الصدمة التي ارتدّت: كيف أعاد السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي تعريف مآلات اغتيال السيد علي الخامنئي؟

الصدمة التي ارتدّت: كيف أعاد السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي تعريف مآلات اغتيال السيد علي الخامنئي؟


تجاوزت قراءة قائد الثورة السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي لمشهد ما بعد اغتيال آية الله العظمى السيد علي الخامنئي حدود التوصيف السياسي، لترسم ملامح “انكسار استراتيجي” في بنية الردع الصهيو-أمريكية؛ حيث لم يعد استهداف رأس الهرم في طهران مجرد فعل إجرامي، بل هو اعتراف ميداني بانسداد آفاق المناورة العسكرية لواشنطن وتل أبيب بعد فشل آلة الحرب في حسم جغرافيا غزة الصمود. إن هذا التحول في الخطاب اليمني يضع الجريمة في سياق “الهروب النيراني” نحو الأمام، محاولاً استعادة هيبة القوة التي سحقتها صواريخ المحور ومسيراته عبر جبهات نيران مفتوحة تمددت من طهران وصنعاء لتطوق المصالح الاستعمارية في قلب المسارات الحيوية للعالم.

إن هذا العدوان الغادر، الذي سعى لتفكيك العائق الجيوسياسي الأكبر أمام الهيمنة الصهيونية عبر استراتيجية “الصدمة والترهيب”، قد ارتطم بصخرة البناء المؤسسي والعقائدي لمحور المقاومة الذي أثبت حصانته ضد سياسات “الضغوط القصوى” والتخريب السيبراني لمنشآت (نطنز). وبدلاً من إحداث الفراغ القيادي المنشود، أعاد الخطاب اليمني صياغة معادلة المواجهة تحت مفهوم “الوفاء الميداني”، مؤكداً أن دماء الشهيد قد تحولت إلى عقيدة قتالية عابرة للحدود، تمنح جبهات المحور كافة -لاسيما اليمن- شرعية الانتقال إلى مرحلة الاستنزاف الشامل التي تسقط فيها أحلام “هندسة المنطقة” وتصفية القضية الفلسطينية، معلنةً بدء مرحلة “زمام المبادرة النيرانية” التي لا تتوقف عند حدود رد الفعل الخاطف.

تفكيك أهداف الجريمة وسقوط الرهان على الانهيار المؤسسي

أوضح السيد القائد في خطابه بالأدلة القاطعة أن العدو الصهيوني والأمريكي تحرك من منطلق “اليأس الاستراتيجي” بعد إخفاق وسائل الضغط التقليدية. طوال العقد الماضي، جندت واشنطن كل ثقلها لحصار إيران (تجميد عشرات المليارات، حظر تسلح، عقوبات طالت أكثر من 1500 كيان وشخصية إيرانية)، إلا أن النتيجة كانت عكسية؛ إذ رفعت طهران نسبة تخصيب اليورانيوم إلى 60%، وأزاحت الستار عن صواريخ فرط صوتية (فتاح 1 و2)، وكشفت عن “مدن صاروخية” تحت الأرض. لقد تم استهداف السيد الخامنئي باعتباره “المهندس الأول” الذي أشرف على تحويل محور المقاومة من “خلايا وتشكيلات منفصلة” إلى “جيش إقليمي غير كلاسيكي” يطوق الكيان. تشير البيانات إلى أن الهدف من الجريمة كان إحداث فراغ قيادي يؤدي إلى تحطيم معنويات الحرس الثوري (الذي يضم مئات الآلاف من مقاتلي النخبة)، وتوظيف الفراغ لدفع أنظمة التطبيع العربية نحو تصفية القضية الفلسطينية عبر مشاريع الاندماج الإقليمي.

