“معادلة النار البديلة”.. كيف تحولت “الخروقات الإسرائيلية” إلى استنزاف مفتوح في جنوب لبنان؟
الجوف نت | خاص
05 يونيو 2026
لم تعد المواجهات الميدانية في جنوب لبنان مجرد ردود أفعال موضعية على وتيرة الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار؛ بل تحولت، وفقاً للقراءة الميدانية الأخيرة، إلى استراتيجية استنزاف شاملة تديرها المقاومة الإسلامية تحت اسم “العصف المأكول”.
عبر جغرافيا ممتدة من القطاع الغربي وصولاً إلى الخيام شرقاً، تفرض المقاومة نمطاً قتالياً مركباً يعتمد على “تعدد الوسائط والأهداف المتزامنة”، مما يضع الوحدات الإسرائيلية المتوغلة في مأزق عملياتي حرج، ويجرّدها من القدرة على تثبيت نقاط تمركز مستقرة.
1. التشريح الميداني: من الدفاع السلبي إلى “الكمائن المركبة”
تجاوزت المقاومة في تكتيكاتها الأخيرة أسلوب القصف التقييدي، وانتقلت إلى مرحلة “الاصطياد المباشر” للقوات المتقدمة والمتموضعة. ويمكن رصد هذا التحول من خلال ثلاثة مسارح رئيسية:
أ. فخ الغندورية المباغت
تمثل عملية بلدة الغندورية نموذجاً لـ “الكمائن الاستخبارية المحكمة”. فبالاعتماد على رصد دقيق، استدرجت المقاومة قوة إسرائيلية راجلة ومتقدمة إلى نقطة ميتة، وفجرت بها سلسلة عبوات ناسفة.
- الدلالة الاستراتيجية: تعكس العملية قدرة المقاومة على الاحتفاظ بمرونة الحركة الأرضية وزرع العبوات في مناطق يفترض الاحتلال أنها خاضعة لسيطرة نارية وجوية مشددة.
ب. قلعة الشقيف: “مربع الموت” للآليات
تحول محيط قلعة الشقيف التاريخية إلى بؤرة استنزاف هي الأشد خلال الساعات الماضية. ولم يقتصر الاستهداف على قصف تجمع الجنود، بل ركزت الضربات على سلاح الدروع وسلاسل الإمداد:
- تدمير دبابة “ميركافا” بصاروخ موجه.
- إعطاب دبابة أخرى بواسطة طائرة مسيّرة انقضاضية.
- استهداف قوة تحصنت داخل مبنى محيط بالقلعة عبر هجوم جوي انقضاضي مركّز.
ج. زوطر الشرقية: الاشتباك من مسافة صفر
أثبتت التطورات في بلدة زوطر الشرقية أن المعركة لا تدار بالتحكم عن بُعد فقط؛ حيث أسفر اشتباك مباشر بين المقاومين وقوة من لواء “غفعاتي” (نخبة جيش الاحتلال) عن إصابات بليغة في صفوف القيادة الميدانية للاحتلال، شملت إصابة ضابط بجروح خطيرة وقائد سرية.
2. ميزان القوى الجديد: “سرب المسيّرات” والتحكم الناري
تُظهر مراجعة الوسائط القتالية المستخدمة في الجولة الأخيرة أن المقاومة اعتمدت على مبدأ “التكامل الناري الهجومي”، والذي يتلخص في الآتي:
[ رصد ميداني دقيق ]
│
▼
[ قصف تمهيدي بالمدفعية والصواريخ الثقيلة ]
│
▼
[ انقضاض جوي بمسيّرات “أبابيل” لتدمير الأهداف النوعية ]
هذا التناغم ظهر بوضوح في تلة الصلعة ببلدة القنطرة، حيث نجحت مسيّرات “أبابيل” في تحييد آليات تخصصية حساسة للغاية (آلية اتصالات إسرائيلية وآلية من طراز “نميرا” المدرعة)، مما يعني حرمان قوات المشاة الإسرائيلية من التغطية الاتصالية والدعم اللوجستي تحت النار.
3. رسائل الردع: لا وقائع جديدة على الأرض
تتسع رقعة النار لتشمل (وادي الحجير، حداثا، رشاف، يُحمر الشقيف، وتلة العويضة، وصولاً إلى مدينة الخيام)، وهي مساحة جغرافية تبرز رغبة المقاومة في منع الاحتلال من عزل أي بلدة جنوبية أو الاستفراد بها. كما أن إسقاط أو إجبار مسيّرة من طراز “هرمز 450 – زيك” على مغادرة الأجواء يعثّر جهود الاستطلاع الجوي الإسرائيلي.
خلاصة تقدير الموقف:
إن الكثافة النارية المتصاعدة لعمليات “العصف المأكول” تضع صناع القرار في تل أبيب أمام معادلة مكلفة: إما الالتزام الحقيقي والكامل ببنود وقف إطلاق النار ووقف الخروقات والاعتداءات على القرى اللبنانية، أو الغرق في حرب استنزاف برية وجوية مفتوحة، تبدو فيها القوات الإسرائيلية المتوغلة هي الطرف الأضعف والأكثر تعرضاً للخسائر البشرية والمادية.