سُنّة الاستبداد وحتمية الزوال.. الصهيونية في مهب الوعد الآخر


​بقلم. حسين بن محمد المهدي

{فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسلام وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ}

​إن سنن الله في هذه الحياة قائمة على الصواب، وقوانينه مبنية على العدل والحساب.

جعل الله الحياة مرحلة اختبار للعباد، فمن أحسن العمل طاب له الحصاد، ومن اختار قضاء حياته فيما ينشد به السعادة ظفر بمراده، وطابت له الحياة.

وفي القرآن الحكيم: {مَنْ عَمِلَ صالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَو أُنْثى‏ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ}.

​فالمؤمن راضٍ عن الله، مطمئن إلى عدله، مؤمن بربه، شاكر لنعمه وفضله؛ لا يعرف القنوط ولا السخط.

إذَا أصابته ضراء صبر ورضي، وإن أصابته نعماء شكر، فهو مؤمن تقي، جعله خالقه من خير البرية، وأبعده عن الشقاء والأذية، رضي الله عنه وأرضاه، كما قال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئك هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ، جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ}.

​فما أحوج الإنسان إلى الرضا بما قسم له الرحمن، ليلقى السعادة، ويبتعد عن سخط الأيّام:

فَإِنْ تَرْضَ عَنْ دُنْيَاكَ تَلْقَ سَعَادَةً ** وَإِنْ تَسْخَطِ الأيّام تَلْقَ المآسيا

وَخَالِقْ بِحِلْمٍ كُـلّ مَنْ جَلَّ في الورى ** لتَحْظَى بِأَلْطَافٍ تكن فيها عَالِيَّا

وَكُنْ كَالَّذِي يَسْمُو بِفَضْلٍ وَلَا يَرَى ** لِنَفْسٍ سِوَى الْإخلاص لله باقيا

​فمشاهدة نعم الله والرضا بها أنس وسكينة، وبر وإحسان وفرح وسرور برضا الرحمن: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّـهِ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ}.

وتلك سعادة ينالها أهل الإيمان الذين انشرحت صدورهم فأبصروا الحق فثبتوا عليه.

​أما من انغمس في معاصي الله ولم يؤمن بالله، وتطاول على عباد الله بما مكنه الله فيه من صواريخ وطائرات وسفن حربية وغواصات، وسعى لمحاصرة عباد الله ومحاولة إذلالهم — كما تفعل الصهيونية في فلسطين وإيران واليمن الإيماني والعراق ولبنان — فهو إنما يستعجل بظلمه للعباد وبالتعالي والاستبداد حتفه وعذاب ربه.

وفي القرآن الحكيم: {أَ فَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ، أَ فَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ، ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ، ما أَغْنى‏ عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ}.

​فالشقي متبع لهواه، جالب للبلاء، ضائق صدره، قاسٍ قلبه، لا ينتفع الناس منه ولا يسلمون من شره: {لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئك كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئك هُمُ الْغافِلُونَ}.

وقد نهى الله عن مَنْ هو هكذا حاله من أهل الشقاء، فقال سبحانه: {وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عن ذكرنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطًا}.

​والعاقل يدرك بفطرته عواقب فساد الرأي، وعواقب الجهل بسنن الله:

إِذا ضَلَّ ذو الرَّأيِ البعيد عَنِ الهُدى ** أَذاقَ بَني الأزمان شر المخازيا

فَلا تَحسَبَنَّ المَجدَ يُبنى بِباطِلٍ ** وَلَو كان مِمَّن رامَهُ المجد عاليا

وَمَن يَجعلِ الأَوهامَ نُورًا لِدَربِهِ ** تُسِقهُ المَنايا لِلرَّدى تَمـادِيـا

وَلَو كانَ عِلمُ المَرءِ حِقدًا وَغِلَّةً ** لَصارَ مَعَ الأيّام داءً معاديا

فَكَم مِن مُلوكٍ غَرَّهُم طُولُ عِزِّهِم ** فَما أورَثوا التاريخَ يومًا معاليا

​فالشقي من عصى ربه، واتبع الشيطان عدوه، فخان الفطرة، وضل عن المحجّـة، وطبع على قلبه فلم يعِ الموعظة.

