استراتيجية “الاستباحة” في خطاب السيد عبدالملك الحوثي: تفكيك المسار الصهيوني لفرض السيادة المطلقة
يشخص السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي “معادلة الاستباحة” كأخطر تهديد بنيوي يواجه الأمة؛ فهي استراتيجية تتجاوز العمل العسكري التقليدي لتستهدف “تطبيع الجريمة” في الوعي الجمعي. يرى القائد أن الهدف الصهيوني-الأمريكي هو تحويل المجازر اليومية إلى “نمط حياة مألوف”، ما يؤدي إلى شلل الإرادة الجماعية وتحويل الشعوب إلى “متفرجين”. هذه الحالة من الاستلاب النفسي تمهد الطريق للسيطرة على أي عاصمة عربية أو إسلامية دون كلفة سياسية أو أخلاقية، حيث يتم نقل “اللوم” من المعتدي إلى المقاوم الذي يكسر روتين الصمت.
إن استراتيجية الاستباحة، وفق القراءة القيادية، هي مشروع “تصفير سيادة” المنطقة بالكامل. من خلال إسقاط حصانة الدم والأرض والمقدسات، يسعى العدو لفرض واقع تكون فيه “القوة” هي المصدر الوحيد للشرعية. هذا المسار لا يستهدف فلسطين فحسب، بل هو مخطط شامل لإخضاع الأمة ونهب مقدراتها وتحويلها إلى فضاء مفتوح للمشاريع الصهيونية. ومن هنا، يبرز كشف “الخبث والتوحش” كجبهة مواجهة وجودية، تهدف إلى منع سقوط الأمة في فخ الاعتياد على الذل، واستعادة فاعلية الموقف الشعبي والرسمي في مواجهة هذا التمدد الإجرامي.
غزة والضفة.. إبادة الهوية وتكريس “شريعة الغاب”
تُرجمت معادلة الاستباحة في غزة عبر 17 شهرًا من الإبادة الجماعية، حيث وثقت التقارير الطبية والميدانية استشهاد وإصابة أكثر من 5% من سكان القطاع. استخدام القصف السجادي والمدفعية الثقيلة لم يهدف لتحقيق “نصر عسكري” بل لفرض واقع “القتل اليومي المعتاد”، وهو ما حذر منه السيد القائد باعتباره “كارثة” تهدف لتدجين وعي الأمة لتقبل مشاهد الموت كقدر محتوم لا يستوجب التحرك.
عزز العدو استباحته بإنشاء منظومة تعذيب للأسرى الفلسطينيين وتشريع “قانون الإعدام”، بالتوازي مع توظيف “الخونة والعملاء” لإحداث اختراقات أمنية داخل الحاضنة الشعبية. الفعل الصهيوني هنا يهدف لنزع سلاح المدافعين عن أرضهم مقابل تسليح “عصابات إجرامية” لتمزيق النسيج الاجتماعي من الداخل. النتيجة المرجوة هي تحويل غزة إلى مختبر بشري يُحرم فيه الفلسطيني من حق الدفاع، مع استمرار الحصار كأداة قتل بطيئة.
في الضفة الغربية، أعلن العدو التنكر لـ “اتفاق أوسلو” وجميع الالتزامات الدولية، مستبدلاً إياها بـ “إطلاق يد عصابات المستوطنين”. البيانات الميدانية سجلت ارتفاعاً بنسبة 300% في الهجمات المسلحة للمستوطنين، والتي تهدف لتهجير سكان القرى (التطهير العرقي الصامت). هذه الاستباحة تسعى لضم الضفة نهائياً عبر تسليح أكثر من 100 ألف مستوطن جديد، مقابل تجريم أي محاولة فلسطينية للدفاع عن النفس أو الممتلكات.
توج العدو استباحته باستهداف المسجد الأقصى وسعيه لإزالة معالمه الإسلامية، مستنداً إلى حالة “الفرجة” العربية. الفعل الصهيوني هنا يتجاوز الجغرافيا نحو “استباحة المقدسات” لفرض السيادة الروحية والمادية المطلقة. النتيجة المباشرة لهذا التغاضي هي تمكين الكيان من تحويل الأقصى إلى ساحة للاقتحامات اليومية، مما يكرس واقعاً جغرافياً ودينياً جديداً ينهي الوجود الفلسطيني الإسلامي في القدس، تماشياً مع مخطط الحسم الشامل.
“وقاحة” الاستهداف الإقليمي.. تسميم المزارع وانتهاك السيادة
تتمدد الاستباحة لتشمل لبنان وسوريا، حيث وثق السيد القائد واقعة “رش المزارع بالمبيدات السامة” في جنوب لبنان كدليل على “منتهى الوقاحة”. الفعل هنا لم يستهدف سلاح المقاومة بل استهدف “الأمن الغذائي والبيئي” للمدنيين. النتيجة المرجوة هي جعل الأرض غير قابلة للحياة، وفرض ضغط معيشي على الحاضنة الشعبية. هذه الوقاحة الصهيونية تهدف لفرض معادلة يكون فيها لبنان مستباحاً بالكامل؛ حيث يُطالب المقاوم بنزع سلاحه بينما يُسلح العدو “مغتصبيه” ويمدهم بكل وسائل القتل والتدمير.
وفي سوريا، استمرت الاعتداءات الجوية الصهيونية مستغلةً غياب رد الفعل الرادع من قبل الجماعات المسيطرة هناك، مما عزز قناعة العدو بأن الأجواء العربية “فضاء مفتوح” لعملياته. يرى السيد القائد أن هذا التركيز الإقليمي، وبالأخص على الجمهورية الإسلامية في إيران، ينبع من كونها “أول عائق” حقيقي أمام مشروع “الاستباحة الشاملة”. الموقف الإيراني الصامد، قيادةً وشعباً، كسر هيبة التفرد الصهيوني، وقدم رسالة استراتيجية مفادها أن التلاحم الشعبي والرسمي هو الكفيل بتعطيل مخططات “السيطرة المطلقة” على شعوب المنطقة.
