بين صمود المقاومة اللبنانية وتنازلات الحكومة.. “اللقيس” يكشف لـ”أنصار الله” ملامح المرحلة المقبلة
الجوف نت – محمد ناصر حتروش
في وقت يسطر فيه مجاهدو المقاومة الإسلامية في لبنان ملاحم بطولية عند الحدود، محولين قرى الجنوب اللبناني إلى مقبرة لآليات وجنود الكيان الصهيوني، تبرز على السطح تساؤلات حادة حول التناقض الصارخ بين ثبات الميدان وتحركات بعض القوى السياسية في الداخل اللبناني.
وبينما يعجز العدو عن فرض “منطقة عازلة” بفضل العقيدة القتالية الأسطورية للمقاومين، تطل خناجر التفاوض من واشنطن لترسم علامات استفهام حول الأجندات المشبوهة للحكومة.
في هذا الحوار الخاص يضع الكاتب والباحث السياسي اللبناني الدكتور بلال اللقيس النقاط على الحروف؛ حيث يكشف عن سر الفشل الصهيوني في تحقيق أي اختراق بري حقيقي رغم سياسة الأرض المحروقة. ويشن هجوماً لاذعاً على الخفة السياسية لبعض أقطاب السلطة اللبنانية في لقاءات واشنطن، مؤكدا أن دماء الشهداء وتضحيات البيئة الحاضنة رسمت معادلة وطنية لا تقبل المساومة أو الارتهان للإملاءات الأمريكية.
ويستعرض اللقيس السيناريوهات المقبلة للصراع، مشددا على أن مأزق نتنياهو في جنوب الليطانيلالن يحله رئيس دولة لبنان ولا الحكومة، وأن الكلمة العليا ستبقى لمن يمتلك الأرض والقرار في الميدان.
إلى نص الحوار:
س1: في ظل التصدي الأسطوري لمحاولات التوغل الصهيوني البري عند الحدود اللبنانية، كيف تقرأون عجز الكيان الصهيوني عن تحقيق اختراق حقيقي رغم كثافة الغارات على البنية التحتية؟
ما يفسر ذلك هو العقيدة والمدرسة القتالية لشباب المقاومة ومجتمعها؛ بدءاً بالمجتمع الذي جعل من بيوته فداءً للمجاهدين وتحمل الدمار والمجازر اليومية التي يقوم بها العدو الإسرائيلي، وصولاً إلى المقاومين الذين هم أبناء الأرض، وأبناء الإسلام المحمدي، وأبناء المدرسة العلوية في الميدان، فهم أعرف بالأرض والجغرافيا، وقد تدربوا على أساليب قتالية غير مسبوقة في العلوم العسكرية فاجأت العدو، وتمكنوا أيضاً من بناء قدرتهم وتأمين الإمداد حتى إلى القرى الأمامية دون أن يكتشف العدو ذلك. نعم. يمكن القول إن المقاومين فاجأوا العدو ويُدفعونه ثمناً باهظاً.

س2: استهداف البنى التحتية اللبنانية يهدف بوضوح للضغط على البيئة الحاضنة للمقاومة عسكرياً. كيف نجحت المقاومة في الحفاظ على وتيرة عملياتها التصاعدية ومنع العدو من فرض منطقة عازلة رغم حجم الدمار والاعتداءات؟
لقد أكد القائد العام للمقاومة سماحة الشيخ نعيم قاسم أن المقاومة تقاتل بأسلوب “الدفاع المرن”، ورغم ذلك أصر مجاهدو المقاومة في الجبهات على تحدي العدو ومنعه حتى من احتلال مدن كالخيام وبنت جبيل، مع التأكيد أنه ليس المطلوب منعه من الاحتلال بحسب القيادة، بل تدفيعه كلفة عالية لاحتلاله. فالمقاومون يتجاوزون المطلوب لشدة شجاعتهم وبأسهم واحترافهم، حيث ظهر الفارق الكبير بين كفاءة المقاوم مقابل الضابط الصهيوني الذي ظهر كـ”اللعبة” في الميدان أمام ابتكارات وحرفية المقاومين.
باختصار، قدمت المقاومة نموذجاً قتالياً، ليس حرب عصابات وليس حرباً كلاسيكية، إنما شيء خاص يشبه هويتها وطبيعة الجغرافيا واحتياجات الميدان في جنوب لبنان وفلسطين المحتلة.

