كيف “فقأت” الصواريخ الإيرانية “أعين” أمريكا الرادارية


تقرير | وديع العبسي

منذ اللحظات الأولى للموجات الهجومية، نسف الحرس الثوري الإسلامي أهم جزء من التصورات التي اعتاد العدو الأمريكي الاتكاء عليها عند تنفيذه أي عمل عدواني ضد دول المنطقة، وهي بقاء بُنيته الاعتراضية بعيدة جداً عن الخطر والاستهداف. جولة “كسر العظم” الإيرانية هذه المرة ارتقت إلى مستوى كسر التفرد الأمريكي بالقوة، وإلحاق الهزيمة به. على أن واشنطن كانت دائماً تمثل الجانب المعتدي، بينما طهران تمارس حق الدفاع عن النفس، وتأديب دولة مارقة، لا تهدأ عن إشعال حرب هنا، حتى تشعل ثانية هناك، وإذا هدأ صوت القنابل والصواريخ، صنعت فوضى دبلوماسية أو اقتصادية، وهو ما صار العالم يشعر معه بفداحة ما يُبديه من سلبيةٍ تجاه السلوك الأمريكي، زادت من شيطنة هذه الدولة وتماديها في أعمال “البلطجة”.

بلا حراسة أو إنذار مبكر

في موجات العقاب، تعامل الحرس الإسلامي مع عناصر العمليات العدوانية -أمريكا و”إسرائيل”- باعتبارها خارجة عن القانون وتستوجب معاقبتها، وتفوَّق إلى حد لافت في نسف سرديات العدو وأتباعه، وظهر هو صاحب اليد العليا.

وفي مفاجأة أخرى -لم يضعها العدو في حسابات العملية العدوانية ضد الجمهورية الإسلامية، اتساقاً مع تصوراته التقليدية بالحدود التي يمكن أن تتحرك في إطاره طهران- نجح الجيش الإسلامي في “فقء عيون” الحراسة والإنذار المبكر، بتدمير منظومة الرصد والاعتراض المنتشرة في المنطقة، والتي “كانت تزود شبكة الدفاع الأمريكية والإسرائيلية بالمعلومات اللحظية”، فصار العدوان الأمريكي والإسرائيلي يعيشان فوضى دفاعية، ويتلقيان الضربات المباغتة، لينجح الجيش الإسلامي -إثر ذلك- في تنفيذ ضرباته بأريحية وبسهولة أكثر، وفق ما أكد المتحدث باسم مقر خاتم الأنبياء بقوله: “مع تدمير منظومات الرادار التابعة للعدو في الموجات السابقة أصبحت عملية إصابة الأهداف أكثر سهولة”.

ويعد “الرادار” مكوناً حاسماً في منظومات اعتراض الصواريخ المتقدمة، إذ يتيح اكتشاف الصواريخ الباليستية في أثناء تحليقها نحو أهدافها وتتبعها وتوجيه عمليات اعتراضها. يقول إن. آر. جينزن-جونز، خبير الذخائر ومدير شركة Armament Research Services، إن الرادار لا يمكن تعويضه بسهولة، واصفاً خسارته بأنها مؤثرة للغاية من الناحية العملياتية.

واحدة من أرقى نتائج العزم الإسلامي

لم يهتم العدو الأمريكي “الإسرائيلي” بالتوقف كثيراً عند سبب الوضع غير المألوف الذي صار إليه، بحيث أصبحا أكثر عرضة للصواريخ والطائرات المسيّرة، وأكثر عرضة للخراب والدمار، ولسقوط عناصرهما بين صريع وجريح، لإدراكهما بأن تعرُّض راداراتهما مبكراً للاستهداف والتدمير هو ما أفقدهما القدرة على رصد السلاح القادم من الأراضي الإيرانية، وبالتالي فقدان القدرة على الإنذار أو وضع إجراءات الاعتراض المناسبة. ولما كانت الصواريخ والمسيرات الإيرانية من الأجيال الحديثة وذات قدرة تفجيرية تدميرية، فضلاً عن انشطارية بعضها، كان حجم الخسائر أكبر في العدد والعتاد.

