الأشهر الحُرُم.. ميثاقُ المقاومة ونذيرُ الصَّحوة في مواجهة التحالف الصهيوني
بقلم. حسين بن محمد المهدي
إنَّ “حرمة الدم” في الأشهر الحرم هي الأصل، وإنَّ الصهيونية تنتهكُ هذه الحرمة الإلهية، مما يجعل “الجهاد” في هذه الأشهر ليس مُجَـرّد واجب سياسي، إنه دفاعٌ عن مراد الله في الأرض.
فإلى الأُمَّــة التي نامتْ وفي أجفانها القذى، وإلى الشعوبِ التي مَلَّتْ القيدَ وما انكسر، وإلى كُـلّ ذي قلبٍ يَنْبِضُ بالغيرةِ على دينِ الله وحرماتِه؛ ألا إنَّ الزمانَ قد استدار، وها هي الأشهر الحرم تُطلُّ برأسِها، لا لتكونَ مُجَـرّد أرقام في التقويم، بل لتكونَ صرخةً في وادِي الغافلين، واستنهاضًا لِهممِ القائمين.
إن فلسطينَ الجريحة وغزة المنكوبة تناديكم، وما يحصل من اعتداء على الجمهورية الإسلامية في إيران ومحاصرتها ومحاولة إخضاعها لا لشيء؛ إلا لأنها تناصر الشعب الفلسطيني المظلوم، وتدعو إلى تحرير الأقصى الشريف.
هو أمر تقشعر منه الأبدان وتتصدع لهوله القلوب.
حرمةُ الزمان.. وجنايةُ الخِذلان
لقد جَعل اللهُ هذه الأشهر حَرَمًا، عَظّمَ فيها المظالمَ، وغلّظَ فيها الآثامَ، فَمَا بالُنا نرى الظلمَ فيها قد استشرى، والعدوّ الصهيوني قد طغى وتجبر؟ إنَّ أعظم الظلمِ في هذه الأشهر ليس مُجَـرّد ارتكاب المعاصي الفردية، بل هو الخنوعُ الذي تلبَّسَ به الكثير من الدول العربية والإسلامية فسكتوا عن ظلم الصهيونية للأُمَّـة الإسلامية وغمط مكانتها، فكيف يرضى بالدنية مليار مسلم وترضى بالخضوع في أمور الدنيا والدين.
وكيف نُعظّمُ حُرمةَ الزمان في الأشهر الحرم ونحنُ نُنتهكُ في عقرِ الدار؟ وكيف نَدّعي تعظيمَ شعائرِ الله ونحنُ نرى المظلومين في فلسطين يَئنّون تحتَ وطأةِ الحديدِ والنار، ولا نُحرّكُ في نصرتِهم إلا بعض ألسنةِ المسلمين التي لَوِيَتْ بعباراتِ الاستنكارِ الباردة؟ عدا محور المقاومة الذي يؤدي واجبه بثبات وإيمان نصرة لله ثم للأُمَّـة والإسلام
فهل من صحوة في الأشهر الحرم وأشهر الحج تعيد للأُمَّـة الإسلامية مكانتها؟
أَمِنْ غَفْلَةٍ نَصْحُو وَفِينا المُتَيَّمُ… وَجُرْحُ المَدَى فِي صَدْرِنَا يَتَكَلَّمُ؟
نَسِيرُ وَأَغْلَالُ الهَوَانِ تَقُودُنَا… وَمِنْ خَلْفِنَا مَجْدٌ تَلِيدٌ مُعَظَّمُ
بَنَيْنَا قِلاعَ العِزِّ يومًا بِعِلْمِنَا… فَأَضْحَى بَنَاهَا اليَوْمَ لِلرِّيحِ يُسْلَمُ
•نُنَادِي رِمَامَ الرَّاحِلِينَ لَعَلَّهُمْ… يُجِيبُونَ، ولَكِنْ دار الميتين تُهَدَّمُ!