إن الهدف النهائي لهذا التغول هو إخضاع المنطقة لإرادة المشروع “الأمريكي-الإسرائيلي”، بحيث تفقد الدول استقلالها وسيادتها وتتحول مقدراتها لصالح الكيان. الاستباحة في لبنان وسوريا هي جس نبض لمستوى تقبل الأمة للإهانات المتكررة؛ فإحراق المزارع واستهداف المدن السورية هي رسائل ترهيب تهدف لفرض حالة من “الخضوع الطوعي”. إن رفض هذه المعادلة، كما يؤكد القائد، ينطلق من الحفاظ على “ذرة الكرامة الإنسانية” المتبقية، والتي تقتضي التصدي لكل أشكال التبعية ومنع تحويل المنطقة إلى ضيعة صهيونية مستباحة.
“قرصنة الطاقة” والتبعية.. الخديعة الأمريكية الكبرى
في تحليل اقتصادي دقيق، يربط السيد القائد بين الاستباحة العسكرية وبين “القرصنة الأمريكية” لمصادر الطاقة العالمية. السيطرة الأمريكية على نفط فنزويلا تهدف لتأمين “مصادر بديلة” تغني واشنطن عن نفط المنطقة، مما يحول الأمريكي من “حليف تجاري” إلى “منافس مباشر” يبيع النفط المنهوب للصين والهند. النتيجة هي تجريد دول المنطقة (دول البترودولار) من أهم أوراق قوتها الجيوسياسية، وتركها مكشوفة أمام الأطماع الصهيونية دون أي غطاء حقيقي من “الشريك” الأمريكي الذي يبحث عن مصالحه الأنانية فقط.
هذا التحول الاستراتيجي يجعل المنطقة، بمقدراتها ومالها، “مستباحة” بالكامل لصالح كيان العدو. الأمريكي اليوم لم يعد يهتم باستقرار “حلفائه” في المنطقة طالما أمن بدائل طاقوية، بل يسعى لتحويل واقع المنطقة ليكون خاضعاً بالمطلق للسيطرة الإسرائيلية. الفعل الأمريكي هنا هو “خديعة كبرى” للدول التي تظن أن ارتباطها الاقتصادي بواشنطن سيوفر لها الحماية؛ فالحقيقة هي أن الأمريكي يمهد الطريق ليكون الصهيوني هو “الوكيل الحصري” المسيطر على العرض والأرض والمال في الشرق الأوسط.
بناءً عليه، يخلص السيد القائد إلى أن الجميع في المنطقة “في حالة استهداف”، وأن خسارة الحرية والاستقلال هي النتيجة الحتمية للارتهان للوعود الأمريكية. “الاستباحة الاقتصادية” هي الوجه الآخر للإبادة في غزة؛ فكلاهما يهدف لإفراغ الشعوب من كرامتها ومقدراتها. إن أي إنسان يمتلك كرامة لا يمكنه قبول هذا الواقع الذي تتحول فيه الأمة إلى “مخزن للموارد” المستباحة للعدو، مما يفرض ضرورة فك الارتباط بهذا المشروع الاستعماري والتحرك نحو بناء قوة ذاتية تحمي السيادة والمال والمقدسات.
حتمية المواجهة وكسر “طوق الاستباحة”
تخلص القراءة التحليلية لخطاب السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي إلى أن “معادلة الاستباحة” ليست قدراً لا يمكن رده، بل هي “مشروع صهيوني” يراهن على وهن الأمة وسلبيتها وتحول الجرائم إلى مشهد يومي مألوف. إن الاستنتاج الأول يحذر من أن الركون إلى الصمت وتحول الجريمة إلى “مشهد مقبول” هو بمثابة انتحار جماعي للأمة، لأن العدو الذي يستبيح غزة اليوم لن يتردد في استباحة أي عاصمة أخرى غداً إذا ما تهيأت له الظروف وسادت ثقافة “الفرجة”. إن كسر هذه المعادلة يبدأ من “استعادة الوعي” وتكثيف العمل الإعلامي والتثقيفي لفضح التوحش الصهيوني، وإبراز حقيقة أن المقاومة هي الخيار الوحيد القادر على لجم هذه الغطرسة ومنع تحويل المنطقة إلى فضاء مستباح للصهاينة والأمريكيين على حد سواء.
أما الاستنتاج الثاني، فهو أن صمود محور المقاومة، وفي طليعته الجمهورية الإسلامية في إيران وحزب الله والمجاهدين في فلسطين، يمثل الضمانة الوحيدة المتبقية لكرامة هذه الأمة ومنع ذوبانها في المشروع الاستعماري الجديد. إن “الرسالة المهمة للأعداء” التي أشار إليها السيد القائد تتمثل في التلاحم الرسمي والشعبي الذي يكسر “طوق العزلة” ويفشل مخططات التشريد والتدمير. إن المستقبل، وفق هذه الرؤية القيادية، مرهون بمدى قدرة الشعوب على الانتقال من وضعية “المتفرج” إلى وضعية “الفاعل”، ورفض كل أشكال التبعية والخضوع، فالحرية والكرامة لا تُمنحان كهدية من الأمريكي أو الصهيوني، بل تُنتزعان بوعي الشعوب وبسالة المقاومين الذين يرفضون أن تكون أمتهم “مستباحة” في زمن لا يحترم إلا الأقوياء ومن يملكون إرادة التصدي.
موقع 21 سبتمبر الاخباري.