من الطلقة الإيرانية الأولى وحتى الموجات الأخيرة، أخذ الزمن المتاح لإطلاق صفارات الإنذار في الكيان الإسرائيلي يتناقص حتى وصل إلى الدقيقتين فقط، بينما لم يكن للمواقع الأمريكية قدرة على الاستفادة من هذه التقنية. وذكرت صحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية تراجع مدة الإنذار المبكر في كيان العدو إلى أقل من دقيقتين، بعدما كانت تصل في الظروف الطبيعية إلى نحو ربع ساعة، فيما تحدثت “إسرائيل هيوم” العبرية عن “تذمر إسرائيلي بسبب تقليص مدة صافرات الإنذار من 10 إلى 3 دقائق للتحذير من الصواريخ، بعد استهداف إيران رادارات أمريكية متقدمة في المنطقة كانت ترصد إطلاق الصواريخ مبكراً”.

في حالة الكيان أيضاً ظهرت حالة من الفوضى وتلاشى ما بقي من ثقة لدى المستوطنين الصهاينة في قدرة “جيشهم” على اتخاذ الإجراءات المناسبة لحمايتهم، أما العدو الأمريكي فقد تطاير جرذانه فراراً من مواقعهم إلى الفنادق والمناطق المدنية. وكما لم يحدث من قبل، الأعداء يتعرضون لواحدة من أرقى نتائج العزم الإسلامي على إنهاء وضعية التواجد في المنطقة بلا أي مبرر، واستباحة بلدانها بكل صلف ووقاحة.

انهيار ما عوّلت عليه أمريكا

وفق ما رشح من أخبار عن أطراف متعددة، ثم العمل على قياس مستوى صدقية هذه الأخبار بالمقارنة بينها، يتبين أن الجيش الإسلامي للجمهورية الإسلامية نجح فعلاً في الموجات الأولى من هجمات الردع والعقاب في تدمير بنية الرصد والإنذار والتحذير للعدوين، فكان ذلك واحداً من أسباب تفاقم حجم خسائرهما، هذا إلى جانب نوعية السلاح الإيراني الذي نجح في اختراق كل الطبقات الدفاعية بما يفوق سرعة الصوت، وبما يولد انفجارات شديدة، وينشطر إلى عدة رؤوس.

فبتدمير حرس الثورة رادار “ثاد” التابع لشبكة الدفاع الصاروخي للكيان الصهيوني في الرويس بالإمارات بشكل كامل، اعتبر مراقبون ذلك “كسراً لعمود الإنذار المبكر وشبكات الرصد والاعتراض التي تعوّل عليها واشنطن وحلفاؤها في الإقليم”.

وذكرت تقارير أن مبانٍ تضم أنظمة رادار مشابهة لمنظومة “ثاد” تعرضت أيضاً لضربات في موقعين عسكريين داخل الإمارات، فيما لحقت الأضرار بـ 3 مبانٍ في منشأة عسكرية قرب الرويس و4 مبانٍ في منشأة بمنطقة سدر في الإمارات بينها مخازن أنظمة رادار “ثاد”. في قطر لم يكن الحال أفضل، إذ أفادت تقارير بأن صور الأقمار الاصطناعية كشفت صحة تعرض رادار الإنذار المبكر للصواريخ الباليستية AN/FPS-132 Block 5 (SSPARS)، وأعلنت العلاقات العامة للحرس الثوري أن الرادار الذي تبلغ كلفته مليار دولار تم تدميره بالكامل وإخراجه من الخدمة.