وعلى الصعيد التحليلي والتاريخي، فنّد السيد القائد رهان العدو على “تفكك النظام الإيراني”، مذكراً بالبنية الدستورية والجهادية للجمهورية الإسلامية التي صُممت لتتحمل “صدمات التضحية الكبرى”. والتاريخ الميداني يشهد؛ فاغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني في 2020 لم يوقف تمدد المحور، واغتيال العلماء (فخري زاده) والقادة (رضي موسوي وزاهدي) لم يوقف الإمداد اللوجستي لجبهات المقاومة. إن الإشارة إلى “خيبة أمل الأعداء” تعكس واقعاً سياسياً أثبته التفعيل الفوري والآمن لآليات (مجلس خبراء القيادة) ونقل السلطات بموجب الدستور، مما أنتج حالة من “الصمود الشعبي” والمؤسسي. الجريمة أصبحت حافزاً لتدفق عشرات الملايين إلى الشوارع وتجديد البيعة لنهج “الحرية والعزة”، مما نسف حسابات الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) التي كانت تراهن على انفجار داخلي.

وفي سياق أوسع، يربط الخطاب بين توقيت الجريمة ومحاولة الثنائي (واشنطن وتل أبيب) استعادة هيبة “الردع المتآكلة” بعد أن أسقطت “عملية الوعد الصادق” الإيرانية السابقة (أبريل 2024) هيبة منظومات (آرو، ومقلاع داوود، والقبة الحديدية). تؤكد القراءة اليمنية أن هذا الفعل الإجرامي قد “خلّد النهج الجهادي”، وحوّل “تصفية القائد” إلى عقيدة قتالية صلبة. إن المقام هو مقام “ثبات الربانيين” الذي يفرض على الأعداء مواجهة أجيال تشربت ثقافة تعتبر دماء القادة وقوداً للصواريخ الاستراتيجية، لا سبباً للاستسلام.

معادلة الرد الشامل وتكامل الجبهات

انتقل السيد عبدالملك الحوثي في خطابه من التشخيص إلى رسم “خارطة الرد العملياتية”، معتمداً مبدأ “الوفاء للدماء عبر الثبات على النهج”. شدد السيد القائد على أن الرد سيكون “قوياً ومستمراً”، وهي صياغة تعني بلغة العلم العسكري الدخول في استراتيجية “استنزاف شاملة ومفتوحة” تشارك فيها غرف عمليات مشتركة من البحر المتوسط إلى المحيط الهندي. إن الربط بين “الرد الإيراني” و”الموقف اليمني” يشرعن تصعيداً غير مسبوق تحت مظلة معركة “الفتح الموعود والجهاد المقدس”، والتي أثبتت فعاليتها الميدانية الدامغة باستهداف أكثر من 200 سفينة مرتبطة بالعدو وتجميد الملاحة الصهيونية بالكامل في ميناء أم الرشراش (إيلات) الذي أعلن إفلاسه رسمياً.

ويكشف التحليل الفني للخطاب عن “إجماع ميداني” لدى المحور؛ فاستشهاد هذا الرمز يرفع كلفة الوجود الأمريكي في المنطقة الذي يضم أكثر من 40 ألف جندي موزعين على عشرات القواعد كأهداف مشروعة. لقد تم استثمار الزخم الشعبي لتعزيز التعبئة، تماماً كما فعلت صنعاء التي حشدت مئات الآلاف من المقاتلين في دورات طوفان الأقصى العسكرية. هذا التكامل يضمن أن أي اعتداء على مركز المحور سيقابله رشقات متزامنة: من لبنان حيث تم تفريغ الشمال الفلسطيني من أكثر من 100 ألف مستوطن وتعمية القواعد الاستراتيجية (ميرون وجل العلام)، ومن العراق حيث تدك المسيرات أهدافاً حيوية في حيفا وإيلات، ومن اليمن بأسلحة كاسرة للتوازن (طائرات يافا وصواريخ حاطم وفلسطين).

وفيما يخص الموقف اليمني، يعيد الخطاب رسم المعادلات: اليمن شريك أصيل يمتلك قرار امتلاك القدرة (صواريخ فرط صوتية ومسيرات شبحية). إن التأكيد على “تحقيق الانتصار الموعود” ينذر بطبيعة العمليات القادمة التي ستكون أكثر حدة وتدميراً لـ “المصالح الأمريكية والإسرائيلية”. هذه المعادلة تضع العدو في مأزق “الاستنزاف الشامل”؛ فدماء الشهيد جعلت من حماية “أمن المحور القومي” أولوية تسقط أمامها كل الخطوط الحمراء، بعد أن أثبتت البحرية اليمنية قدرتها على اختراق أنظمة (ايجيس) الأمريكية وإجبار حاملات الطائرات على الانسحاب من البحر الأحمر.

