من 30 نوفمبر إلى حاضر الجنوب اليمني: ذاكرة التحرير ومهمة المقاومة المتجددة
جميل الحاج
الاستقلال المؤجل: هل استعاد الجنوب اليمني سيادته أم عاد الاحتلال بأدوات جديدة؟
السيد القائد: ذكرى الجلاء محطة وعي وتحرّك لمواجهة الاحتلال الحديث
من عدن 1839 إلى سقطرى وميون 2024: احتلال يتبدّل وهدف لا يتغيّر
يعيش اليمنيون اليوم عند مفترق تاريخي يعيد إلى الذاكرة تفاصيل مرحلة استعمارية امتدت لأكثر من 128 عامًا في جنوب الوطن تحت الاحتلال البريطاني.
ومع حلول ذكرى 30 نوفمبر، يوم خروج آخر جندي بريطاني عام 1967، لا تظهر المناسبة كحدث عابر، بل كمرآة تكشف عن واقع جديد من الهيمنة العسكرية والسياسية والاقتصادية والاستخباراتية التي تطال السواحل والموانئ والجزر اليمنية، وإنْ كانت هذه المرة بوجوه وأساليب مغايرة وأكثر حداثة وتعقيدًا.
وفي خطابات السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي ـ حفظه الله ـ يتجدد التأكيد بأن ذكرى الجلاء محطة للتذكير بضرورة التحرك لمواجهة كل أشكال الاحتلال، وأن ما يجري في اليمن اليوم ليس سوى إعادة إنتاج لذات مشاريع الغزو بواجهات وأدوات مختلفة.
الهيمنة البريطانية: استعمار مباشر وتفكيك ممنهج
لم يكن احتلال بريطانيا لعدن عام 1839 عملًا منفصلًا، بل جزءًا من مشروع توسعي هدفه التحكم بالموقع الاستراتيجي لليمن على طرق التجارة العالمية.
وقد بسطت بريطانيا سيطرتها على عدن ثم على السلطنات والمحميات الجنوبية، وأنشأت كيانات سياسية متنافرة لضمان تفتيت المجتمع وإضعاف الوحدة اليمنية ضمن سياسة “فرّق تسد”.
تركّزت استراتيجيتها على التحكم بالممرات المائية وتقييد التجارة وإقامة أحزمة قبلية ومشيخات محلية تابعة للمستعمر، تعمل كأذرع اجتماعية وعسكرية تخدم مشروعه.
بعد نحو ستة عقود من الاستقلال، يعود المشهد بأدوات مختلفة، فلم يعد الاحتلال يرتدي الزي البريطاني، بل صار على شكل:
ـ قوات إماراتية وسعودية وقواعد عسكرية مشتركة
ـ حضور استخباراتي أمريكي وبريطاني وإسرائيلي
ـ أدوات محلية مثل المجلس الانتقالي وتشكيلات أخرى مرتبطة بتحالف العدوان
وتُستخدم الشرعية الدولية اليوم كغطاء يعيد إنتاج نموذج المحميات القديمة، في سياق هندسة سياسية وأمنية تهدف إلى الهيمنة على الممرات البحرية والثروات، وصناعة واقع سياسي تابع يبقي النفوذ الخارجي قائمًا تحت أدوات دول الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية.
ميون: قلب باب المندب
شهدت جزيرة ميون إنشاء قاعدة جوية بمدرج طوله نحو 1.85 كيلومتر ومنشآت قادرة على استقبال طائرات متقدمة، وهي اليوم خارج أي سيادة يمنية وتخضع لإدارة إماراتية وتواجد إسرائيلي مع حضور استخباراتي غربي.
سقطرى: جوهرة المحيط الهندي تحت المراقبة
تحوّل أرخبيل سقطرى إلى موقع لمراكز استخبارات وقواعد مراقبة، وتكرر الحديث عن زيارات ضباط وخبراء إسرائيليين وبناء منشآت عسكرية تتابع الحركة البحرية نحو القرن الإفريقي.
زقر وذوباب: حلقات في سلسلة السيطرة
شهدت جزيرة زقر بناء منشآت عسكرية حديثة، فيما اكتمل إنشاء مطار عسكري في ذوباب.
هذه المواقع مترابطة ضمن شبكة دولية تقودها قوى كأمريكا وبريطانيا و”إسرائيل”، هدفها التحكم بالممرات البحرية وجمع المعلومات الاستخباراتية والضغط العسكري في أي صراع إقليمي.
إنه امتداد لمشروع استعماري قديم لطالما وصفه المؤرخون بأنه “صراع على البحار أكثر منه صراع على اليابسة”.
