خيام بلا جدران: كيف سرق النزوح في غزة أبسط حقوق الحياة اليومية
في مشهد إنساني قاسٍ يتكرر يوميًا داخل ، لم تعد معاناة النازحين تقتصر على فقدان المنازل، بل امتدت لتطال أدق تفاصيل حياتهم الخاصة، حيث تحولت الخيام إلى مساحات مكشوفة تفتقر لأبسط مقومات الخصوصية، لتصبح الحياة اليومية اختبارًا مستمرًا للصبر والكرامة.
في أطراف جنوب مدينة غزة، تتلاصق خيام النازحين داخل مخيم “دار السلام” بشكل يلغي أي حدود فاصلة بين العائلات، فلا جدران حقيقية تحجب الأصوات أو تحفظ الأسرار، بل أقمشة رقيقة تنقل همسات الحديث كما تنقل صخب الحياة. هنا، يعيش النازحون واقعًا جديدًا، حيث لم تعد هناك مساحة للهدوء أو الحديث الخاص، وتحولت الحياة إلى مشهد مشترك بكل تفاصيله.
خالد أبو السعيد، أحد النازحين الذين فقدوا مصادر رزقهم في ، يصف الوضع بأنه يتجاوز أزمة السكن، ليصل إلى فقدان الإحساس بالستر، مشيرًا إلى أن كل ما يدور داخل الخيمة بات مسموعًا للآخرين، ما يجعل أبسط الأحاديث العائلية عبئًا نفسيًا إضافيًا.
وفي ، تتكرر المعاناة بصورة أكثر قسوة، حيث يعيش محمود سلامة مع أطفاله داخل خيمة بالكاد تحميهم من تقلبات الطقس، مؤكدًا أن الجدران القماشية تحولت إلى “آذان مفتوحة” تنقل تفاصيل حياتهم اليومية، الأمر الذي يزيد من التوتر ويجعل حتى لحظات الدعم الأسري صعبة المنال.
من جانبها، توضح الدكتورة أن فقدان الخصوصية لا يمثل مجرد مشكلة سكن، بل أزمة نفسية عميقة، إذ أن البيت في علم النفس يشكل مساحة أمان أساسية، وعندما يُختزل في خيمة، يشعر الإنسان بانكشاف دائم يفقده توازنه النفسي.
وتبرز معاناة النساء بشكل خاص في هذا الواقع، حيث يضطررن للبقاء في حالة حذر دائم داخل الخيام، بينما يعيش الرجال شعورًا بالعجز لعدم قدرتهم على توفير الحماية الكافية لأسرهم. أما الأطفال، فهم الضحية الأكثر هشاشة، إذ يُجبرون على التكيف مع بيئة تفتقر للمساحة الخاصة، ما يدفعهم إلى نضج مبكر يترك آثارًا نفسية قد تستمر طويلًا.
ويحذر مختصون من أن استمرار هذا الوضع يحول المخيمات إلى بيئات مشحونة بالتوتر، تزيد فيها احتمالات النزاعات الأسرية، في ظل غياب أبسط احتياجات الإنسان للهدوء والعزلة. وهكذا، تصبح الخيام التي يفترض أن تكون ملاذًا مؤقتًا، عبئًا نفسيًا يوميًا، يذكر النازحين بأن فقدان الخصوصية لا يقل قسوة عن فقدان المأوى نفسه.