إيران.. من بكاء الشهادة لفرحة البيعة.
بقلم: عبدالرحمن حسين العابد
في مشهد يختزل فلسفة الوجود لدى شعب عاش مع الموت فأصبح لا يراه إلا ميلاداً جديداً، اجتمع الإيرانيون على دموع الحسينيين عند استشهاد السيد علي الخامنئي، واجتمعوا بعدها على أهازيج المهدويين عند انتخاب السيد مجتبى.
البكاء.. ليس حزناً على موت، بل احتفاء بشهادة، هذه هي العقدة التي لا تحلّها مناهج الغرب في التحليل النفسي.. الإيراني لا يرى في الشهيد جثة تدفن، بل يرى روحاً تصعد ودماء تروي شجرة تمتد جذورها إلى عمق التاريخ.
دموع الأمس لم تكن نهاية، كانت بداية، كانت بيعة جديدة وميثاقاً متجدداً.
وقف خطيب الجمعة في طهران ليقول: “ابكوا على سيدكم، ولكن اعلموا أن هذه الدموع هي وقود المسيرة. كل قطرة دمعة اليوم… هي قطرة دم غداً في سبيل الله”.
لقد استشهد السيد القائد، مات.. لكنه “التحق بالشهيد الحسين”. هذه العبارة وحدها تشرح كل شيء.
الحسين الذي استشهد قبل أكثر من 1300 سنة تقريباً، مازال الإيرانيون يبكونه كل عام، يحيون ذكراه، يعيدون تمثيل مقتله، يلطمون على صدورهم حباً له وعزاءً بمصابه.
فكيف بمن يموت اليوم دفاعاً عن قضيتهم المعاصرة؟ كيف بمن يسير على نهج الحسين في زمننا هذا؟
في لحظة، تحولت ساحة “انقلاب” في طهران إلى بحر بشري يهتف للقائد الجديد.
ملايين الإيرانيين بعموم المحافظات يبايعون المرشد الجديد، السيد مجتبى خامنئي، الذي انتخبه مجلس الخبراء ليكون خلفاً لوالده الراحل..
الأعلام الإيرانية ترفرف، صور المرشد الجديد تملأ الساحة، الهتافات تعلو: “الموت لأمريكا”، “الموت لإسرائيل”، “لبيك يا مجتبى”.
هل يظن القتلة الجدد أنهم سيُنسون؟ لا. بل سيكونون في وعيد إيران للأبد، هدفاً للثأر، علامة سوداء في تاريخ عائلاتهم.
الدم المسفوك تحول إلى قائد جديد. الفرح اليوم هو لأن الشجرة التي روتها دماء الأمس أثمرت قائداً يمسك الراية من يد الشهيد. إنه احتفال باستمرار المسيرة، لا احتفال بموت القائد.
يبايعه الحرس الثوري، يبايعه الجيش، تبايع المؤسسات، ويبايع الشعب. والبيعة هنا ليست مجرد إجراء سياسي.
إنها طقس ديني وتجديد للعهد. إنهم يبايعون السيد مجتبى كما بايع أسلافهم الأئمة من قبل، ليس لأنه ابن السيد الشهيد فقط، ولكن لأنه امتداد للخط، استمرار للمدرسة، حامل للواء.
الغربي يسأل: “كم قتلوا منكم؟” والإيراني يجيب: “كم منا صاروا شهداء؟”.
هذا هو الفرق بين عدّ القتلى وعدّ الأولياء، بين رؤية الموت كفناء وبين رؤيته كحياة.
الإيرانيون كانوا “مشتاقين لإمام سيد هاشمي شهيد جديد”، فقد طال الوقت منذ آخر واحد منهم. هذه العبارة قد تثير دهشة الغربي، لكنها تعبر عن عمق العلاقة بين الشعب الإيراني ومفهوم الشهادة.
الشهيد ليس نهاية، بل بداية.
الدم ليس خسارة، بل بذرة لقائد جديد.
العزاء ليس حزناً فقط، بل طقوس لشحذ الهمم وأخذ العظة والعبرة وتجديد الولاء.
الإيرانيون شعب يموت ليحيا. الموت عندهم ليس فناءً، بل انتقال إلى حياة أفضل.
إنهم يعيشون على الشفق الذي يفصل بين الدنيا والآخرة، بين السياسة والعقيدة، بين الرصاص والقباب الذهبية.
إنهم يرون في الشهادة بداية لا نهاية، وفي القائد الجديد امتداداً للقائد الشهيد، واستمراراً للمسيرة التي بدأت بكربلاء ولن تنتهي إلا بظهور صاحب الزمان.
إنها فلسفة خاصة، لا تفهمها عدسات الغرب، ولا تستوعبها نظرياته النفسية. إنها فلسفة من يعيش مع الحسين كل يوم، ويرى في كل شهيد قافلة تسير، وفي كل قائد جديد راية ترفع.
بايع الإيرانيون السيد مجتبى خامنئي، ليس كشخص فقط، بل كرمز لاستمرارية الخط، وكضمانة لاستمرار المسيرة، يرون في ذلك تتويجاً لكل الشهداء، وتحقيقاً لكل الأحلام، ونهاية للمسيرة التي بدأت بالدم وستنتهي بالنصر.
“السلام على الحسين، وعلى علي بن الحسين، وعلى أولاد الحسين، وعلى أصحاب الحسين”. والسلام على كل من سار بدربهم، واستشهد في سبيل قضيتهم، وسيُبعث يوم القيامة معهم.