الوقود النووي والصاروخ الإيراني.. كيف تعيد طهران تعريف معادلة الردع في الشرق الأوسط؟


مقالات – رسول حسين أبو السبح

في خضمّ التصعيد المتكرّر حول الملف النووي الإيراني، يبرز سؤال مركزي يطارد مراكز القرار في واشنطن وتل أبيب، هل يمكن فعلًا القضاء على البرنامج النووي الإيراني بالقوة العسكرية؟.

الخبير في الفيزياء النووية والقانون الدولي الدكتور هادي دلول يقدّم إجَابَة مختلفة عمّا يتردّد في الخطاب السياسي والإعلامي، فالمشكلة وفق قراءته ليست في منشآت يمكن قصفها، بل في منظومة علمية متكاملة أصبحت جزءًا من البنية المعرفية للدولة الإيرانية.

هذه الرؤية تفتح الباب أمام تحليل أعمق لطبيعة البرنامج النووي الإيراني، وعلاقته بالصواريخ الباليستية، وبالتحولات الاستراتيجية في مفهوم الردع في المنطقة.

المعرفة النووية برنامج لا يمكن قصفه.. الفكرة المحورية التي يطرحها الدكتور دلول هي أن البرنامج النووي الإيراني لا يختزل في منشآت مثل نطنز أَو فوردو أَو أصفهان.

فالمنشآت يمكن تدميرها أَو تعطيلها، لكن المعرفة التقنية التي أنتجت هذه المنشآت لا يمكن تدميرها بالصواريخ، فإيران بحسب هذا التحليل بنت برنامجها النووي على قاعدة علمية واسعة تشمل آلاف العلماء والمهندسين، مع توزيع المعرفة داخل شبكة من المؤسّسات البحثية والجامعات ومراكز التطوير.

لهذا السبب فإن أي ضربة عسكرية قد تؤخر البرنامج لفترة محدودة، لكنها لا تستطيع إنهاءه نهائيًّا، فالخبرة المتراكمة في تصنيع أجهزة الطرد المركزي وأنظمة التخصيب أصبحت معرفة متجذرة داخل العقول لا داخل المباني.

بمعنى آخر، البرنامج النووي الإيراني تحول من مشروع تقني إلى ثقافة علمية وطنية.

الصواريخ والنووي معادلة ردع مختلفة.. أحد أكثر النقاط إثارة في طرح دلول هو حديثه عن العلاقة بين الصواريخ والوقود النووي.

فالمتداول في الخطاب الدولي هو الخوف من الرؤوس النووية المحمولة على الصواريخ، لكن دلول يشير إلى سيناريو آخر مختلف، إمْكَانية استخدام الوقود النووي داخل أنظمة الدفع أَو التكنولوجيا المرتبطة بالصواريخ دون الوصول إلى مرحلة القنبلة النووية.

هذه الفكرة إن صحّت تقنيًّا تفتح مجالًا لأسلحة جديدة تقوم على تطوير تقنيات الطاقة والدفع، وليس فقط على تصنيع رؤوس نووية تقليدية.

وهنا يصبح البرنامج النووي جزءًا من منظومة عسكرية أوسع تشمل، الصواريخ الباليستية والصواريخ الفرط صوتية وتقنيات الطاقة المتقدمة إضافة إلى الحرب الإلكترونية والكهرومغناطيسية.

أي أن النووي لم يعد مُجَـرّد مشروع قنبلة، بل عنصر في بنية تكنولوجية عسكرية متكاملة.

خيبر شكن ورسالة الردع.. يتوقف دلول عند الصاروخ الإيراني المعروف باسم “خيبر شكن”، وهو أحد الصواريخ التي تندرج ضمن الجيل الجديد من الصواريخ الدقيقة والبعيدة المدى.

