الاحتفاء بالمولد النبوي الشريف في الذاكرة اليمنية.. أصالة متجذرة وتاريخ حافل بتجديد الولاء والنصرة والجهاد


بقلم. يحيى الربيعي 

المولد النبوي الشريف في اليمن هو قصة إيمانية متجددة، تتشابك فيها الذاكرة التاريخية مع الواقع الراهن، وتُترجم في مشاهد من الفرح الجماعي والتكافل الاجتماعي والمقاومة الروحية. إنها مناسبة تؤكد أن اليمنيين، بأفئدتهم الرقيقة وقلوبهم اللينة، ما زالوا أوفياء للعهد الذي قطعوه منذ أن دخلوا الإسلام، ماضين في طريق الإيمان والحكمة مهما اشتدت التحديات.

ومع اقتراب ليلة الثاني عشر من ربيع الأول، تتحول المدن اليمنية إلى مسرح حيٍّ للفرح الجماعي. في صنعاء القديمة، تتدلى الأضواء الخضراء من نوافذ البيوت الطينية، وتغدو الأزقة الضيقة كأنها أنهار من نور. أصوات المدائح النبوية تتعالى من المساجد، وتختلط الخطب والدروس والاهازيج والأناشيد بالوقفات والمسيرات الراجلة والضوئية ومجالس الذكر، في سيمفونية احتفائية تروي قصة شعبٍ يحيي ذكرى مولد النبي الأعظم ﷺ بقلوبهم الأرقّ والألين، تماماً، كما وصفهم الرسول الكريم.

في هذه المقالة نسلط الضوء على جذور هذا الاحتفاء المتأصلة، وتنوع مظاهره في مختلف المحافظات، ودوره في تعزيز التكافل الاجتماعي، وصولاً إلى استعراض السياق السياسي والإقليمي الذي يحيط بهذه المناسبة في ظل الراهن اليمني.

الاستدعاء الجهادي للسيرة ومواجهة قوى الاستكبار

يشكل الاحتفاء بالمولد النبوي الشريف في اليمن حالةً ثوريةً وإيمانية متفردة في عمقها التاريخي وزخمها الشعبي الهادر، متجاوزة الأطر التقليدية للطقوس المجردة لتغدو مشروعاً استراتيجياً متكاملاً تتلاحم فيه الأبعاد الاجتماعية والثقافية والسياسية والتعبوية. ففي هذا المرجع الذي يقترن اسمه بالإيمان والحكمة بمرسوم نبوي خالد منذ فجر الدعوة المحمدية، تكتسب الذكرى دلالاتها التحررية الخاصة، مجسدةً هوية إيمانية أصيلة صلبة تتصدر الوجدان الجمعي للشعب اليمني، وتحدد مسارات مواقفه التاريخية.

ويمتلك اليمنيون سفراً تاريخياً حافلاً ببصمات النصرة والجهاد في سبيل الله، اقتفاءً للأثر النبوي العاطر؛ إذ يظل هذا البعد الجهادي حياً وفاعلاً في وعيهم التحرري، ولا سيما في محطة المولد النبوي التي تُستحضر فيها السيرة العطرة بوصفها منهجية حسم ومواجهة ضد قوى الشرك والاستكبار والعدوان. وفي محيا السيرة النبوية، يستلهم اليمنيون أرقى معالم الجهاد والصبر والثبات والتضحية، معيدين إسقاطها على واقعهم الميداني المعاصر لرفد جبهات العزة ومواجهة التحديات المصيرية.

ويكتسب الاحتفاء بالمولد النبوي في ظل معركة الفتح الموعود والجهاد المقدس دلالات استراتيجية بالغة الصرامة؛ حيث تتطابق سياقات المظلومية والمواجهة الراهنة مع ما شهدته السيرة النبوية الأولى في التصدي لأحفاد قريش الذين حشدوا طاقاتهم واستكبارهم لإجهاض الدعوة المحمدية. ويتجلى هذا التماثل التاريخي في قراءة اليمنيين الواعية لطبيعة الصراع، إذ تنكشف التحركات والممارسات الإقليمية، وتحديداً ما يقوم به النظام السعودي، بوصفها امتداداً وظيفياً لتلك الجاهلية الأولى، وهو ما يضاعف الاندفاع الجماهيري لإحياء المناسبة كإعلان عنفوان وثبات على النهج المحمدي القويم.

