموقف اليمني يستند إلى شرعية الدفاع عن النفس وحماية السيادة الإقليمية، حيث أن التواجد الصهيوني في الصومال يستهدف بشكل مباشر ضرب القدرات الدفاعية اليمنية وتعطيل دور اليمن المحوري في نصرة القضية الفلسطينية. إن السيد القائد عبد الملك الحوثي أكد في خطاباته الأخيرة أن اليمن لن يتراجع عن مساندة غزة مهما بلغت التحديات، وأن أي محاولات لتطويق اليمن عبر القرن الأفريقي أو غيره ستبوء بالفشل أمام يقظة الشعب اليمني وقواته المسلحة. هذا الربط بين الجبهات يوضح أن المعركة في الصومال هي امتداد للمعركة في غزة والحديدة، وأن العدو الصهيوني الذي فشل في تحقيق أهدافه في ميدان المواجهة المباشر، لن ينجح في تحقيقها عبر المناورات الدبلوماسية في الأقاليم المنشقة.

وفي هذا السياق، تبرز الوقائع الميدانية التي تؤكد أن اليمن يمتلك اليوم بنك أهداف واسع يشمل التحركات الصهيونية في المحيط الهندي وشرق أفريقيا. إن استهداف السفن الصهيونية على مسافات تصل إلى آلاف الكيلومترات هو رسالة عملية بأن “هرجيسا” ليست بعيدة عن متناول الرد اليمني إذا ما تجرأت السلطات هناك على شرعنة التواجد الصهيوني. إن الموقف الذي أعلنته صنعاء هو بمثابة “حصار استباقي” للنشاط الصهيوني، يمنع العدو من استغلال الثغرات الجغرافية لتنفيذ عمليات عدوانية ضد اليمن أو دول المنطقة، ويعيد التأكيد على أن أمن القرن الأفريقي هو جزء لا يتجزأ من أمن باب المندب، وهي معادلة لا يمكن للكيان الصهيوني تجاوزها مهما بلغت درجة دعمه من القوى الغربية.

 

المسؤولية القومية وتفكيك المشروع “الصهيو-انفصالي”

دعت وزارة الخارجية في صنعاء الدول المطلة على البحر الأحمر وكافة الدول العربية والإسلامية إلى اتخاذ خطوات جادة لمواجهة المخططات الصهيونية، وهي دعوة تنطلق من مسؤولية اليمن التاريخية كحارس للبوابة الجنوبية للأمة. إن هذا النداء يكشف عن عمق المخطط الذي يستهدف ليس الصومال فحسب، بل المنظومة الأمنية العربية برمتها، حيث يسعى الكيان الصهيوني لاستغلال الصمت العربي الرسمي للنفاذ إلى المواقع الاستراتيجية التي تمكنه من خنق التجارة العربية والتحكم في مصائر الشعوب. إن الموقف اليمني المبدئي الداعم لوحدة الصومال واستقراره يمثل السد المنيع أمام مشاريع التفتيت التي ترعاها الصهيونية، ويضع الأنظمة العربية أمام اختبار حقيقي: إما الانحياز لسيادة الأمة أو الاستمرار في سياسة “النأي بالنفس” التي تخدم الأجندة الإسرائيلية.

إن التحليل السياسي لهذا التوجه الصهيوني يكشف عن رغبة في خلق “دولة وظيفية” في أرض الصومال تخدم المصالح الأمنية للكيان، تماماً كما حاول العدو سابقاً في مناطق أخرى من القارة الأفريقية. إن اليمن، بتبنيه لموقف صنعاء القوي، يعيد الاعتبار للهوية الإسلامية والعربية للصومال، ويرفض منطق “الصفقات المشبوهة” التي تتم على حساب سيادة الدول. الشواهد التاريخية تؤكد أن الشعب الصومالي في غالبيته العظمى يرفض التطبيع ويتمسك بهويته المقاومة، وما التحرك الصهيوني في هرجيسا إلا محاولة للالتفاف على هذه الإرادة الشعبية عبر استقطاب بعض النخب السياسية. لذا، فإن الدور اليمني يكمن في توفير السند السياسي والمعنوي، وربما الميداني، للقوى الصومالية الرافضة لهذا الاختراق، بما يضمن إفشال المخطط الصهيوني في مهده.

إن التأكيد على أن التواجد الإسرائيلي يشكل تهديداً مباشراً للملاحة الدولية هو رد مفحم على الادعاءات الغربية التي تبرر التدخل العسكري الأمريكي في المنطقة. فالحقيقة التي يثبتها الواقع هي أن الصهاينة هم من يقوضون استقرار البحار عبر ممارساتهم العدوانية ومحاولاتهم السيطرة على المضائق بأساليب غير مشروعة. صنعاء، من خلال بيانها، تضع المجتمع الدولي أمام حقيقة أن الاستقرار في القرن الأفريقي وبحر العرب لا يمكن أن يتحقق إلا برحيل القوى الأجنبية الصهيونية والغربية، وبترك شعوب المنطقة تدير شؤونها بنفسها. إن الموقف اليمني هو دعوة لليقظة من “السرطان الصهيوني” الذي يحاول التسلل عبر الموانئ الأفريقية، وهو موقف سيظل ثابتاً وراسخاً، تقوده قيادة حكيمة لا تساوم على المبادئ ولا تخضع للترهيب، وتعتبر الدفاع عن الصومال واجباً مقدساً كالدفاع عن اليمن وفلسطين.

 

مآلات الانكسار الصهيوني على ضفاف أفريقيا

ختاماً، إن التقرير التحليلي لهذا المشهد المعقد يقودنا إلى نتيجة حتمية مفادها أن المغامرة الصهيونية في إقليم أرض الصومال محكوم عليها بالفشل الاستراتيجي الذريع. إن قوة الموقف اليمني الصادر عن صنعاء لا تستمد زخمها من الكلمات فحسب، بل من الواقع الميداني الذي أثبت أن اليمن بات يمتلك “اليد الطولى” في المنطقة، وأن أي محاولة لخلق واقع أمني جديد في خليج عدن ستصطدم بإرادة يمنية صلبة لا تعرف الانكسار. الكيان الصهيوني، الذي فشل في حماية سفنه أمام شواطئ الحديدة، لن يجد الأمان في شواطئ هرجيسا، لأن الوعي اليمني والمقاومة الإقليمية باتت تطوقه من كل جانب، محولةً أحلامه في التوسع إلى كوابيس من الاستنزاف المستمر.

إن “الخط الأحمر” الذي رسمته صنعاء بالدم والبارود في البحر الأحمر، يمتد اليوم ليشمل كل ذرة تراب وساحل في القرن الأفريقي يحاول الصهاينة تدنيسه. إن المستقبل في هذه المنطقة الحساسة من العالم لن يرسمه “سفراء” الكيان الغاصب، بل سترسمه الشعوب الحرة التي قررت استعادة سيادتها وكرامتها. ستبقى اليمن هي الصخرة التي تتحطم عليها أطماع الاستكبار العالمي، وسيبقى الصومال عصياً على التمزق والتبعية، طالما أن هناك جبهة مقاومة صلبة تقودها صنعاء بوعي تاريخي وبصيرة قرآنية، تؤمن بأن زوال الكيان الصهيوني يبدأ بتطهير المحيط العربي والأفريقي من أدواته ووجوده الخبيث، وهو وعد تراه صنعاء قريباً ويراه العدو بعيداً.

 

موقع 21 سبتمبر.