ذلك الذي أعمى الله بصيرته، فصار لا يرى الصلاح إلا فسادًا، ولا الفساد إلا صلاحًا، يعتدي على الخلق بظلمه، كأنما يهوي بنفسه إلى التهلكة، ويُزجي قدميه نحو الهاوية.

عيشه ضنك، ومتاعه يسير، وقلبه حقير؛ لأنه خالف ربه وآثر هواه، فحُرم الأنس بالطاعة، وذاق وحشة الشقاء.

​وكم جر هذا الشقي على المجتمع الإنساني من بلاء! يفسد الأخوة، ويغرس الحقد، ويمرض الضمير الاجتماعي بداء الاستبداد والغرور.

يرى في أتباعه مُجَـرّد “بقرة حلوب”، يحلبها ثم يذبحها، ويمضي في عتوه لا يلوي على ضعيف ولا يرحم مسكينًا، فيتقطع؛ بسَببِه نسيج الألفة، وتضطرب موازين العدل، وينحسر الخير، فلا يبقى إلا صوت الظالم ووجوم المظلوم.

​وبئس الشقي، يظن أن مجده في قهر الناس، وإنما ذله في ظلمهم.

كما هو حال الصهيونية التي طغت في فلسطين، فقتلت عشرات الآلاف، وهدمت ديارهم، وكأن الأرض لم تسع غير جبروتهم، فها هم يسعون لمحاصرة إيران الأبية، التي لا ذنب لها إلا مناصرة المستضعفين وتحرير الأقصى.

إنهم لا يتعظون بتقلب الزمان، وكأن الضمائر قد ماتت لديهم، يريدون تحويل الدنيا إلى جحيم لا يطاق، متناسين أن الدنيا تتقلب، وأن الدهر ذو غِير:

​هذا الزَّمَان يَبُثُّ الرُّعْبَ فِي الأمم ** كَأَنَّمَا القوم فِي كَفَّيْهِ قُرْبَانُ

تَبْنِي الشُّعُوبُ قُصُورًا كَيْ تَخَلَّدَهَا ** وَلِلمَنِيَّةِ هَدْمٌ فِيهِ إِتْقَانُ

لا تَرْكَنَنَّ إلى الدُّنْيَا وَزُخْرُفِهَا ** فَكُلُّ عِزٍّ إذَا مَا حُمَّ عُرْيَانُ

أَيْنَ الأَكَاسِرُ وَالأَمْلَاكُ مَنْ ظلموا ** وَمَنْ لَهُمْ فِي جَبِينِ الدَّهْرِ عُنْوَانُ

صَارُوا حَدِيثًا لِمَنْ يَأْتِي وَأَوْرِثَهُمْ ** طُولُ البِقَاءِ عذابًا حيثما كانوا

تَجْرِي المَقَادِيرُ لا تَلْوِي عَلَى أحد ** وَفِي القَضَاءِ لِكُلِّ الخَلْقِ مِيزَانُ

​لقد أفسدت الصهيونية واستكبرت، ورغم ذلك يستعجلون حتفهم، ويحفرون لأنفسهم قبورًا تذروها الرياح، فسنن الله في إهلاك الظالمين ماضية: {أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأرض ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ… فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخرين}.

أن الصهيونية اليوم لا تعيش فقط أزمة عسكرية، بل تعيش “ضيق الصدر” الأخلاقي أمام العالم أجمع.

العالم اليوم يبصر قبحهم، وهذا جزء من مما جاء في قول الحق سبحانه: “ليسوءوا وجوهكم”

أما آن للصهيونية أن تراجع حساباتها قبل أن يأتيهم العذاب وهم لا ينصرون؟ إن المسيرة القرآنية، التي انطلقت من انشراح الصدور بهدي الله، آتية لتطهر الأرض من عبثهم، فقد وعد الله بذلك في كتابه: {فَإِذا جاءَ وَعْدُ الآخرة لِيَسُوؤُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أول مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا}.

فالعزة لمن اعتز بالله، والنصر لمن بذل نفسه لله، إنها المسألة مسألة وقت ليس إلا، فمن انشرح صدره بنور اليقين، أبصر فجر النصر قبل بزوغه، ومن ضاق صدره بالباطل، خنقته ذلة الهزيمة قبل وقوعها: {وَ لَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}.

 

* عضو رابطة علماء اليمن