وفي هذه المحطة الفارقة، يستحضر اليمنيون أمجاد أجدادهم الأنصار الذين يمموا وجوههم شطر الرسالة المحمدية وتقدموا صفوف الفتوحات ونشر الدين الحنيف، ليعلنوا للعالم أجمع أن الاحتفاء بذكرى المولد ليس مجرد احتفالية عابرة، بل هو تجديد لميثاق الدم والولاء، واستدعاء لبطولات الأسلاف الذين حملوا رايات الحق. وتتحول هذه الذكرى إلى رسالة باليستية وميدانية شديدة الوضوح موجهة لقوى الاستكبار الصهيوأمريكي وللنظام السعودي وأدواته الوظيفية؛ فكما صرع الرسول الأعظم ﷺ عداء قريش ومخططاتها، يواصل الشعب اليمني دك أدوات العدوان والعداء الناعم والمادي التي تديرها التحالفات المشبوهة لمنع قيام دولة يمنية حرة ومستقلة، متمسكة بمنهج الرسول الأعظم في مقارعة الكفر والنفاق وجرف أدواتهما من المنطقة.

الخارطة الجماهيرية والتلاحم في المحافظات الحرة

يمتد احتفاء اليمنيين بالذكرى العاطرة للمولد النبوي الشريف إلى أعماق التاريخ، في موروث إيماني أصيل يشكل ركيزة صلبة للهوية الثقافية والدينية للبلاد. ولا يُعد هذا الاحتفاء ممارسة وافدة أو طارئة، بل يتجلى كامتداد طبيعي للاستجابة اليمانية المبكرة للرسالة المحمدية؛ حيث أضحت هذه المناسبة محطة سنوية لتجديد ميثاق الولاء والارتباط بالرسول الأعظم صلوات الله عليه وعلى آله. وتتكرس هذه الخصوصية اليمانية باستحضار الأوساط الشعبية والرسمية المأثورَ النبوي القاطع: “أتاكم أهل اليمن، هم أرق أفئدة وألين قلوباً”، وقوله ﷺ: “الإيمان يمان والحكمة يمانية”، وهي نصوص تتجاوز حدود الثناء لتشكل توصيفاً نبوياً لحقيقة المنهج الإيماني اليماني، ودافعاً استراتيجياً لترسيخ مركزية الرسالة في مواجهة التحديات.

وتتكامل مظاهر الابتهاج في المحافظات اليمنية لتصوغ لوحة إيمانية شاملة، تتنوع أدواتها وتتوحد غايتها؛ ففي العاصمة صنعاء، يظل الجامع الكبير منطلقاً تاريخياً للطقوس الروحية التي تتوارثها الأجيال منذ فجر الإسلام، من خلال جلسات الذكر، وقراءة السيرة النبوية، وتبخير أروقة الجامع، وتعزيز أواصر التكافل المجتمعي. وتصدرت محافظة صعدة مشهد الصمود والإحياء الممتد عبر العقود، إذ يتحول شهر ربيع الأول كاملاً إلى حراك مجتمعي واسع تشهده المديريات والقرى، تتخلله الوقفات والأمسيات والولائم الجامعة، تمهيداً للزخم الجماهيري الأكبر. وعلى المسار ذاته، تشهد محافظات تعز، والحديدة -بخصوصيتها الساحلية وأهازيجها البحرية- وإب، وذمار، وعمران، والمحويت، وحجة، ومأرب، والجوف، والبيضاء، وريمة، استنفاراً رسمياً وشعبياً مكثفاً يكسو المؤسسات في مراكز المحافظات والمديريات والمنازل في القرى والعزل باللون الأخضر، تحضيراً للنفير الجماهيري المليوني في ميدان السبعين والساحات المركزية في عموم مراكز المديريات والمحافظات الحرة.

رمزية التزيين والزخم التثقيفي التحرري

وتتعدد الملامح المشتركة للابتهاج لتشمل تزيين الشوارع والمنازل والسيارات بالإضاءات والرايات الخضراء، وتسيير المواكب الليلية، وإقامة مجالس الذكر والمديح والموشحات الدينية. ويترافق هذا الزخم الجماهيري مع مسار تثقيفي وتربوي مكثف، عبر تنظيم مجالس الاستماع لدروس من هدي القرآن للشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه، والمحاضرات الرمضانية والتوجيهات الإستراتيجية للقائد السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي حفظه الله، بما يعزز الوعي الإيماني ويربط الأمة بمصادر قوتها لمواجهة المخاطر المستهدِفة لهويتها.