رَأَيْنَا دُرُوبَ النُّورِ قِدْمًا فَسرَّنَا… فَكَيْفَ عَمِينَا وَالضِّيَاءُ مُجَسَّمُ؟
رَجَعْنَا نُذِيقُ البَعْضَ كَأْسَ عَدَاوَةٍ… وَنَحْنُ لِشَرِّ الغَاصِبِينَ نُسَلِّمُ
إِذَا مَا دَعَا الدَّاعِي لِوَحْدَةِ صَفِّنَا… تَمَزَّقَ شَمْلٌ، وَالعُرَى تَتَصَرَّمُ
فَلا السَّيْفُ مَصْقُولٌ لِحِفْظِ كَرَامَةٍ… وَلا العَقْلُ فِي فَصْلِ الخُصُومَةِ يُحْكَمُ
فَيَا أُمَّـة كَانَ الزَّمَانُ طَوْعَ أَمْرِهَا… أَفِيقِي، فَإِنَّ الدَّهْرَ لا يَتَرَحَّمُ
ذَمُّ الاختلاف وأدواءِ الشتاتِ
يا بني الشرق، ويا حماةَ الضاد، ويا شيعةَ المختار وحُماة الديار وأنصار سُنة النبي المختار؛ إنَّ عدوَّكم لم يَنَلْ منكم بقوتِه قدرَ ما نالَ منكم بفُرقتِكم.
لقد أصبحنا “أشتاتَ أماني”، تفرِّقُنا القومياتُ الضيِّقة، وتُمزقنا الأهواءُ الحزبية، حتى غدونا في كفِّ القدرِ ريشةً تتقاذفُها أهواءُ المستعمرين.
إنَّ الاختلاف في زمنِ المحنِ خيانة، والتقاطعَ في أوقات الزحفِ انتحار.
فإلى متى يظلُّ بأسُنا بيننا شديدًا، وقلوبُنا لعدوِّنا رقيقةً لينة؟ كأننا لم نسمع قول الحق: {وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ}.
أَرَى الشَّرْقَ مَهْدَ الأنبياء وَحِصْنَهُمْ… غَدَا اليَوْمَ لِلأَغْرَابِ نَهْبًا يُقَسَّمُ
فَلا الدِّينُ رَدَّ الغَائِبِينَ لِرُشْدِهِمْ… وَلا الضَّادُ عِنْدَ النَّائِبَاتِ تُرَمِّمُ
نَسِينَا بِأَنَّا لِلْوُجُودِ هِدَايَةٌ… وَأَنَّا مَنَارٌ فِي الدُّجَى يَتَبَسَّمُ
سَرَى النُّورُ مِنْ بَطْحَاءِ مَكَّةَ فَاِنجْلَى… ظَلَامًا عَلَى رُوحِ البَرِيَّةِ معتم
بِأحمدَ قَامَ العَدْلُ صَرْحًا مُشَيَّدًا… وَخَرَّ لَهُ الطَّاغِي الذِي كَانَ يَظْلِمُ
أَضَعْنَا مَوَاثِيقَ الهُدَى بَعْدَ عِزَّةٍ… فَكَيْفَ يَصُونُ الحَقَّ مَنْ يَتَلَعْثَمُ؟
نُعِيذُكَ يَا شَرْقَ النُّبُوَّاتِ مِنْ رَدَىً… يُحِيكُ لَهُ مَكْرَ الأَعَادِي وَيَرْسُمُ
البرُّ والتقوى: ميثاقُ النهضة
إنَّ التعاونَ على البرِّ والتقوى ليس شعارًا يُرفعُ في المحاريبِ فحسب، إنما هو خطةُ عملٍ وانتشال فلسطين من ظلم الصهيونية والوقوف مع محور المقاومة والجمهورية الإسلامية في إيران، والسير على منهج الأنصار في يمن الإيمان والحكمة بقيادة قائد المسيرة القرآنية السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي.
إنَّ البرَّ اليوم هو نصرةُ المظلومِ في مشارقِ الأرض ومغاربها، والتقوى هي الإعدادُ والقوةُ لرهبةِ الأعداء.
•اتحدوا: فإنَّ القوةَ في الجماعة، والذئبُ لا يأكلُ إلا من الغنمِ القاصية.
•انصحوا: لا تتركوا للظلمِ صوتًا يعلو فوقَ صوتِ الحق.