يعتمد الاحتلال الحديث على مجالس وفصائل وأحزمة أمنية ونخب مناطقية تشبه إلى حد كبير نموذج المحميات البريطانية.
هذه التشكيلات ليست جزءًا من دولة يمنية موحدة، بل كيانات متفككة تُستخدم لفرض واقع سياسي وأمني يخدم القوى الخارجية.
ويشرعن الاحتلال عبر حكومات صُنعت في الخارج، ومنها استُخدم “المجلس الرئاسي” وحكومة عدن كغطاء يمنح الوجود العسكري صفة شرعية شكلية رغم افتقاده لأي سند شعبي أو سيادي.
كما فعل الاستعمار البريطاني سابقًا بإغلاق الموانئ، يفرض الاحتلال اليوم سياسات حصار ونهب للثروات النفطية والغازية، وتحويل الموانئ إلى أدوات ضغط تتحكم بها قوى خارجية بعيدًا عن أي رقابة وطنية.
هل انتهى استقلال 1967؟
رغم أن 30 نوفمبر 1967 كان لحظة فارقة في تاريخ الجنوب، إلا أن سؤال السيادة لا يزال مطروحًا.
فأمام شبكة القواعد الأجنبية والنفوذ الخارجي المعقّد، تتراجع مظاهر الاستقلال، وتصبح المقارنة بين احتلالين ممكنة:
ـ احتلال مباشر يرفع العلم البريطاني ـ واحتلال غير مباشر متعدد الأوجه يستخدم أدوات محلية وشعارات سياسية وتحالفات عسكرية.
ورغم اختلاف الأساليب، فإن النتائج واحدة: تفتيت وانقسام ونهب ثروات وحرمان الشعب من رواته وسيادته.
اندلعت شرارة ثورة 14 أكتوبر 1963 في جبال ردفان، وتوسعت من عمليات صغيرة إلى معارك أربكت الإمبراطورية البريطانية.
وتلقت الثورة دعمًا من أبناء محافظات الشمال ومن دول عربية، وكانت تعز مركزًا لتمويل الثوار بالسلاح، ولعبت صنعاء دورًا محوريًا رغم ظروفها الصعبة.
وبهذا انتهى الاحتلال بسقوط عدن وانسحاب آخر جندي بريطاني في 30 نوفمبر 1967.
يرى السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي ـ يحفظه الله ـ أن هذه المناسبة ليست مجرد ذكرى تاريخية، بل محطة وعي ومسؤولية وإحياء لروح الصمود.
وفي خطاباته خاصة في عامي 2016 و2024 يؤكد أن الشعب قادر اليوم كما كان بالأمس على مواجهة الغزاة، وأن الحفاظ على الوحدة الداخلية هو الحد الفاصل بين النصر والهزيمة.
كما يشدد على أهمية دور الإعلام والمناهج في كشف حقيقة الاحتلال القديم والجديد، وأن درس سقوط الاستعمار البريطاني يجب أن يبقى حاضرًا في الوعي الوطني.
ويختتم السيد القائد بالتأكيد أن مسار الشعب اليمني اليوم مسار تحرري واضح يعزز العزة والتمكين والوعي والبصيرة.
من خروج الاحتلال البريطانيين في 1967 إلى دخول قوات الاحتلال الإماراتية والسعودية في 2015، بقي الجنوب تحت احتلال ونفوذ خارجي بشكل أو بآخر.
وما يحدث اليوم من نهب للثروات وإقامة قواعد عسكرية وتفتيت سياسي وإدارة أمنية بأدوات محلية وتدخل بريطاني وأمريكي مباشر، يشير إلى أن الاحتلال عاد بوجه جديد وبعبائه عربية.
تتشابه غايات الاحتلال البريطاني مع أهداف الهيمنة السعودية والإماراتية اليوم، ويبقى الشعب اليمني هو الثابت في معادلة المقاومة.
فالاحتلال لا يدوم، والاستعمار يتبدّل شكله لكنه لا يتغير في جوهره، ووالشعب الذي أسقط بريطانيا قادر على إسقاط أي قوة تتطاول على سيادته.
وكما قال السيد القائد: “شعبنا العزيز فيما هو عليه الآن من مسار تحرري جهادي يسلك المسلك الصحيح إلى العزة والتمكين والنصر.”
وهكذا يقف الجنوب اليمني اليوم بين ماضٍ صنعه المستعمر، وحاضر تحاول قوى أخرى رسمه، بينما يواصل الشعب كتابة مستقبل أرضه كما فعل في الأمس.. وكما يفعل اليوم.. وكما سيفعل غدًا.
المصدر| الحقيقة