التكافل الميداني والمصاديق العملية للرسالة النبوية

ولم يقف الاحتفاء عند حدود المظاهر التعبيرية، بل تحول عملياً إلى مشروع مجتمعي واسع للعدالة الاجتماعية والتكافل؛ ففي ظل الحصار والعدوان، يترجم الشعب اليمني قيم الرحمة المحمدية إلى مبادرات ميدانية شاملة، تتصدرها الهيئة العامة للزكاة والهيئة العامة للأوقاف والإرشاد والمؤسسات التنموية وفي مقدمتها بنيان. وتتجسد هذه المبادرات في تقديم المساعدات الغذائية والنقدية لأسر الشهداء والجرحى والأشد فقراً، وتسيير القوافل والمخيمات الطبية إلى العزل والمديريات، ورعاية الأيتام، وتنفيذ حملات الخدمات التطوعية وإصلاح المنازل. وتؤكد هذه التطبيقات الميدانية أن المولد النبوي في اليمن يمثل محطة تربوية وإنسانية واستراتيجية فارقة، تُترجم فيها أهداف الرسالة المحمدية –وفي مقدمتها الرحمة والتكافل والعدالة– إلى واقع حي يرسخ الصمود، ويهزم خيارات التجهيل والحصار.

فشل الوهابية في تجريف الهوية والوعي التاريخي

وعلى الرغم من وطأة الخضوع لسلطة الأدوات التابعة للعدوان في المحافظات المحتلة، تبدي الحواضر اليمنية هناك تمسكاً صلباً بطابعها الروحي الأصيل؛ ففي حضرموت وتحديداً مدينة تريم التاريخية، تتواصل المجالس الصوفية ومدائح السيرة النبوية بحضور شعبي واسع، مجسدةً مناعة فكرية أسقطت مساعي التشويه التي قادها اللوبي الوهابي المهيمن على مفاصل القرار في مهاجر وفنادق حكومة المرتزقة. وفي مدينة عدن، تحافظ المساجد على طقوس المولد الأسبوعية، فرضاً لروحانية الذكرى ومشاركةً للأمة الإسلامية في أفراحها، ما يؤكد فشل مخططات الاستلاب الفكري في فصل تلك المحافظات عن عمقها الإيماني والجامع.

وفي مقابل هذا التجسيد العملي للمضامين المحمدية في الواقع اليمني، تقف المؤسسة الدينية الرسمية في السعودية، ممثلة بما يسمى “هيئة كبار العلماء”، في موقف مناهض يبتعد عن جوهر الرسالة؛ حيث تبنت خطاب التجريم للاحتفال بالمولد النبوي واعتبرته “بدعة ضالة”. وحشد عدد من منتحلي منصب الإفتاء ومفتي المملكة المتعاقبين ذرائع إفتائية ترقيعية ومضللة لتفريغ الذكرى من أبعادها الجامعة، متسترين بذرائع شكليّة تدّعي أن “الرسول ﷺ لم يحتفل بيوم ميلاده، ولا الخلفاء الأربعة، ولا غيرهم من الصحابة أو التابعين”، فضلاً عن التوظيف المجتزأ والمضلل لحديثي “من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد”، و”كل محدثة بدعة”.

هذا الموقف المأزوم، قوبل برفض واسع عبر الأقطار الإسلامية المتمسكة بمنهج النبوة، حيث أفرزت المرجعية الدينية الإيمانية تفنيداً علمياً حاسماً؛ إذ أكد مفتي الديار اليمنية العلامة شمس الدين شرف الدين أن إحياء ذكرى المولد النبوي الشريف يشكل محطة إيمانية استراتيجية لاستلهام الدروس والعبر من سيرة الرسول الأعظم صلوات الله عليه وعلى آله، والتزود من هديه لترسيخ قيم الجهاد والصمود بوجه أعداء الأمة.

وأوضح العلامة شرف الدين -خلال الفعالية التي نظمتها مؤسسة وأكاديمية بنيان- أن البعثة المحمدية هي أعظم النعم الإلهية التي انتشلت البشرية من ظلمات الجاهلية والضلال إلى نور الإسلام والعدل، مشدداً على أن الفرح بهذه النعمة يندرج في صلب التعظيم والنصرة والإجلال لله ورسوله. وفي تفكيك حاسم للاستدلالات المضللة بحديثي “من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد” و”كل محدثة بدعة”، أكد مفتي الديار اليمنية بأن البدعة المردودة شرعاً هي ما خالف بموقف صريح الكتاب والسنة وأصول الشريعة؛ كفتاوى طاعة الأمير، وإباحة حفلات المجون، وإهداء كسوة الكعبة للماجن إبستين، والاحتفاء بأيام العروش، والامتناع عن نصرة إخواننا في غزة، أما إحياء المولد فإنه يمثل بعثاً للفضائل والشمائل وتذكيراً بأيام الله.

