11 فبراير 2015.. عندما أعادت ثورة 21 سبتمبر تعريف السيادة


لم يكن خروج القوات الأمريكية من صنعاء في 11 فبراير 2015 حدثًا عابرًا فرضته ظروف أمنية طارئة، ولا مجرد إجراء احترازي مؤقت كما حاولت واشنطن تصويره آنذاك، بل كان تتويجًا لمسار ثوري وشعبي بدأ مع انطلاقة ثورة 21 سبتمبر، التي قلبت موازين النفوذ التقليدية وأسقطت نموذج الوصاية الأمريكية، وأرسَت معادلة جديدة قوامها: القرار السيادي يبدأ من الداخل لا من السفارات.

في ذلك اليوم، لم تغادر قوة أجنبية العاصمة فحسب، بل انهار نظام كامل من الوصاية السياسية، القائم على نفوذ دبلوماسي متضخم، وأدوات ناعمة، وشبكات أمنية عملت لسنوات من داخل مؤسسات الدولة، متجاوزة حدود التمثيل الدبلوماسي لتؤثر مباشرة في القرار السيادي.

ثورة غيّرت قواعد اللعبة

منذ لحظاتها الأولى، لم تُطرح ثورة 21 سبتمبر بوصفها حراكًا احتجاجيًا تقليديًا، بل كمشروع تحرر وطني شامل، يستهدف استعادة السيادة وبناء قرار مستقل، وإنهاء مرحلة الارتهان السياسي والأمني للخارج.

هذا التوجه اصطدم مباشرة بواقع كانت فيه السفارة الأمريكية لاعبًا محوريًا في توجيه السياسات العامة، وضبط إيقاع المشهد السياسي والأمني، عبر ما سُمّي حينها بـ”الشراكة” و”الدعم”، وهي عناوين فقدت فاعليتها مع صعود نهج يرفض الوصاية من حيث المبدأ.

ومع انتقال الثورة من كسر الاحتكار السياسي إلى إعادة تشكيل بنية القرار، بدأت ملامح التراجع الأمريكي بالظهور، وتآكلت أدوات التأثير التقليدية، وصولًا إلى فقدان القدرة على إدارة المشهد من الداخل.

السفارة خارج المعادلة

لسنوات، تجاوز الدور الأمريكي إطار العمل الدبلوماسي، ليصل إلى مستوى الشراكة القسرية في القرار السيادي، والتأثير المباشر في الملفات السياسية والأمنية، غير أن نهج 21 سبتمبر، القائم على الاستقلال ورفض الإملاءات، أغلق هذا المسار تدريجيًا، حتى بات الوجود الأمريكي عبئًا سياسيًا وأمنيًا بدلًا من كونه ورقة نفوذ.

ومع صدور الإعلان الدستوري في فبراير 2015، اكتمل الانفصال السياسي، وأدركت واشنطن أن بقاءها في صنعاء لم يعد ممكنًا، لا عبر التفاهم، ولا عبر الضغط.

11 فبراير.. لحظة الانكشاف

ما جرى في مطار صنعاء لم يكن انسحابًا منظمًا بقدر ما كان خروجًا مرتبكًا، إحراق وثائق، تدمير تجهيزات، وتحطيم أسلحة، في محاولة محمومة لمحو آثار سنوات من العمل الاستخباراتي.

ذلك السلوك عكس حجم فقدان السيطرة، وأكد أن ما حدث لم يكن قرارًا سياديًا أمريكيًا مدروسًا، بل نتيجة مباشرة لانهيار النفوذ من الداخل.

وهنا تتجلى إحدى أهم ثمار ثورة 21 سبتمبر: إسقاط النفوذ من جذوره، لا الاكتفاء بتقليصه.

من استعادة القرار إلى بناء التأثير

لم يتوقف أثر الثورة عند حدود العاصمة، فبعد إغلاق بوابة التحكم الخارجي، انطلق مسار بناء قدرات وطنية مستقلة، عسكرية وسياسية، مكّن اليمن لاحقًا من الانتقال من موقع الدفاع إلى موقع الفعل، ومن ساحة مستباحة إلى لاعب حاضر في معادلات إقليمية حساسة.

هذا التحول لم يكن ممكنًا لولا النهج الذي أرسته ثورة 21 سبتمبر، والقائم على وضوح العدو، واستقلال القرار، وربط السيادة بالهوية والوعي.

قراءة الحدث في خطاب السيد القائد

في كلمته بمناسبة ذكرى 11 فبراير، أكد السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي أن خروج القوات الأمريكية من صنعاء لم يكن إنجازًا تكتيكيًا عابرًا، بل ثمار مسار ثوري واعٍ انطلق من الهوية الإيمانية، وواجه مشروع الهيمنة من جذوره، حتى وصل بالعدو إلى اليأس من السيطرة على القرار الداخلي.

وأشار السيد القائد إلى أن هذا اليوم يمثل نتيجة طبيعية لثورة حسمت خياراتها، وثابتت على موقفها الراسخ، ورفضت أي مساومة، ومضت في معركتها حتى بلوغ كامل أهدافها السيادية.

دلالة التاريخ

بعد أكثر من عقد، لم يعد 11 فبراير مجرد ذكرى انسحاب، بل محطة كاشفة لمسار أعمق غيّرت فيه ثورة 21 سبتمبر طبيعة السلطة، وأعادت رسم موقع اليمن في معادلة الصراع.

ففي ذلك اليوم، تكرّست حقيقة أن السيادة لا تُمنح، بل تُنتزع، وأن النفوذ الخارجي يفقد قدرته حين يُسحب منه الغطاء الداخلي، ومن هنا، لم يكن الحدث نهاية وجودٍ أجنبي بقدر ما كان بداية مرحلة جديدة، بات فيها القرار اليمني نابعًا من الداخل، ومحكومًا بإرادة وطنية مستقلة.

 

 

موقع 21 سبتمبر.