الولاية.. إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ (ح2)
بقلم ـ محمد فاضل العزي
ليست القضية الكبرى في حياة الأُمَّــة أنها تعرف اسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فاسمُه يتردّد في الأذان، وتُرفع الصلاة عليه في المشارق والمغارب، وتُروى سيرته في المجالس والمحافل.
ولكن القضية الأخطر أن كَثيرًا من المسلمين عرفوا الرسول نبيًّا، ولم يعرفوه وليًّا؛ أحبوه عاطفةً، ولم يتولوه قيادةً؛ عظّموه شعارًا، ولم يجعلوه مرجعًا ومنهجًا وحاكمًا على أفكارهم ومواقفهم وتوجّـهاتهم.
ومن هنا يبدأ السؤال المصيري الذي تتوقف عليه الهداية والنجاة والفلاح:
ما معنى أن يكون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وليًّا للمؤمنين؟
وهل الولاية التي تحدث عنها القرآن مُجَـرّد محبةٍ وجدانية، أم أنها قيادةٌ وهدايةٌ وطاعةٌ واتباعٌ والتزام وتسليم؟
القرآن الكريم يحسمُ هذه القضية بكلمات قليلة، لكنها تهزّ وجدان المؤمن وتعيد تشكيل وعيه من جديد:
{إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ}.
إنها ليست آية تتحدث عن علاقة عابرة أَو رابطة روحية مُجَـرّدة، نجدها تعلن عن مشروع إلهي متكامل، يبدأ بالله سبحانه وتعالى، ثم يمتد في الواقع البشري عبر رسوله؛ ليقود الإنسان من الظلمات إلى النور، ومن الضياع إلى الهداية، ومن عبودية الهوى والطاغوت إلى عبودية الله وحده.
فكما أن الله سبحانه وليُّ هذا الكون في خلقه وتدبيره ورزقه وإحيائه وإماتته، فهو ولي المؤمنين في هدايتهم ورعايتهم وصناعة مصيرهم، ولهذا قال سبحانه:
{اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلى النُّورِ}.
وهنا تتجلى عظمة الرسالة المحمدية، فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم ليس مُجَـرّد ناقل للوحي، ولا مبلّغ للنصوص فحسب، ولا واعظ يقف عند حدود التذكير، ثم يترك الناس لأهوائهم وصراعاتهم وتياراتهم المتناقضة.
هو الامتداد العملي للولاية الإلهية في واقع الحياة.
هو القائد الذي يقود، والمعلِّم الذي يربي، والمزكِّي الذي يطهّر النفوس، والهادي الذي يأخذ بأيدي الناس إلى الله، والحاكم الذي يفصل بالحق، والقُدوة التي تتجسد فيها تعاليم السماء سلوكًا وموقفًا ومنهجًا.
ولهذا لم يقل القرآن الكريم: وما أرسلنا من رسول إلا ليخبر الناس.
فقد قال: {وَمَا أرسلنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ}.
فالرسالة لا يمكن أن تتحولَ إلى واقع إلا بقيادة تُطاع، ومنهج يُتبع، وأوامر تُنفذ، وإلا تحولت إلى مُجَـرّد معلومات محفوظة وشعارات مرفوعة لا أثر لها في صناعة الواقع.
ومن هنا نفهم سر التعبير القرآني العظيم:
{النَّبِيُّ أولى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أنفسهِمْ}.
أي منزلة هذه؟
وأي مقام هذا الذي يجعل النبيَّ أولى بالمؤمن من نفسه؟
إنها ليست مصادرةً لإرادَة الإنسان، إنما هي إنقاذ له من ضيق نفسه إلى سعة الهداية، ومن محدودية نظره إلى نور الوحي، ومن تقلب الأهواء إلى ثبات الحق.
فالإنسان قد يخطئ التقدير، وقد تغلبه الشهوة، وقد يخدعه الواقع، أما الرسول فيتحَرّك بنور الله، ويقود بمنهج الله، ويريد للناس ما أراده الله لهم من الخير والعزة والنجاة.
