سيناريو “الخيانة العظمى”: الوازعية تكشف كيف تتقاتل أذرع أبوظبي والرياض على تقاسم النفوذ وتبادل أدوار الحصار فوق أجساد الأبرياء
في قلب الجغرافيا الاستراتيجية لمديرية الوازعية، تتكشف اليوم فصول مخزية من صراع “الأذناب” على فتات الموائد التي يلقيها الأسياد، حيث تحولت المنطقة إلى “مسلخ” بشري تتقاسمه أهواء مليشيا طارق صالح وفصائل حزب الإصلاح. هذا الاقتتال الذي يغلفه الطرفان بدواعي “الشرعية” و”المقاومة”، لا يعدو كونه تجلياً صارخاً لعقيدة الارتزاق التي تسحق كرامة الوطن لحسابات “الدرهم والريال”، حيث تُرسم خرائط الدم بمدادٍ من العمالة، وتُسخر البنادق لخدمة مشاريع التفتيت التي يقودها المحتل الإقليمي، بعيداً عن أي اعتبار لسيادة الأرض أو حرمة دماء المواطنين العزل الذين باتوا وقوداً لهذه المحرقة العبثية.
إن المشهد السريالي في الوازعية يعكس حالة التخادم العدائي بين أدوات العدوان، حيث تحاصر مليشيا “الخائن” طارق صالح القرى من الخارج، بينما يطبق مرتزقة “الإصلاح” الحصار من الداخل، في عملية تبادل أدوار إجرامية تفضح قبح مشروعهم وتؤكد أنهم مجرد عصابات مأجورة لا تملك من قرارها شيئاً. وبينما تُباع السيادة في مزاد الارتهان، يبرز هذا الصراع كدليل قطعي على تصدع “تحالف العربان” الذي لم يحصد في اليمن سوى الخيبة، معززاً في الوقت ذاته صوابية الموقف الصارم والراسخ الذي اتخذته صنعاء منذ اليوم الأول في مواجهة هذا المشروع التدميري وأدواته الرخيصة التي لا تجيد سوى القتل والتنكيل بالآمنين.
عقيدة النهب وصراع الجبايات
تتحرك مليشيا طارق صالح في الوازعية بعقيدة العصابات المنفلتة، حيث تشن حملات ترويع واسعة تحت ذريعة “ملاحقة المخربين” لتبرير اقتحام القرى وفرض واقع عسكري قسري يهدف إلى حماية “مستعمرة المخا” بتمويل إماراتي مباشر. إن استخدام المسيّرات المفخخة لاستهداف منازل المواطنين واغتيال الشاب برهان جابر بدم بارد، يوثق السقوط الأخلاقي لهذه الأداة التي لا ترى في الجغرافيا اليمنية إلا نقاطاً للتحصيل ومنافذ لنهب الجبايات. هذا السلوك الإجرامي يبرهن أن هذه المليشيات هي العدو الأول للاستقرار، وأن وجودها مرتبط باستدامة الفوضى لضمان تدفق الدعم المالي من عواصم التآمر.
على المفهوم ذاته، يبرز حزب الإصلاح كوجه آخر للعملة ذاتها، حيث يستنفر مليشياته تحت عباءة “المقاومة” والنفير العام، متخذاً من منازل المدنيين في جبال “الرواجل” متاريس لحماية نفوذه المتهالك. إن تمترس هذه الفصائل خلف دماء الأبرياء يكشف عن حقيقة مشروعهم القائم على استغلال معاناة الناس كأوراق ضغط سياسية وعسكرية لفرملة طموحات “الحليف اللدود”. إن الاقتتال المشتعل اليوم ليس دفاعاً عن جمهورية أو سيادة، بل هو عراك مسعور على منافذ السلع المهربة وعوائد الجمارك غير القانونية، في مشهد يفضح زيف الشعارات الوطنية التي يرفعونها لتضليل الرأي العام المنهك من تبعات إجرامهم.