الرؤية القرآنية لحتمية الزوال وسقوط أسطورة “الكيان الخالد”

في البعد القرآني والاستراتيجي، قدم خطاب قائد الثورة قراءة استشرافية تتجاوز التحليل المادي لتستند إلى “الوعيد الإلهي”. أكد الخطاب أن الإجرام الصهيوني المنفلت ومحاولاته اليائسة عبر الاغتيالات ليس مؤشراً على القوة المفرطة، بل هو “رقصة المذبوح” ومؤشر رقمي وتاريخي على اقتراب السقوط. وتدعم البيانات الميدانية هذه الرؤية القرآنية؛ فالكيان المؤقت يشهد انكماشاً اقتصادياً تاريخياً وتخفيضاً متتالياً لتصنيفه الائتماني من وكالات (موديز وفيتش)، فضلاً عن “هجرة عكسية” لأكثر من نصف مليون مستوطن غادروا بلا عودة، وأزمة تجنيد طاحنة تعصف بجيش الاحتلال وتدفعه لمحاولة تجنيد (الحريديم) بالقوة لتغطية العجز البشري المهول.

إن الاستشهاد بآية {وإن عدتم عدنا} هو إعلان تفعيل سنن الاستئصال التاريخي. هذا التحليل القرآني يحول “الصدمة العسكرية” للاغتيال إلى “يقين حتمي بالنصر”. ويؤكد السيد القائد أن خيار الأمة الأوحد هو “الثقة بالله والاعتماد على الذات”، وهو ما تُرجم عملياً عبر الاكتفاء الذاتي في التصنيع الحربي الذي جعل المحور قادراً على خوض حرب استنزاف لسنوات متواصلة دون الحاجة لخطوط إمداد خارجية. إن رؤية الخطاب لاستشهاد القادة تحيل الرمز القيادي إلى “عقيدة عابرة للحدود”، جاعلةً الكيان في مواجهة “خصم لا يموت بموت قادته”، مما ينسف العقيدة العسكرية الإسرائيلية القائمة على (الردع والإنذار المبكر والحسم السريع).

استنتاجات المرحلة وآفاق “ما بعد الشهادة”

نخلص من هذه القراءة المعمقة لخطاب السيد القائد إلى حقيقة جيوسياسية لا تقبل الجدل: لقد دخلت المنطقة طوراً جديداً من “المواجهة الوجودية الصفرية”. لقد تحولت شهادة السيد الخامنئي، بفعل حكمة القيادة وتماسك المحور، من خسارة تكتيكية قاسية إلى مكسب استراتيجي نوعي. التقييم النهائي يؤكد أن رهان التحالف الأمريكي (حارس الازدهار وما تلاه) على كسر المحور قد سقط بالضربة القاضية أمام بنك أهداف يضع المصالح الغربية من المحيط إلى الخليج تحت رحمة الصواريخ الدقيقة والزوارق المسيرة.

وفي قلب هذه المعادلة، يبرز الموقف اليمني كـ “صمام أمان جيواستراتيجي” وممسك بمفاتيح أهم الممرات المائية في العالم، ملتزماً بالوفاء الميداني. لقد صاغت دماء السيد الخامنئي وقادة المحور “ميثاق سيادة جديداً” بالحديد والنار، مؤكدة بلغة الأرقام والمسيرات الباليستية والسنن الإلهية أن فجر التحرير قد انبلج، وأن هذه التضحيات الكبرى هي السطور الأخيرة التي تُكتب بدماء طاهرة في سفر زوال الكيان الصهيوني المؤقت، لتعود للأمة مقدساتها وقرارها المستقل، والعاقبة للمتقين.

 

موقع 21 سبتمبر.