الخليج بلا وصاية.. إيران تؤسس لمرحلة ما بعد الهيمنة من بوابة هرمز
الخليج بلا وصاية.. إيران تؤسس لمرحلة ما بعد الهيمنة من بوابة هرمز
الجوف نت | تقارير
في لحظةٍ إقليمية مفصلية، تتكثف فيها التحولات الكبرى وتتسارع فيها إعادة تشكيل موازين القوى، تبرز الجمهورية الإسلامية الإيرانية كلاعبٍ مركزي يعيد رسم معادلة الأمن في الخليج، مستندةً إلى ثلاثية متماسكة: قيادة حاسمة، شعب متماسك، وقدرات ردع متصاعدة.
التصريحات المتزامنة لقائد الثورة، ورئيس الجمهورية، وكبار المسؤولين، تكشف عن رؤية استراتيجية متكاملة لا تكتفي بإدارة الصراع، بل تسعى إلى إغلاق صفحة الهيمنة الأجنبية وفتح أفق نظام إقليمي جديد عنوانه السيادة والتكامل بين دول المنطقة.
الخليج.. من جغرافيا متنازع عليها إلى هوية سيادية
في صدارة هذا التحول، وضع قائد الثورة الإسلامية السيد مجتبى خامنئي إطارًا مفاهيميًا جديدًا للخليج، مؤكدًا أنه ليس مجرد ممر مائي، بل جزء من الهوية الحضارية والاقتصادية لشعوب المنطقة.
وأشار إلى أن تاريخ هذا الممر الحيوي حافل بمحاولات الهيمنة الغربية، من البرتغاليين إلى البريطانيين وصولاً إلى الولايات المتحدة، غير أن المرحلة الراهنة -بعد فشل العدوان الأخير- تؤسس لتحول جذري يتمثل في انحسار النفوذ الأجنبي وصعود إرادة شعوب المنطقة.
وفي قراءة تتجاوز البعد المحلي، أكد أن مستقبل الخليج يتجه نحو إقليم خالٍ من الوجود الأمريكي، معتبرًا أن هذا التحول ليس خيارًا سياسيًا فحسب، بل نتيجة حتمية لفشل مشاريع الهيمنة وتنامي قدرات الردع.
هرمز.. قلب المعادلة الجديدة وخط الدفاع الأول
يتقاطع إجماع القيادة الإيرانية عند نقطة مركزية: مضيق هرمز.
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان رسم بوضوح حدود الاشتباك، معلنًا أن المضيق يمثل خطًا أحمر للأمن القومي، وأن أي محاولة لفرض حصار أو قيود بحرية ستُواجه برد حازم، وستكون محكومة بالفشل.
هذه المواقف تتكامل مع طرح رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، الذي أكد أن إدارة إيران للمضيق تمثل مدخلاً لبناء مستقبل إقليمي خالٍ من التدخل الأمريكي، في حين شدد المستشار العسكري محسن رضائي على أن التخلي عن هرمز غير وارد تحت أي ظرف.
أما النائب الأول للرئيس محمد رضا عارف، فذهب أبعد من ذلك، معتبرًا أن أمن الخليج غير قابل للمساومة، وأن تحقيقه لا يمكن أن يتم إلا عبر تعاون دول المنطقة بعيدًا عن أي وصاية خارجية.
الردع البحري.. سيطرة ميدانية ورسائل استراتيجية
على المستوى العسكري، تكشف المعطيات عن تحول نوعي في ميزان القوة البحرية.
قائد البحرية الإيرانية الأدميرال شهرام إيراني تحدث عن سيطرة كاملة على مضيق هرمز، مؤكداً أن أي تحرك معادٍ سيُواجه برد حاسم، في وقتٍ تستعد فيه طهران للكشف عن منظومات عسكرية جديدة ستُرعب العدو.
ولم تقتصر الرسائل على التصريحات، بل شملت استعراضًا لنجاحات ميدانية، من بينها استهداف حاملة طائرات أمريكية بعمليات صاروخية، وإفشال محاولات فرض واقع عسكري في البحر، ما يعكس انتقال إيران إلى مرحلة الردع الفعّال القادر على فرض قواعد الاشتباك.
الحصار يفشل.. والاقتصاد يتحول إلى ورقة ضغط معاكسة
في موازاة المواجهة العسكرية، يتكشف فشل الرهانات الأمريكية على الحصار البحري والاقتصادي.
قاليباف ردّ على التهديدات الأمريكية بسخرية لاذعة، مؤكدًا أن الوقائع على الأرض تكذّب تلك الادعاءات، بل إن السياسات الأمريكية نفسها أدت إلى ارتفاع أسعار النفط، في مؤشر على ارتداد أدوات الضغط على أصحابها.
هذا التحول يعكس معادلة جديدة: إيران لم تعد هدفًا للعقوبات، بل أصبحت قادرة على التأثير في الأسواق العالمية وفرض كلفة اقتصادية على خصومها.
الدبلوماسية والسيادة.. مساران متوازيان لا متناقضان
رغم التصعيد، تؤكد طهران تمسكها بالمسار الدبلوماسي، ولكن وفق قواعد جديدة.
بعثة إيران في الأمم المتحدة شددت على سلمية برنامجها النووي وخضوعه للرقابة الدولية، في مقابل اتهام واضح لواشنطن بمحاولة تسييس الملف والتغطية على انتهاكاتها.
وفي السياق ذاته، أكد المتحدث باسم الخارجية إسماعيل بقائي أن الاستقرار في الخليج لا ولن يتحقق إلا عبر الاعتراف بالحقائق التاريخية والجغرافية واحترام إرادة شعوب المنطقة، رافضًا أي محاولات لفرض روايات بديلة.
التلاحم الشعبي.. العمق الاستراتيجي للمعادلة الإيرانية
داخليًا، يتجلى البعد الأعمق للقوة الإيرانية في التلاحم الشعبي الواسع، الذي ظهر بوضوح في الحشود المليونية التي أحيت ذكرى الإمام الرضا (عليه السلام)، مجددةً الولاء للقيادة ومؤكدةً الاستمرار في نهج الثورة.
هذا المشهد لا يُقرأ كفعالية دينية فحسب، بل كمؤشر على تماسك الجبهة الداخلية، التي تشكل الركيزة الأساسية لأي معادلة ردع أو مشروع سيادي.
نظام جديد يتشكل.. وأمريكا خارج المعادلة
في المحصلة، تكشف مجمل التصريحات والتحركات عن ملامح مرحلة جديدة تتشكل في الخليج، قوامها:
- إنهاء الوجود الأجنبي تدريجيًا.
- تكريس السيادة الإقليمية على الممرات الحيوية.
- تعزيز الردع العسكري، خصوصًا البحري.
- تفعيل الدبلوماسية من موقع القوة.
- الاستناد إلى التفاف شعبي واسع.
وهي معادلة تضع الولايات المتحدة أمام واقع متغير، لم تعد فيه قادرة على فرض إرادتها كما في السابق، في وقتٍ تتقدم فيه إيران بثبات نحو ترسيخ نظام إقليمي جديد، عنوانه: الخليج لشعوبه.. وهرمز تحت سيادتها.
موقع 21 سبتمبر.