إن هذا “التخادم الدموي” بين الأدوات المرتزقة يؤكد أننا أمام قوى فقدت بوصلتها الوطنية بالكامل وارتهنت لشيفرة الممول الخارجي، مما جعل من الوازعية “صندوق بريد” لتبادل الرسائل النارية بين الرياض وأبوظبي. إن العجز عن تقديم نموذج واحد للاستقرار في المناطق المحتلة يثبت أن هؤلاء المرتزقة هم مجرد مقاولين من الباطن، وأن بنادقهم لا تتحرك إلا بأوامر الملحق العسكري في عواصم العدوان. وفي المحصلة، يظل المواطن اليمني هو الضحية الوحيدة لمقامرات هؤلاء الأذناب الذين باعوا كرامتهم مقابل حفنة من العملات الأجنبية، محولين الوطن إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
امتداد لتصدع محور العدوان
لا يمكن عزل أحداث الوازعية عن سياقها الأوسع بوصفها امتداداً جغرافياً وعسكرياً للصراع السعودي الإماراتي المحتدم في اليمن، حيث يسعى كل طرف لتعزيز نفوذه عبر أدواته المحلية على حساب السيادة الوطنية. فبينما تدفع الإمارات بـ “طارق صالح” لتأمين السيطرة المطلقة على الساحل الغربي وحماية الممرات الملاحية، تتحرك السعودية عبر “حزب الإصلاح” لعرقلة هذا التمدد ومنع انفراد أبوظبي بمفاتيح السيطرة على الجبل والساحل. هذا التنازع بين قطبي العدوان يثبت أن اليمن بالنسبة لهم ليس سوى ساحة للمقايضات الجيوسياسية، وأن أدواتهم ليسوا سوى أحجار شطرنج يتم التضحية بها بلا ثمن.
إن الوازعية تمثل اليوم نقطة الانكسار في علاقة “الحلفاء”، حيث تحولت من منطقة تماس إلى جبهة مفتوحة للصراع البيني الذي يغذيه التباين في الأجندات الإقليمية حول مستقبل الموانئ والممرات المائية. إن إصرار الإمارات على إحكام القبضة على هذه المديرية الاستراتيجية يهدف إلى فصل الساحل عن العمق اليمني، وهو ما تعتبره السعودية تهديداً مباشراً لنفوذها التاريخي في تعز ومحيطها. هذا الصدام الاستراتيجي يفضح حقيقة أن “التحالف” لم يأتِ لإنقاذ اليمن، بل لتقاسم النفوذ فوق أشلائه، مستخدماً هؤلاء المرتزقة كدروع بشرية وواجهات سياسية لشرعنة الاحتلال وتمزيق النسيج الاجتماعي.
وفي هذا الإطار، تبرز حقيقة أن الاقتتال في الوازعية هو “بروفة” لمزيد من التشظي الذي ينتظر المناطق المحتلة في ظل تضارب المصالح بين الرياض وأبوظبي. إن عجز هذه القوى عن التعايش رغم انضوائها تحت مظلة واحدة يثبت أن مشاريع الارتهان لا يمكن أن تبني وطناً، بل تؤسس لكانتونات متناحرة تسهل إدارتها من الخارج. إن تحويل الجغرافيا اليمنية إلى ساحة لتجريب الأسلحة وتصفية الحسابات الإقليمية يضع هؤلاء المرتزقة في خانة “الخيانة العظمى”، حيث يقاتلون بضراوة لتمكين المحتل من أرضهم، بينما يوجهون فوهات بنادقهم نحو صدور أبناء وطنهم وجيرانهم.
خلفيات صراع “الإخوة الأعداء”
إن قراءة المشهد في الوازعية تستوجب العودة إلى الخلفيات الدامية التي سبقتها، ولعل أبرزها الصراع الدموي الذي شهدته محافظة حضرموت بين مليشيا الإمارات ومرتزقة السعودية قبل عدة أشهر. في حضرموت، تجلت حقيقة “تآكل المحور” عندما اصطدمت قوات ما يسمى بالمنطقة العسكرية الأولى التابعة للإصلاح مع فصائل الانتقالي المدعومة إماراتياً، في معركة كسر عظم لم تراعِ حرمة الإنسان ولا أمن المنطقة. ذلك الصراع الذي خلف مئات القتلى والجرحى كان بمثابة الإنذار المبكر بأن “شهر العسل” بين قطبي العدوان قد انتهى، وأن مرحلة “نهش الأطراف” قد بدأت فعلياً.