الرسول القُدوة.. الوجه العملي للولاية
وليس أعظم ما في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه نبيٌّ أُوحي إليه، وإنما الأعظم أن الله جعله النموذجَ الكاملَ الذي تتجسد فيه تعاليم السماء واقعًا حيًّا يمشي على الأرض.
فالناس قد يختلفون في فَهم النصوص، وقد تتباين آراؤهم في تفسير المبادئ، لكنهم حين ينظرون إلى رسول الله يرون الإسلامَ نفسَه وقد تحوَّل إلى إنسان.
يرون القرآنَ ناطقًا في أخلاقه.
ويرَون الرحمة متجسدة في مواقفه.
ويرون العدلَ حاضرًا في أحكامه.
ويرون الحكمة متألقةً في قيادته.
ويرَون العبودية لله في أرقى صورها في حياته كلها.
ولهذا لم يدعُ القرآن إلى الإعجاب به فحسب، لقد دعا إلى الاقتدَاء به فقال:
{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}.
إنها دعوة إلى أن يكون الرسول معيارًا لحياتنا كلها، لا مُجَـرّد شخصية تاريخية نحفظ سيرتها ثم نمضي في طريق آخر.
فهو القُدوة في الإيمان حين تضعف النفوس.
والقُدوة في الصبر حين تشتد المحن.
والقُدوة في الجهاد حين تتعاظم التحديات.
والقُدوة في الرحمة حين تقسو القلوب.
والقُدوة في القيادة حين تضطرب المواقف.
والقُدوة في العبودية حين ينسى الناس ربهم.
ومن هنا كان التولي لرسول الله ضرورةً إيمانية لا خيارًا شخصيًّا.
لأن الإنسان إذَا لم يتولَّ من اختاره الله له قائدًا، فسيتولى من تفرضُه عليه الأهواء.
وإذا لم يخضعْ لنور الوحي، خضع لظلماتِ الشهوات.
وإذا لم يرتبط بالقُدوة الربانية، ارتبط بنماذجَ مزيَّفةً تصنعُها القوةُ أَو المالُ أَو الإعلامُ أَو الطغيان.
وهذه هي مأساة الأمم عبر التاريخ.
كل أُمَّـة أعرضت عن هداة الله، انتهت إلى التبعية للطغاة.
وكل أُمَّـة فقدت القُدوة الربانية، صنعت لنفسها أصنامًا بشرية تُعبَّد لها من دون الله.
أما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقد اختاره الله ليكون المعيار الذي تُوزن به الشخصيات، لا شخصية تُوزن بغيرها.
ولهذا جعل اللهُ طاعتَه من صميم الإيمان نفسه، ولم يجعلها أمرًا ثانويًّا:
{فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ}.
فالإيمان الحقيقي تسليمٌ للرسول، وثقةٌ بمنهجه، ورضا بحكمه، والتزام بهديه، وليس ادِّعاء باللسان.
فالرسول قائد نهتدي به، وليس مُجَـرّد رمز نحبه.
منهج نلتزمه، وليس مُجَـرّد اسم نعظمه.
مشروع هداية نبني عليه حاضرنا ومستقبلنا، وليس مُجَـرّد تاريخ نفتخر به.
ولاية الرحمة لا ولاية التسلط
وهنا تظهر الفوارق الهائلة بين ولاية الأنبياء وولايات الطغاة.
فالطغاة يرون الولاية وسيلة للهيمنة على الناس.
أما الأنبياء فيرونها مسؤولية تجاه الناس.
الطاغية يريد من الأُمَّــة أن تخدم سلطانه.
أما النبي فيفني عُمُرَه ليبنيَ الأُمَّــة.
الطاغية يجمع الثروة لنفسه.
أما النبي فيبذل نفسه لله.
الطاغية يطلب الطاعة ليكبر.
أما النبي فيطلبها ليهتدي الناس.
ولهذا ظل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو صاحبُ أعظم قيادة عرفتها البشرية، أكثرَ الناس عبوديةً لله، وأكثرهم خضوعًا لأمره.
لم يكن يحكم بهواه.
