ذكرى جلاء المارينز الأمريكي: انتصارُ الإرادَة الوطنية على الهيمنة


مقالات – مبارك حزام العسالي

تمر علينا اليوم 11 فبراير 2026م الذكرى الحادية عشرة لجلاء القوات الأمريكية عن العاصمة اليمنية صنعاء، والتي تعتبر حدثًا خالدًا في ذاكرة اليمنيين، يشكّل علامة فارقة في تاريخ الصمود الوطني ومواجهة التدخلات الأجنبية.

هذا اليوم يذكرنا بأن اليمن بلد لا يُهزم، وأن شعبه قادر على تحويل أصعب التحديات إلى انتصارات، مهما طال زمن الاحتلال أَو كثرت القوى التي حاولت فرض الوصاية والسيطرة.

لقد جاء هذا الانسحاب الأمريكي بعد سنوات من التواجد العسكري المباشر، ومحاولات السيطرة على القرار اليمني وتدمير مؤسّسات الدولة، واستهداف الشعب ومقدراته.

لكنه فشل أمام تصميم الشعب اليمني ووحدته الوطنية، وهو ما جعل هذا اليوم رمزًا للانتصار الوطني المستحق.

تحطيم شبكات النفوذ وتهميش “الحاكم الفعلي”

على مدى سنوات التواجد الأمريكي في اليمن، لعب السفيرُ الأمريكي دورًا محوريًّا في محاولات السيطرة على مركز صنع القرار، عبر التنسيق مع بعض الشخصيات السياسية والموظفين في مؤسّسات الدولة لتوجيه القرارات بما يخدُمُ مصالح واشنطن.

كان يعمل على خلق شبكات نفوذ داخل الحكومة، يسعى من خلالها لتهميش الأصوات الوطنية المستقلة، وإضعاف المواقف التي تتصدى للهيمنة الأمريكية.

السفيرُ الأمريكي لم يقتصر دورُه على العمل الدبلوماسي التقليدي، بل كان يشارك بشكل مباشر في صياغة السياسات الاقتصادية والأمنية، ويحرص على تمرير مشاريع وقرارات تخدم المصالح الأمريكية على حساب سيادة اليمن واستقلال قراره.

كما سعى لاستغلال الخلافاتِ الداخلية لتعميق الانقسامات بين الأطراف اليمنية، ما يضمَنُ بقاءَ البلاد تحت النفوذ الأمريكي الطويل الأمد.

وكان الإعلام واللوبيات التابعة له جزءًا من هذه الاستراتيجية، حَيثُ عمل على تشكيل الرأي العام بما يخدُمُ التدخُّلُ الأمريكي، ومحاولة تقديم الاحتلال والتواجد العسكري كحل للأزمات الداخلية، بينما الواقع كان يثبت العكس تمامًا.

ومع ذلك، فإن إصرارَ الشعب اليمني ووحدة المقاومة أحبطت كُـلّ هذه المحاولات، وجعلت إرادَة الأُمَّــة أقوى من أي ضغوط خارجية، لتأتي ذكرى جلاء المارينز الأمريكي كتأكيد عملي على فشل المخطّطات الأمريكية في السيطرة على القرار اليمني.

دور النخب والإعلام والمقاومة الشعبيّة

وللحديث عن دور النخب والإعلام والمنظمات، فقد كان لهذه القوى دورٌ محوري في كشف المخطّطات الخارجية والتوعية بخطر التدخل الأمريكي على السيادة اليمنية.

الإعلام الوطني كان في قلب المعركة، ينقل الحقائق ويواجه الأكاذيب والدعاية الموجهة، بينما لعبت المنظمات الاجتماعية والوطنية دور الحاضن والداعم للشعب، مؤكّـدة أن المقاومة ليست مهمة الجيش فقط، بل هي مشروع شعبي شامل.

المقاومة الشعبيّة كانت حجرَ الزاوية في هذا الانتصار، حَيثُ انخرط المواطنون في كُـلّ المناطق، من العاصمة صنعاء إلى القرى النائية، في جهود مضنية لدعم الجيش والمقاومة، وتوفير المعلومات، وحماية المدن من أية محاولات للتدخل العسكري.

هذه الروحُ الوطنية جعلت الاحتلالَ عاجزًا أمامَ الشعب، وأثبتت أن قوةَ اليمن لا تقاس بالأسلحة وحدَها، بل بالإرادَة والوَحدة والتضحيات البطولية التي قدمها كُـلّ مواطن ومواطنة.

كما لعبت الشبكاتُ المحلية والمجتمعية دورًا بارزًا في تأمين مقدرات الدولة وحماية مؤسّساتها، معززةً بذلك فكرة أن حماية الوطن واجب جماعي لا يخُصُّ جهةً واحدة.

ومن خلال هذه الجهود، تحقّقت إنجازاتٌ كبيرةٌ على مستوى كشف المؤامرات، وتعطيل محاولات النفوذ الخارجي، وتأمين قرارات سيادية هامة لصالح الشعب اليمني.

درس الأجيال وتحذير الغزاة

إن ذكرى جلاء المارينز الأمريكي درس حي للأجيال الجديدة حول معنى المقاومة الحقيقية، وأهميّة الوحدة الوطنية، وأن الحرية لا تُكتسب بالتمني بل بالإصرار والعمل المشترك، وبالتصدي لكل محاولات الهيمنة الخارجية مهما بلغت قوتها.

هذه الذكرى أَيْـضًا تذكير بأن اليمن أرض العزة والكرامة، وأن أي غزو أَو تدخل سيواجه بإرادَة شعبيّة حرة، وأن السيادة الوطنية ليست شعارًا على الورق بل واقع يُنتزع بالمقاومة والتضحيات.

إن ذكرى اليوم هي تحذير لكل من يحلم بالتدخل في شؤون اليمن من الخارج: الشعب اليمني حيٌ يقظ، لا يهاب المحتلّ، وسيظل يرفض الوَصاية الأجنبية مهما امتدت، ومهما بلغت قوة الأطماع.

كُـلّ الغزاة يرحلون في النهاية، واليمن يبقى حُرًّا، شامخًا، عصيًّا على الانكسار، بفضل إرادَة شعبه ومقاومته الوطنية الموحدة، وصمود أبنائه الذين جعلوا من صنعاء وأرض اليمن حصنًا لا يُقهر.