تلك الخلفية الحضرمية تعزز فرضية أن ما يحدث في الوازعية ليس استثناءً، بل هو نمط متكرر من “الاقتتال البيني” الذي يضرب جسد العدوان كلما ضاقت مساحات النفوذ. ففي حضرموت، كان الصراع على منابع النفط والسيطرة على الوادي والصحراء، واليوم في الوازعية يتكرر المشهد ذاته ولكن بوجوه مختلفة وصراع على الممرات الاستراتيجية والجبايات. هذا الربط التاريخي بين أحداث الجنوب والشرق والآن في الغرب، يؤكد أن العدوان السعودي الإماراتي يعيش حالة من التفكك البنيوي، حيث تحولت “الأدوات” إلى عبء ثقيل على مموليها، وباتت وظيفتها الوحيدة هي تدمير ما تبقى من مؤسسات الدولة.
إن التشابه الصارخ بين سيناريوهات الفوضى في حضرموت والوازعية يفضح زيف الشعارات التي ترفعها هذه الأدوات حول “الأمن القومي العربي” و”حماية الشرعية”. ففي كلتا الحالتين، كان المحرك الأساسي هو تنفيذ أجندة المحتل في السيطرة على الثروات والمواقع الاستراتيجية، بينما يتم استخدام المرتزقة كوقود لهذه المحرقة. هذا المسار التصادمي يؤكد أن معسكر العدوان لم يعد يملك مشروعاً موحداً، بل هو تجمع لـ “أمراء حرب” و”تجار دماء” يتنافسون على رضا السيد الأجنبي، مما يجعل من فكرة استعادة الدولة على أيديهم ضرباً من الخيال والوهم الذي يسوقه إعلامهم المضلل.
ثبات صنعاء وحتمية التحرير
إن السقوط الأخلاقي والوطني لمليشيات العدوان في الوازعية يضع الشعب اليمني أمام حقيقة واحدة لا تقبل التأويل: أن خيار صنعاء في الصمود والمواجهة كان هو الخيار الوحيد القادر على حماية كرامة اليمن وسيادته. إن ما تشهده المناطق المحتلة من فوضى واقتتال واغتيالات بدم بارد يثبت صوابية الرؤية الاستراتيجية للقيادة في صنعاء، التي أدركت منذ البداية أن هؤلاء المرتزقة ليسوا إلا أدوات لمشروع احتلالي يسعى لتمزيق اليمن وتدمير نسيجه الاجتماعي، وهو ما تأكد اليوم بوضوح في جبال ووديان الوازعية.
إن ثبات الموقف الصارم لصنعاء في مواجهة العدوان وأدواته لم يأتِ من فراغ، بل هو نتاج وعي عميق بطبيعة المشاريع الإقليمية التي تستهدف اليمن. ففي حين تغرق مناطق المرتزقة في مستنقع “الدرهم والريال” وصراعات الجبايات، تظل صنعاء النموذج الحقيقي للدولة التي ترفض الوصاية وتضع مصلحة المواطن فوق كل اعتبار. هذا التباين الصارخ بين “دولة السيادة” في صنعاء و”مليشيات الارتزاق” في المناطق المحتلة يعزز من الالتفاف الشعبي حول مشروع التحرر الوطني، ويؤكد أن الخلاص لن يكون إلا بوأد هذه الأدوات الرخيصة وطرد آخر جندي محتل.
ختاماً، فإن أحداث الوازعية وتداعياتها هي “شهادة وفاة” لمشروع العدوان السعودي الإماراتي في اليمن، وبرهان ساطع على أن زمن الارتهان قد ولى. إن الصراع بين “الأذناب” لا يعكس قوتهم، بل هو دليل على ضعفهم وتفتت جبهتهم الداخلية أمام صلابة وصمود الشعب اليمني وقيادته. إن التاريخ لن يرحم من باع وطنه في مزاد العمالة، والواقع اليوم يكتب نهاية مأساوية لهذه الأدوات التي ثبت بالدليل القاطع أنها لا تحمل سوى مشاريع الدم والخراب، لتظل صنعاء هي الحصن المنيع والمنارة التي تهتدي بها قلوب اليمنيين نحو فجر التحرير الشامل والسيادة الكاملة غير المنقوصة.
موقع 21 سبتمبر.