جَلْدُ الضحية


الجوف نت  | مقالات 

بقلم / وفاء الكبسي

في هذا العالم، لم يعد يكفي أن تكون مظلومًا كي يُنصفك أحد؛ عليك أولًا أن تثبت أنك تستحق تعاطفهم، وأن تكون مظلوميتك ملائمةً لمصالح الطواغيت. أما إن كنت من الضحايا الذين لا تملك قضيتهم نفطًا، ولا نفوذًا، ولا منصاتٍ إعلاميةً كبرى، فقد تُدفن جريمتك في هامش الأخبار، ثم يُطلب منك فوق ذلك أن تشرح للعالم لماذا دافعت عن نفسك!

تلك هي المفارقة الأكثر قسوة: أن يُقتل الضحية، ثم يُحاكم على صرخته؛ وأن يُحاصر، ثم يُلام حين ينتزع حقوقه ويفك حصاره؛ وأن يُعتدى عليه، وتتمزق أشلاؤه، ثم يُطلب منه أن يصمت حتى لا يسمع موتى هذا العالم آهاته.

في اليمن، لم تبدأ الحكاية اليوم. اثنتا عشرة سنة من العدوان السعودي الأمريكي خلّفت وراءها وجعًا لا تختصره البيانات، ودماءً لا تمحوها عبارات الأسف. وحين تطال الاعتداءات المدنيين، ثم تمر أخبارهم ببرودٍ عابر، فكيف يُنظر إلى دمنا المسفوك، وأشلائنا الممزقة، وبيوتنا المهدمة، وأطفالنا المذبوحين، بوصفها مجرد تفصيلٍ في هامش صراع؟

هنا تتجلى ازدواجية المعايير بأقسى صورها؛ فحين يكون الضحية في المكان الذي ينسجم مع مصالح القوى الكبرى، تتحرك المنابر، وتعلو لغة القانون والإنسانية، وتُفتح ملفات الحقوق. أما حين يكون الضحية يمنيًا أو فلسطينيًا، فكثيرًا ما يتحول الدم إلى رقم، والجريمة إلى «سياق»، والدفاع إلى «تهديد لأمن المنطقة».

غزة كانت وما تزال مرآةً فاضحة لهذا الاختلال والظلم الجائر؛ دماء المدنيين، وجوع الأطفال، ودمار البيوت، والأشلاء الممزقة في كل مكان، كل ذلك يضع العالم أمام هذا السؤال: هل للدم قيمةٌ واحدة، أم أن قيمة الإنسان تتغير بتغير موقعه السياسي، حسب مصالحكم؟

أيها المتشدقون بالحريات والحقوق المزيّفة، العدالة لا تكون عدالةً عندكم إلا إذا كانت صارمةً مع الضعيف؛ والجريمة تصبح أقل فظاعةً لأنها ارتُكبت تحت عنوانٍ سياسي يرضي أجنداتكم! أنتم تريدون للمظلوم أن يفقد حقه في الدفاع عن نفسه لمجرد أنه لم يعجبكم صوته.

ومن هنا، يصبح الحديث عن أمن البحر والملاحة، مع تجاهل أمن الأرض ودماء أهلها، حديثًا مبتورًا عن الحقيقة، ونفاقًا صريحًا. فالأمن لا يتجزأ؛ ومن يريد بحرًا آمنًا، عليه أن يتوقف عن محاصرة الضحية وقتلها وتدميرها وتهديدها، ثم مطالبتها بالصمت والرضوخ بالذل والهوان والقتل والتجويع.

وحين تتحرك اللقاءات الدولية مزدوجة المعايير لمناقشة طمس الحقيقة وقهر المظلوم، حينها يصبح اليمن حاضرًا للدفاع عن نفسه وحقه المشروع. وهنا يظل هذا السؤال ملحًّا: لماذا يُستدعى الحديث عن أمن الممرات البحرية، بينما يُغيّب الحديث عن أمن الإنسان الذي يعيش على هذه الأرض، وحقوقه، وحريته، وكرامته؟
أما استدعاء مكة والمقدسات في كل مرةٍ يُراد فيها تصوير الموقف اليمني باعتباره خطرًا على المقدسات، فهذا هو الزيف والتضليل بعينه. فالمقدسات لا تكون ذريعةً لإسقاط العدل.

إن أخطر ما حدث أن يُقتل الإنسان اليمني بدمٍ بارد، فيصبح قتله أمرًا مألوفًا؛ فيُقال: هذه نتيجة عدم خضوعك وخنوعك ورضوخك، ثم يُجوَّع طفلك، وتُدمَّر مدرستك وشارعك وسوقك، ويُطلب منك أن تتقبل الألم بصمت حتى لا تُتهم بأنك إرهابي!
هذا هو جلد الضحية: أن يُرتكب الظلم أولًا، ثم يُحاسب المظلوم على ردّة فعله.

اليمن لا يحتاج إلى تعاطفٍ موسمي، ولا إلى بياناتٍ تأتي بعد فوات الأوان؛ بل يحتاج إلى عدالةٍ حقيقية، وإلى الاعتراف بأن كرامة الإنسان ليست ورقةً تفاوضية، وأن الدم اليمني ليس أقل قيمةً من أي دمٍ آخر.
ولذلك، لسنا معوّلين على هذا العالم كثيرًا، الذي أثبت أن مصالحه الاستعمارية تسبق مبادئه. ولا ننتظر أن يمنحنا الآخرون حقًا يمكننا أن ننتزعه بأنفسنا. لا ننتظر من العالم أن يمنحنا العدالة؛ نحن من سيفرضها كاستحقاق، لا كطلب.

نمضي بقوة الإيمان، وبإرادةٍ تعرف ما تريد، وبوعيٍ يرفض أن يتحول الظلم إلى قدرٍ دائم. نتمسك بحقوقنا، ونسعى إلى ردع العدوان، ونثق بأن الشعوب الحرة المظلومة، التي تعرف حقها ولا تتخلى عنه، قادرةٌ على صناعة نصرها وانتزاع حقوقها بيدها؛ فنحن لا ننتظر من الآخرين أن يصنعوه لنا.
لقد طال الصمت المخزي، والاعتياد على الظلم، ومساومة المظلوم…
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾.

فلا تجلدوا الضحية لأنها تحركت ودافعت عن كرامتها وسيادتها واستقلالها، ولا تحاكموا المظلوم لأنه رفض أن يعتاد الظلم.
فالعدالة تبدأ حين يتوقف جلد الضحية، وحين يصبح الإنسان إنسانًا في كل مكان، لا رقمًا تتغير قيمته بتغير المصالح.
نحن، بقوة الإيمان، وثبات الإرادة، وحكمة القيادة، ماضون في طريق الحق؛ واثقون بعدل الله، واثقون بأن الظلم إلى زوال، وأننا منتصرون غالبون بإذن الله.