ونوه العلامة شرف الدين إلى سقوط الذرائع والتدليسات التي تحاول أصوات التبديع إشاعتها لتجهيل الأمة وفصلها عن مركز قوتها ورمز هدايتها، مؤكداً الحقيقة الأصولية القاطعة بأن مجرد “ترك” النبي لأمر ما لا يعني تحريمه بوجه من الوجوه، إذ تتنوع الأحكام الشرعية بين الوجوب والندب والإباحة والحرمة والكراهة. ودحضاً لذريعة عدم احتفال النبي بميلاده، كشف مفتي الديار اليمنية أن النبي ترك الاحتفال المباشر ببعض المظاهر تواضعاً لله، لكنه أرسى أصل الاحتفاء بذكرى ولادته حين سُئل عن صيام يوم الاثنين فقال: “ذاك يوم ولدت فيه”، وهو إقرار صريح بالخصوصية والنعمة. وبناءً عليه، يقدم الشعب اليمني بتمسكه بهذه المناسبة الجامعة أنموذجاً يمانياً أصيلاً في الولاء والارتباط بالرسول الكريم، بما يسقط مخططات الاختراق الفكري والتضليل.

وعلى الرغم من المحاولات الوهابية المتواصلة لطمس هذه المناسبة الجامعة واستهداف الإرث الثقافي والفني والتاريخي الضارب في أعماق اليمن، تؤكد الحقائق التاريخية أن تحريم الاحتفال بالمولد ليس سلوكاً إسلامياً أصيلاً، بل منتج طارئ اقترن حصراً بظهور الدعوة الوهابية وتمدد النفوذ السعودي.

ورغم توظيف أدوات التشويه المحسوبة على الخطاب الوهابي لإثناء اليمنيين عن إحياء المناسبة، إلا أن تلك المحاولات باءت بالفشل أمام الصمود الشعبي العارم والتمسك بالمناسبة كمكسب هوية وموروث إيماني راسخ. ويتجلى هذا الفشل في أبشع صور التناقض البنيوي للخطاب الوهابي في تحريمه لإحياء ذكرى الرسول الأعظم، مقابل شرعنته التنظيمية والفقهية لـ “أسبوع محمد بن عبد الوهاب”، والإجازة الشرعية للاحتفال بـ “اليوم الوطني” وأيام تتويج ملوك آل سعود على عرش المملكة باعتبارها “واجبات وطنية”. ولا يقف هذا التناقض عند حدود الانفصام الشرعي، بل يتعداه ليعكس حقيقة الموقف الوهابي بوصفه أداة سياسية ومذهبية مسخرة لخدمة النظام السعودي ودوره الوظيفي في حماية الكيان الإسرائيلي الغاصب لأرض فلسطين وأولى القبلتين، وهو الدعم الذي أقر به -صراحةً- المجرم ترامب بتأكيده أن بقاء الكيان الإسرائيلي مرهون بحماية نظام آل سعود؛ ليتعارض هذا المنهج كلياً مع المبادئ الإسلامية وقيم الرسول الأعظم الذي كرس حياته لمواجهة قوى الكفر والظلم.

 في الختام:

يمثل الاحتفال بالمولد النبوي الشريف في اليمن ظاهرة فريدة تجمع بين الأصالة التاريخية، والتنوع الثقافي، والتكافل الاجتماعي، والصمود السياسي. ففي الوقت الذي تحاول فيه بعض القوى طمس هذه المناسبة أو تشويهها، يصر اليمنيون على إحيائها بأشكال متنوعة تعكس عمق ارتباطهم برسولهم ونبيهم. وتكتسي هذه المناسبة في ظل الظروف الراهنة أبعاداً إضافية، حيث تتحول إلى محطة لتجديد الولاء لله ولرسوله، وإعلاء قيم الجهاد والصبر والمقاومة، في مواجهة ما يرونه تحديات وجودية تهدد هويتهم ودينهم ومقدساتهم.

ويبقى المولد النبوي في اليمن شاهداً على أن الإيمان والحكمة اليمانية واقع معاش يتجدد كل عام في قلوب وعقول اليمنيين، الذين يواصلون -رغم كل الصعاب- الاحتفاء بنبيهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، متمسكين بسنته، مقتدين بهديه، ثابتين على نهجه، حتى يرث الله الأرض ومن عليها.