هُدنة زائفة.. إعصارُ المحور يلوح في الأفق
بقلم. أحمد الضبيبي
في لحظة فارقة، حَيثُ الصمتُ يشي بالجاهزية، وكلماتُ العدوّ الأمريكي والصهيوني تتحوّل إلى وثائق إدانة ذاتية على هزيمة مذلة، يبرز محور الجهاد والمقاومة اليوم كقوة عظمى، مكدسًا قدرته الفائقة ومؤصلًا لقوته الرادعة، ليضع الشيطان الأكبر أمريكا وكَيان الاحتلال الغاصب ومَن سانده في حالة من الرعب المستطير والقلق الأبدي، يترقبون بوَجَلٍ ساعة الصفر التي قد تنفجر مع أية حماقة صهيونية لخرق الهدوء الهش، لتكون فاتحة القضاء المبرم وانتقاما يتوج هامات المستضعفين بالنصر المؤزر.
لقد بات جليًّا أن الإدارة الأمريكية، في سعيها الحثيث خلفَ هذه الهُدنة، لا تنشد سلامًا مستدامًا أَو حقنًا للدماء، بل تبحث عن “نافذة زمنية” لترميم انكساراتها وتوسيع رقعة انتشارها؛ وإنَّ تحريك ثلاث حاملات طائرات ونشر أكثر من خمسين ألف جندي ليس إلا إعادة تموضع عدواني؛ فالعدوّ الأمريكي يستغلُّ سكونَ الجبهات ليضُخَّ المزيدَ من آلات القتل في المنطقة، محاولًا تعزيز ترسانته التسليحية وتصحيح مساراته الفاشلة، استعدادا لجولة جديدة من العدوان يظن أنه سيكون فيها أكثر حظًا.
في المقابل، يدرك محور المقاومة بوعيه الاستراتيجي الثاقب، أنَّ مزعومَ هذه الهدنة ما هو إلا هدوءٌ استراتيجي خادع، تتراقص على حواشيه إرهاصات العاصفة الجبارة التي لا قبل للشيطان الأكبر أمريكا ولكيان العدوّ الصهيوني وداعميه وأدواته بها، عاصفة مقدر لها أن تعيد صياغة الجغرافيا السياسية، وتجلو الحقيقة الأزلية للأبصار التي غشاها ران الوهم الصهيوني.
وفي خضم هذا المشهد الذي يرتدي ثوب السكينة المتعمدة، وتلك الهدنة الزائفة التي تلف جبهات محور الجهاد والمقاومة، يكمن سر استراتيجي جليل؛ فهذا الهدوء، الذي يراه العابر بساطة وسباتًا، ليس في حقيقته إلا صمت العمالقة الذي يسبق الزلزال، وانكماش البحر الذي يسبق التسونامي الكاسح وهو مخاض الوعد الصادق 4، الذي يختتم فصولَ الصراع بالفتح المرتقب، ويطوي بساط الغطرسة إلى الأبد.
وفي ذات السياق تبرُزُ أوراقُ القوة الرابحة بيد الجمهورية الإسلامية في إيران ومحور المقاومة كقوة لا تقبل التأويل، حَيثُ تُطبق الجمهورية الإسلامية قبضتها السيادية على مضيق هرمز، الشريان الأبهر للاقتصاد العالمي، بينما يفرضُ اليمنُ عبر قواته المسلحة السيادة الاستراتيجية المطلقة على مضيق باب المندب، محولًا هذا الممر المائي إلى معادلة ردع عصية على الاختراق.
إنَّ ذلك الخوفَ الأمريكي من عبور حاملة الطائرات “جورج بوش” عبر البحر الأحمر وباب المندب ليس مُجَـرّد هواجس عابرة، بل كان إقرارًا ضمنيًّا بتعاظُمِ القدرة اليمانية؛ إذ آثرت القوةُ الضاربةُ لواشنطن الانكفاءَ واللوذَ بمسار “رأس الرجاء الصالح” المنهَك حول إفريقيا؛ حَيثُ إن هذا التحول في المسار، بكل ما يحمله من تبعات لوجستية وكُلَفٍ باهظة، يمثل سقطة مدوية للهيبة العسكرية الأمريكية التي تقزّمت أمام صولة الصواريخ والمسيَّرات اليمنية، مفضِّلةً الخسارةَ المادية على الانتحار العسكري في مياه باتت تلفظ الغزاة.
وعلى وَقْعِ هذا الانكسار، تمدَّدت شرارةُ المواجهة لتصلَ إلى الجبهة اللبنانية، حَيثُ دشّـن حزبُ الله فصلًا جديدًا من فصول السيادة البحرية باستهداف بارجة صهيونية بصواريخ كروز بحرية دقيقة، جاعلًا قطع العدوّ البحرية تتوارى من فوق موج البحر المتوسط خوفًا من استهدافها.
وهنا، تتجسَّدُ عظمةُ الوعد الصادق الذي أكّـده سيدُ شهداء المقاومة السيد حسن نصر الله -رضوانُ الله عليه- قبلَ رحيلِه بأُسلُـوبٍ مفعَمٍ بالثقةِ والشموخِ في وجه التهديدات الأمريكية وزيفِ التهويل بأساطيل الدمار، مؤكّـدًا بعباراته الجزلةِ أن زمنَ الاستقواء بالبوارج قد وَلَّى، وقالَ إن تلك الحاملات والقِطَعَ البحرية التي تملأ البحر المتوسط لا ترهبنا، بل “لقد أعددنا لها عُدَّتَها” واليوم، يتجلَّى صِدْقُ هذا الوعد في الميدان، حَيثُ تتقزَّمُ الأساطيلُ أمام إرادَة الفولاذ، وتتحول مياه المنطقة إلى مقبرة لطموحات الهيمنة، تحت وقع ضربات لا تخطئ أهدافها، وقادة نذروا أنفسهم لكسر قيود الغطرسة العالمية.
إن المنطقة تقف اليوم أمام استحقاق تاريخي؛ فإما أن يدركَ العدوّ الأمريكي وصنيعته الصهيونية أن عهدَ العربدة قد وَلَّى إلى غير رجعة، أَو أن يرتكبوا حَماقَةَ العودة للعدوان، وفي تلك اللحظة، لن يجدوا أمامَهم إلا إعصارًا من المحور يمتدُّ من طهران إلى صنعاء، ومن بغداد إلى الضاحية، إعصارًا كفيلًا ليس فقط بردع العدوان، وأيضًا اقتلاع جذور الوجود الأمريكي والصهيوني من المنطقة برمتها.
إنها حرب إرادات وتوقيت، ومن يظن أن محور الجهاد والمقاومة سيُؤخَذ على حين غِرة، فقد أخطأ قراءةَ التاريخ، وسيدفع ثمن الجهل في ساحات الجحيم؛ ومن يخطئ في تقدير بأس هذا المحور، سيحصد الرماد.