تكمن أهميّة هذه الصواريخ وفق هذا التحليل في أنها ليست مُجَـرّد أدوات هجومية، بل أدوات ردع استراتيجي، فامتلاك قدرة على ضرب أهداف بعيدة بدقة عالية يفرض معادلة جديدة على الخصوم الإقليميين والدوليين.

والردع هنا لا يقوم على امتلاك القنبلة النووية بالضرورة، بل على امتلاك قدرة تدمير دقيقة وسريعة يصعب اعتراضها، بهذا المعنى، تتحول الصواريخ إلى بديل عملي عن السلاح النووي الكامل.

لماذا لا تسعى إيران إلى القنبلة النووية؟.. يشير دلول إلى نقطة قانونية وسياسية مهمة، إيران عضو في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT)، وهي تحاول بحسب هذا الطرح أن تعمل داخل إطار قانوني يسمح لها بامتلاك التكنولوجيا النووية دون تجاوز الخط الأحمر الدولي.

لذلك فإن الاستراتيجية الإيرانية قد تكون قائمة على تحقيق ثلاثة أهداف متوازية، هي تطوير برنامج نووي متقدم، والحفاظ على الغموض حول القدرة العسكرية النووية، وتعزيز الردع عبر الصواريخ والتكنولوجيا العسكرية، هذه المعادلة تمنح إيران قدرة ردع كبيرة دون الدخول في مواجهة قانونية مباشرة مع النظام الدولي.

التحالفات الدولية وتوازن القوى.. يتطرق دلول كذلك إلى البعد الجيوسياسي، حَيثُ يرى أن إيران لم تعد تعمل في عزلة كما كان الحال في التسعينيات.

فالتقارب مع قوى مثل روسيا والصين، إضافة إلى العلاقات العسكرية مع دول أُخرى، يوفر لطهران شبكة دعم سياسية وتكنولوجية تجعل عزلها أَو إسقاط مشروعها الاستراتيجي أمرًا أكثر تعقيدًا.

هذا التحول يعكس انتقال النظام الدولي من مرحلة الهيمنة الأحادية إلى نظام متعدد الأقطاب، وفي هذا السياق يصبح البرنامج النووي الإيراني جزءًا من لعبة توازنات عالمية، وليس مُجَـرّد مشروع إقليمي.

الشرق الأوسط ومعادلة الردع الجديدة..

إذَا صحّ تحليل دلول، فإن الشرق الأوسط يقف أمام مرحلة جديدة من الردع العسكري تختلف جذريًّا عن مرحلة الحرب الباردة، ففي الماضي كان الردع النووي قائمًا على معادلة بسيطة؛ إذ أن امتلاك القنبلة يعني القدرة على تدمير الخصم بالكامل، أما اليوم فالمعادلة أصبحت أكثر تعقيدًا، وتشمل عناصر متعددة، مثل الصواريخ الدقيقة والحرب السيبرانية والطاقة النووية والأنظمة الفرط صوتية إضافة إلى الذكاء الاصطناعي العسكري.

في هذه البيئة الجديدة يصبح امتلاك المعرفة العلمية هو السلاح الحقيقي.

أخيرًا حرب المعرفة قبل حرب السلاح.. الفكرة الجوهرية التي يمكن استخلاصها من طرح هادي دلول هي أن الصراع حول البرنامج النووي الإيراني ليس مُجَـرّد صراع عسكري، بل صراع على القدرة العلمية والتكنولوجية، فالدول التي تملك المعرفة النووية والصاروخية تستطيع إعادة بناء قدراتها حتى بعد تدمير منشآتها.

ولهذا السبب فإن الضربات العسكرية مهما كانت قوية قد تؤخر البرامج الاستراتيجية لكنها نادرًا ما تنهيها.

في النهاية، لا يبدو أن المعركة الحقيقية في الشرق الأوسط تدور حول قنبلة نووية واحدة، بل حول سؤال أكبر بكثير، من يمتلك العلم الذي يصنع القوة؟