ذهب الجسد وبقي المشروع
بقلم/ بشير ربيع المصانع
حين ندرك سنّةَ الله في التاريخ، ونقرأ حركةَ الصراع بميزان القرآن، يتبيّن لنا أن ما يجري اليوم هو حلقة طبيعية في مسار المواجهة بين الحق والباطل.
فكما لم يُترك إبراهيم عليه السلام دون مواجهة، ولا موسى عليه السلام دون فرعون، ولا يوسف عليه السلام دون منظومة كهنوتية فاسدة، كذلك لم يُترك الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي -رضوان الله عليه- دون أن تتكالب عليه قوى الطغيان المعاصر، وفي مقدّمتها أمريكا، التي لم تحتمل صوته القرآني، ولا مشروعه التحرّري، ولا جرأته في كسر هيمنتها وكشف حقيقتها.
وحين فشلت أدوات التضليل، وعجزت حملات التشويه، وانتشر الوعي الذي زرعه الشهيد القائد في نفوس الناس، لجأت أمريكا إلى سنّتها القديمة في تصفية الأحرار، فأوكلت السلطة القائمة آنذاك بمهمة المواجهة، والزجّ بالجيش، واستهداف الشهيد القائد، ظنًا منها أن قتل الجسد كفيل بإطفاء النور، وأن إسكات الصوت سيُنهي الرسالة، غير مدركة أن الله إذَا تولّى عبدًا فإن دمه يتحوّل حياةً لأمة، واستشهاده يتحوّل ميلادًا لمرحلة، مصداقًا لقوله تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}.
ارتقى الشهيد القائد شهيدًا، فذهب جسده، وبقيت روحه حاضرة، ووعيه متجذّرًا، وبصيرته متقدّمة، لأن ما قدّمه لم يكن مشروع شخص، بل مشروع أُمَّـة، ولم يكن خطاب مرحلة، بل منهج حياة.
فكل رصاصة أطلقت عليه تحوّلت وعيًا في صدور الرجال، وكل مؤامرة حيكت ضده أنبتت جيلًا أشدّ صلابة، وكل ظنٍّ بإطفاء النور كشف جهلهم بسنّة الله التي قال فيها: {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}.
أما الذين حاربوه، وتآمروا عليه، وتوهّموا أنهم بانتصارهم العسكري اللحظي قد أنهوا المشروع، فقد كشفت الأيّام حقيقتهم، وسقطوا واحدًا تلو الآخر سياسيًّا وأخلاقيًّا وتاريخيًّا، وباتوا عبرةً لكل من يراهن على أمريكا، أَو يظن أن الوقوف في صف الباطل يمكن أن يصنع له مجدًا أَو مستقبلًا.
انتهوا إلى الخيبة والخسران، لأنهم واجهوا مشروعًا إلهيًّا لا شخصًا، وحاربوا وعيًا قرآنيًّا لا جماعةً محدودة، فكان مآلهم ما قاله الله تعالى: {فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}، وأصبحوا فعلًا في مزابل التاريخ، لا يُذكرون إلا كأدوات خيانة، وعناوين سقوط.
ومن رحم تلك المواجهة الدامية، وامتدادا لدم الشهيد القائد، نهض المشروع القرآني أكثر صلابة، وتحوّل من مرحلة التأسيس إلى مرحلة الفعل، ومن كسر حاجز الخوف إلى فرض المعادلة، ومن بناء الوعي إلى صناعة القوة، فانتقل اليمن من موقع الاستضعاف إلى موقع المبادرة، ومن الدفاع إلى الهجوم الرادع، مستندًا إلى فهمٍ قرآنيٍّ عميق لمعنى القوة، التي لا تُختزل في السلاح وحده، بل تبدأ بالإيمان، وتُبنى بالإرادَة، وتُحمى بالموقف، ثم تُترجم إعدادًا، كما قال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ}.
وبقيادة السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي حفظه الله، بوصفه الامتداد الواعي والأمين لخط الشهيد القائد، تجلّت القيادة القرآنية في أبهى صورها، قيادة لا تُدار بردّات الفعل، ولا تُستدرج إلى مسارات العبث، ولا تنفصل عن شعبها، بل تصنع منه شريكًا في الوعي والمسؤولية.
قيادة حافظت على نقاء المشروع، ومنعت تمييعه، ووسّعت مداه، وربطت كُـلّ موقفٍ بمرجعيته القرآنية، لتتحوّل الصرخة من مُجَـرّد شعار يفضح العدوّ إلى فعلٍ ميداني يوجعه.
وهكذا أصبحت الصرخة صواريخَ تعبر المسافات، وطائراتٍ مسيّرةً تضرب عمق كيان الاحتلال الصهيوني، وبوارجَ وأساطيلَ تُطارد في البحار، نصرةً لغزة، ووفاءً للمستضعفين، وتجسيدًا عمليًّا لمعنى وحدة الساحات، التي لم تعد شعارًا نظريًّا، بل واقعًا أربك حسابات أمريكا، ونسف وهم السيطرة المطلقة، وأثبت أن الأُمَّــة إذَا امتلكت إرادتها فإن الجغرافيا لا تعيقها، والحصار لا يكسرها، مصداقًا لقوله تعالى: {كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ}.
وبهذا التحوّل النوعي، فرض اليمن نفسه قوةً إقليميةً حقيقية، لا تُقاس بمعايير العدد والمال، بل بمعيار التأثير، فدخل معادلات السياسة والاقتصاد والعسكر من باب الندية، لا التبعية، ومن موقع الفعل، لا الانفعال.
وأدرك الأعداء، وإن أنكروه علنًا، أن ما يواجهونه ليس مُجَـرّد سلاح، بل شعبًا واعيًا، ومشروعًا قرآنيًّا، وسنّةً إلهيةً لا تُهزم.
وهنا تتجلّى الحقيقة الكبرى: أن دم الشهيد القائد لم يُنهِ المشروع، بل ثبّته، وأن المؤامرة لم تُسقط المسار، بل كشفت زيف المتآمرين، وأن الأُمَّــة التي تعود إلى القرآن، وتفهم سنن الله، لا يمكن أن تُكسَر، وإن تكاثرت عليها قوى الأرض، لأن وعد الله حق، وسنّته ماضية، ونصره قريب، {وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}.