استهداف الرادار في اليوم الأول للرد

وفقاً لتحليل صور أقمار اصطناعية من شركة Planet Labs حصل عليها معهد Middlebury للدراسات الدولية في مونتيري، فإن الرادار الضخم الثابت من هذا النوع في قطر تعرض لأضرار خلال هجوم إيراني في اليوم الأول من العدوان. وتشير الصور إلى إصابة واحد على الأقل من الأوجه الثلاثة للرادار، إضافة إلى مؤشرات على اندلاع حريق في الموقع. ويعد AN/FPS-132 من الرادارات العملاقة الثابتة للإنذار المبكر، ويعتمد على تقنية المصفوفات المرحلية الصلبة. وتستخدم هذه الأنظمة -أساساً- لرصد الصواريخ الباليستية القادمة وتوفير إنذار مبكر يسمح بتفعيل منظومات الدفاع الصاروخي.

كما أكد حرس الثورة تدميرَ رادارات “ثاد” الأمريكية الموجودة في الأردن. بينما اعتبر خبراء أن فقدان رادار “AN-TPY-2” في قاعدة “المفرق” في الضربات الإيرانية خسارة عملياتية كبيرة ويصعب استبداله بسرعة، وتبلغ كلفة هذا الرادار 500 مليون دولار. إلى جانب تدمير رادار (TPY) المتطور في مجمع “الرويس” الإماراتي الذي تبلغ قيمته 800 مليون دولار. ويوضح آر. جينزن-جونز، خبير الذخائر أن رادار AN/TPY-2 يشكل -عملياً- قلب بطارية “ثاد”، إذ يتيح إطلاق الصواريخ الاعتراضية، ويسهم في تشكيل صورة متكاملة للدفاع الجوي الشبكي، وفقدان رادار واحد فقط من هذا النوع يمثل خسارة كبيرة، وتعويضه يتطلب إعادة نشر وحدة بديلة من موقع آخر، وهو ما يستغرق وقتاً ويتطلب جهداً إضافياً.

شبكة المراقبة والتدابير المضادة

وقال حرس الثورة: “دمرنا رادار الإنذار المبكر المتطور جداً في قاعدة الظفرة الجوية الأمريكية خلال الموجة الـ 22 من عملية الوعد الصادق 4، ومنشآت الرادار ومراقبة الحركة الجوية ومحطات الأقمار الاصطناعية ومنشآت تزويد الوقود في قاعدة العديد الجوية التابعة للقوات الأمريكية في قطر، ورادار الإنذار المبكر المتطور ومنشآتها الجانبية في قاعدة علي السالم الجوية التابعة للقوات الأمريكية في الكويت”.

مع تدمير هذه الرادارات الرئيسية وأنظمة “ثاد”، تعطل جزء كبير من شبكة المراقبة والتدابير المضادة والدفاع الجوي الأمريكية في المنطقة، ما أدى فعلياً إلى “انهيار المظلة الأمنية للعدو التي استغرق بناؤها سنوات”. كما استهدف الحرس الثوري بالمسيرات محطة رادار الإنذار المبكر التابعة للقاعدة الأمريكية 512 في الكيان الإسرائيلي.

الجيش الإيراني أيضاً أعلن استهداف رادارات استراتيجية في الأراضي المحتلة، في خطوة تهدف إلى تعطيل منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية في المنطقة. وأكد الخبير العسكري والاستراتيجي الفريق الركن عبد الكريم خلف، أن الرادارات المستهدفة تُعد جزءاً من شبكة متكاملة لحماية أجواء العدو الإسرائيلي، مرتبطة بالأرض والأقمار الاصطناعية، وتوفر تحذيرات مبكرة للدفاعات الجوية وأجهزة الإنذار المدني، ما يتيح الوقت الكافي لتحضير الأسلحة المضادة للأهداف الجوية. وأي خلل في هذه الشبكات يُضعف فعالية الدفاعات الجوية، ويتيح للصواريخ والطائرات المسيّرة تنفيذ ضرباتها بدقة. وإلى ذلك نشر الحرس الثوري مشاهد لطائرة مسيرة انتحارية ضربت رادار تجسس على جبل كوراك في أربيل العراق.