ولم يكن يتصرف بمزاجه.
ولم يكن يرى نفسه فوق الشريعة التي جاء بها.
فقد كان شعاره الدائم:
{إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ}.
وكان أول الملتزمين بما يدعو إليه.
وأول العاملين بما يأمر به.
وأعظم الناس استقامة على منهج الله.
ولهذا وصفه القرآن في أعلى مقامات التكريم بالعبودية:
{تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ}.
فكلما ارتفعت منزلته عند الله، ازداد تواضعًا لله.
وكلما عظمت قيادته، ازدادت عبوديته.
وكلما اتسعت ولايته، ازداد خضوعُه لربه.
عظمة الرسول في رحمة الولي وحرص القائد
ومن أعظم ما يكشف حقيقة ولاية الرسول تلك الصورة التي رسمها القرآن له بقوله تعالى:
{لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أنفسكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}.
إنها تعريف قرآني لطبيعة القيادة المحمدية، وليست أوصافًا عاطفية فحسب.
يعز عليه ضعف الأُمَّــة.
ويؤلمه انحرافها.
ويحزنه تخلفها.
ويحرص على عزتها ونهضتها.
ويريد لها أن تكون أُمَّـة شاهدة على الناس.
أمة تحمل رسالة الله إلى العالم.
أمة قوية بعقيدتها.
عزيزة بمواقفها.
كريمة باستقلالها.
راشدة ببصيرتها.
ولذلك فإن التولي للرسول انتماء يُترجم، وطاعة تُمارس، واتباعٌ يظهر في المواقف والخيارات والولاءات.
ومن هنا ربط القرآن بين طاعة الرسول والهداية نفسها:
{وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا}.
وربط بين طاعته وطاعة الله:
{مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ}.
إنها معادلة لا تحتمل الالتباس:
لا هداية بلا اتباع.
ولا اتباع بلا طاعة.
ولا طاعة بلا تعظيم.
ولا تعظيم بلا معرفة حقيقية بمقام رسول الله ومنزلته عند الله.
التولي للرسول.. طريق الفلاح
ولهذا جاءت التوجيهاتُ القرآنية واضحة في رسم العلاقة الصحيحة برسول الله:
إيمانٌ صادق به.
وتعظيمٌ لمقامه.
ونصرةٌ لقضيته.
واتباعٌ للنور الذي أُنزل معه.
فإذا اجتمعت هذه العناوين الأربعة في حياة الأُمَّــة تحقّقت النتيجة التي وعد الله بها:
{أُولئك هُمُ الْمُفْلِحُونَ}.
فالفلاح ليس شعارًا يرفع.
ولا أمنيةً تُتمنى.
هو ثمرة ولايةٍ تُفهم.
ورسالةٍ تُتبع.
ونبيٍّ يُطاع.
وهكذا تبقى ولاية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الحقيقة الكبرى التي تحفظ للأُمَّـة هُويتها، وتصون رسالتها، وتمنحها القدرة على مواجهة الطغيان والانحراف والضلال.
إنها ولاية الرحمة لا ولاية القهر.
وولاية الهداية لا ولاية التضليل.
وولاية البناء لا ولاية الاستعباد.
وولاية النور التي أرادها الله طريقًا لخَلاص الإنسان، وعزة الأُمَّــة، وفوزها في الدنيا والآخرة.
فمن تولّى رسول الله حق التولي، سار في طريق النور.
ومن أعرض عن ولايته، مهما رفع من الشعارات، فقد عرّض نفسَه للتِّيه في متاهات الأهواء، وأغلق على قلبه بابًا من أعظم أبواب الهداية.
وهنا تتجلى الحقيقةُ الخالدةُ التي لا يغيّرها زمان ولا تبدّلها أحداث:
أن الأُمَّــةَ تكونُ أقربَ إلى الله بقدر ما تكون أقربَ إلى رسوله، وأنها تكونُ أعزَّ وأهدى وأبصر بقدر ما يكون رسولُ الله هو قائدَها وقدوتها ووليَّها الذي تتبعه في الفكر والموقف والمسير.