الانتصار الإيراني.. عندما تفرض المقاومة معادلتها


بقلم.  عبدالله علي هاشم الذراحي

في منعطفٍ تاريخيٍّ جديد من صراع الإرادات في المنطقة، أعلنت الجمهورية الإسلامية الإيرانية التوصل إلى مذكرة تفاهم لإنهاء الحرب والعمليات العسكرية، بعد أشهر من المواجهة والصمود والتفاوض الشاق، في حدثٍ يراه كثير من المراقبين انتصارًا سياسيًّا واستراتيجيًّا لإيران ومحور المقاومة، واعترافًا أمريكيًّا بفشل سياسة الضغوط والحصار والتهديدات العسكرية.

فوفقًا لبيان المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، فقد جرى التوصل إلى تفاهمات تنهي الحرب بشكل فوري ودائم على مختلف الجبهات، بما فيها الساحة اللبنانية، مع إنهاء الحصار البحري المفروض على إيران، وتأجيل المفاوضات النهائية إلى ما بعد تنفيذ الولايات المتحدة لالتزاماتها العملية.

وهذا بحد ذاته يعكس تمسك إيران بمبدأ «الأفعال قبل الأقوال»، وعدم الاكتفاء بالوعود السياسية التي طالما تنصلت منها الإدارات الأمريكية المتعاقبة.

وتكشف التفاصيل التي نشرتها وكالة مِهر الإيرانية حجم التحول الذي فرضته إيران على طاولة المفاوضات؛ إذ تضمنت البنود رفع العقوبات النفطية، والإفراج عن مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية المجمدة، وفتح الطريق أمام إعادة إعمار إيران بمئات المليارات من الدولارات، فضلًا عن التزامٍ أمريكي بعدم التدخل في الشؤون الداخلية الإيرانية واحترام سيادتها الوطنية.

واللافت في هذه التفاهمات أن الولايات المتحدة وافقت على مناقشة المِلف النووي والعقوبات فقط، بينما استُبعدت نهائيًّا من جدول الأعمال قضايا البرنامجُ الصاروخي الإيراني ودعم المقاومة، وهما المِلفان اللذان كانت واشنطن وكيان الاحتلال الصهيوني يعتبرانهما شرطًا أَسَاسيًّا لأي اتّفاق مع إيران الإسلامية.

وهو ما يُعد تراجعًا واضحًا عن سقفِ المطالب الصهيوأمريكية السابقة، وانتصارًا للموقف الإيراني الذي رفض باستمرار المساس بعناصر قوته وسيادته الوطنية.

لقد أثبتت الأحداثُ أن القوة هي اللغةُ التي يفهمها المستكبرون، وأن صمود الشعوب وتمسكها بحقوقها كفيل بإفشال مشاريع الهيمنة والإخضاع.

فإيران لم تصل إلى هذه النتائج عبر التنازلات، وإنما عبر الثبات والصبر وبناء القدرات العسكرية والاقتصادية والحنكة السياسية التي جعلت أعداءها يعيدون حساباتهم ويقبلون بالتفاوض وفق شروط فرضها المنتصر.

كما أن هذا التطور يحمل رسائل مهمة لشعوب المقاومة والمنطقة، مفادها أن زمن الإملاءات الأمريكية المطلقة لم يعد كما كان، وأن المشاريع الاستعمارية مهما امتلكت من قوة عسكرية وإعلامية، فإنها تتراجع عندما تواجه إرادَة حرة وشعبًا مؤمنًا بقضيته وقيادةً تمتلك رؤية واضحة وقدرة على الصمود والمواجهة.

وفي هذا السياق يتجلّى مصداقُ قول الشهيد القائد -رضوان الله عليه-:

«من يتحَرّك في إطار المسؤولية الإيمانية ويتوكل على الله لا يمكن أن يُهزم مهما بلغت قوة الأعداء».

كما تتجسد معاني ما يؤكّـد عليه السيد القائد -حفظه الله- من أن

الثبات في مواجهة الطغيان هو الطريق إلى العزة والاستقلال وصناعة النصر.

إن ما جرى يعكس تحولات عميقة في موازين القوى الإقليمية والدولية، ويؤكّـد أن مرحلة جديدة قد بدأت، عنوانها تراجع الهيمنة الأمريكية وصعود إرادَة الشعوب الحرة.

وإن ما تحقّق اليوم لإيران يمثل رسالةً لأحرار المقاومة وشعوب الأُمَّــة بأن طريق العزة والاستقلال، وإن كان مليئًا بالتضحيات، فإنه يبقى الطريق الأضمن لصناعة النصر وحفظ الكرامة والسيادة.

وإذا ما تم تنفيذُ هذه التفاهمات كما أعلن عنها، فإنها ستُسجل كواحدة من أبرز المحطات التي فرضت فيها إيران شروطها وانتزعت نصرًا واعترافا عمليًّا بحقوقها وسيادتها وقوة موقفها الداعم للمقاومة، بعد سنوات طويلة من الحصار والضغوط والمواجهات، وها هي قد انتصرت بقوة الله القوي العظيم.