•استيقظوا: فإنَّ فجرَ الأُمَّــة لا يبزغُ والملايينُ غارقةٌ في سباتِ العجزِ والانتظار.
فيا قوم هل من عودةٍ تُلَمْلِمُ… شتاتَ الخطايا والخطى تتلعثمُ؟
أم الباب مغلق والمفاتيح ضيعت… وسلطانكم في غيه متبسمُ؟
وَلَيْسَ البُكاءُ عَلى الطُّلولِ بِمُنْقِذٍ… وَلا العَجُّ بِاسْمِ السّابِقينَ يُسَلِّمُ
فهَبُوا أفيقوا مِنْ نَوْمَةِ الذُّلِّ فَالَّتي… تَرُومُ الْعُلا لا بُدَّ أَنْ تتكلم
فَما قَعْرُ وَادٍ بِالْمُقيمِ بِقَعْرِهِ… وَلا الطَّيْرُ بِالأَوْكارِ يَحْيا وَيُسلمُ
أَلا فَانْهَضُوا، فالْمَجْدُ بَعْدُ لِمُقْبِلٍ… يَشُقُّ غَياهِيب الظلام ويقدمُ
نداءُ الاستنهاض
يا أيها المظلومون، ارفعوا رؤوسَكم؛ فما ضاعَ حقٌّ وراءه مُطالبٌ مستمسكٌ بحبلِ الله.
ويا أيها الغافلون، انفضوا عنكم غبارَ الذل، فما عُذِرَ أحد بجهلِ حقٍ وهو يرى آياتِ الله تُتلى، وسنةَ نبيهِ تُهجر.
لقد استحل الأعداءُ دماءَنا وأعراضنا، واستباحوا مقدساتِنا في فلسطين ولبنان وإيران والعراق ويمن الإيمان والحكمة، ونحننختلفُ في فتوى المذاهب، ونتقاطعُ على لون الحزب، ونلهثُ وراء الدنيا كأننا لم نقرأ قولَه عليه وآله الصلاة والسلام: «مَثَلُ المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذَا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» (رواه مسلم).
فأين التداعي؟ لقد شُلَّ الجسد، وتنكر الأعضاء لبعضها، فاستولى العدوُّ على الرأس واليدين والرجلين.
يا قوم، إن الاختلافَ في الرأي سُنة كونية، لكنه لا يفسد للود قضية ما لم يتحول إلى تقاطع وتدابر وتناكر.
فلماذا التنازع؟ لماذا يقاتل المسلم أخاه المسلم تحت راية وطنية زائفة، أَو قبلية جاهلية، أَو حزبية ضيقة؟!
إن الذين فرّقوا دينَهم وكانوا شيعًا ليسوا منا، وإن الذين باعوا أرضهم لأعدائهم، وسلّموا مفاتيح بيوتهم للمحتلّين باسم التطبيع والخنوع، أُولئك قد ضيعوا حرمة الأشهر الحرم، وضيعوا حرمة الدين والدم والعرض.
كيف ترضى – أخي المسلم – أن تكون تابعًا لمن يستهين بدمائنا.
إن الأشهر الحرم ليست محطة للاستراحة، بل هي محطة للاستنفار.
فمن لم تحَرّكه دماءُ غزة، ولم تستنهضْه جراح القدس، ولم يغضب لحصار إيران واليمن؛ فليراجع إيمانه بقدسية هذه الشهور.
إن المعركةَ اليوم ليست بين طوائف أَو أحزاب، إنما هي معركة بين “الحق المطلق” و”الباطل المطلق”..
كونوا في صَفِّ الحق، يكن اللهُ معكم.
إن نهضتَكم لن تأتيَ بغير تعاونكم، ولن تقومَ بغير وحدتِكم، ولن تثبُتَ بغيرِ نصرتكم للمظلوم في كُـلّ مكان.
قال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أولياء بَعْضٍ} [التوبة: 71].
فإذا لم نكن أولياء، فسنكون أعداء، وَإذَا كنا أعداء، فسيكون النصر حليف عدونا، والعياذ بالله.
{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ} {وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّـهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ}.
* عضو رابطة علماء اليمن