س3: كيف تقرأون التناقض الصارخ بين صمود الميدان وبين توجه الحكومة اللبنانية نحو التفاوض المباشر مع الكيان عبر لقاءات السفراء في واشنطن؟
ما تقوم به الحكومة ورئاسة الجمهورية هو ضرب خنجر في قلب أكثر من نصف المجتمع، ولا يوجد أي تفسير عقلاني أو أخلاقي أو وطني له. ربما يبحث الاثنان عن شرعية لم يجداها في الداخل، فذهبا إلى التفاوض مع العدو، أو يؤديان دوراً وظيفياً مطلوباً منهما من الخارج، أو يعملان بالحقد نتيجة نجاح المقاومة واكتسابها مزيداً من المشروعية في الوطن العربي والإسلامي، بل والعالم.
حتى الآن لم نستطع أن نجد تفسيراً لهذه الخطوة المستهجنة والمدانة وغير الأخلاقية ولا الدستورية، ومجتمع المقاومة يصبر لفهمه أن الطرفين قد يكونان أداة سهلة تستغلها أجندة خارجية لتصديع لبنان، فوجب الصبر والتحمل.

س4: بناءً على حالة السخط الشعبي العارم، هل تمتلك الحكومة اللبنانية -ممثلة بجوزيف عون ونواف سلام- التفويض الشعبي والسياسي اللازم لإبرام تفاهمات تحت الضغط العسكري؟
هذه الخطوة ليس فقط لن تحقق منفعة، بل جلبت مفسدة، بحيث انتقل المشكل السياسي إلى لبنان، وظهر نتنياهو كـ”رجل سلام” بينما كان العالم بأسره يلاحقه كمجرم حرب. لقد قدم جوزيف عون ونواف سلام هدية وصورة مهمة لنتنياهو ليجملا صورته، وللأسف حتى دون مقابل ودون شروط من قبلهما ودون وضوح، ما يدلل على خفة سياسية غير مشهودة في تاريخ لبنان والعرب، إلا -ربما- عند ملك البحرين.
بكل وضوح لا قيمة لما يقومان به، والشعب لن يقبل ذلك، وكل ما قرأناه من بيان واشنطن لا يعني مجتمع المقاومة وأكثر من نصف اللبنانيين بكثير، لذلك لا قيمة لعملهم إلا أنه “أذى”.

س5: دائماً ما توصف الوساطة الأمريكية بأنها منحازة للعدو؛ فما هي المخاطر التي تترتب على القبول بمسار تفاوضي تفرضه واشنطن في وقت تحقق فيه المقاومة إنجازات ميدانية؟
العدو الآن مرعوب، ولا يعرف ما يريد جنوب النهر؛ لا يعرف هل يريد منطقة عازلة كما قال “نتنياهو”؟ وكيف سيحصل عليها ويحققها إذا لم يفرض شروطه على لبنان؟ وهل يتوقع أن “العهد” (اشارة الى رئاسة الجمهورية وفترة ولاية الرئيس) والحكومة قادر أن يعطيه إياها طالما الشعب وأهل الجنوب وأكثرية اللبنانيين يرفضون ذلك؟
وهل سيبقى محتلاً ليكون صيداً سهلاً للمقاومين، أم سيغادر ويغطي بالنار، وهذا سيؤدي إلى عدم استقرار الشمال عنده. فعلاً هو في مأزق، ويريد للعهد والحكومة أن يخرجاه من الورطة، لكنه يطلب ممن لا يملك.
س6: أمام إصرار الشعب والمقاومة على عدم الرضوخ، ما هي السيناريوهات المتوقعة للمرحلة المقبلة؟
أظن أن متابعة ما يحدث في إسلام آباد هو الأصل، وما سوف يحدث بين إيران والسعودية من تفاهمات هو الأصل. إن الكيان الصهيوني في موضع متخبط وفشل، ووضعه عالمياً هو الأسوأ في التاريخ، لذلك لا يمتلك إجابة، بينما نحن نمتلك إجابة واحدة واضحة: لا لاحتلال أي ذرة تراب من أرضنا، لا للاعتراف بالعدو، لا لأي سلام معه، لا لتجاوز الميثاقية، ولا لخيانة دماء الشهداء والقادة منذ عام 1948.
وفي المقابل، نعم لتفاهمات وطنية واستراتيجية أمن وطني بعد خروج العدو وعودة الأهالي وبدء الإعمار وتحرير الأسرى.