بين التصعيد والوساطة.. مفاوضات جنيف تتقدم وطهران تحذّر واشنطن من عواقب أي حماقة

بين التصعيد والوساطة.. مفاوضات جنيف تتقدم وطهران تحذّر واشنطن من عواقب أي حماقة


في وقتٍ تتجه فيه الأنظار إلى العاصمة السويسرية جنيف حيث تتواصل جولات التفاوض غير المباشر بين إيران والولايات المتحدة، يتشكل مشهد معقد يجمع بين حراك دبلوماسي نشط وتحذيرات عسكرية حادة، ما يعكس حساسية المرحلة التي تمر بها المنطقة والملف النووي الإيراني على وجه الخصوص.
فبينما تتحدث طهران عن تقدم في بعض ملفات التفاوض، تؤكد في المقابل أن أي خطوة استفزازية من واشنطن قد تشعل المنطقة وتفتح الباب أمام رد إيراني حاسم.

تقدم في مفاوضات جنيف والجولة الثالثة توصف بالأكثر جدية

في قلب المشهد الدبلوماسي، أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي اختتام الجولة الثالثة من المحادثات غير المباشرة مع الولايات المتحدة في جنيف، واصفاً إياها بأنها واحدة من أكثر الجولات جدية وطولاً منذ بدء هذا المسار التفاوضي.

وأوضح عراقجي أن هذه الجولة شهدت تقدماً ملموساً في ملفي العقوبات والبرنامج النووي، مؤكداً أن النقاشات دخلت مرحلة بحث التفاصيل الفنية لعناصر الاتفاق المحتمل.
وأشار إلى أن بعض القضايا اقتربت من التفاهم، بينما لا تزال نقاط أخرى بحاجة إلى مزيد من النقاش، ما دفع الطرفين إلى الاتفاق على بدء مشاورات تقنية مكثفة في العاصمة النمساوية فيينا خلال الأيام المقبلة.

كما لفت إلى أن الوفد الإيراني سيجري نقاشات مع خبراء الوكالة الدولية للطاقة الذرية لمعالجة القضايا العالقة، في خطوة تهدف إلى وضع إطار فني واضح يمهّد لجولة رابعة من المفاوضات يُتوقع عقدها قريباً.

شمخاني: عراقجي مفوض بالكامل والكرة في ملعب الطرف الآخر

بالتوازي مع مسار المفاوضات، أكد أمين مجلس الدفاع الإيراني علي شمخاني أن وزير الخارجية عباس عراقجي يمتلك الصلاحيات الكاملة لإبرام أي اتفاق يخدم المصالح الوطنية الإيرانية، مشيراً إلى أن وحدة القرار داخل مؤسسات الدولة تعكس جدية طهران في التعامل مع هذا المسار.

وشدد شمخاني على أن التوصل إلى اتفاق يعتمد أساساً على الإرادة السياسية لدى الطرف المقابل، موضحاً أن إيران دخلت المفاوضات بمرونة لكنها لن تقبل باتفاق لا يضمن مصالحها الاستراتيجية ولا يحقق مكاسب ملموسة للشعب الإيراني، وفي مقدمتها رفع العقوبات.

وأضاف أن التجارب السابقة جعلت طهران أكثر حرصاً على وجود ضمانات عملية تمنع تكرار الإخلال بالالتزامات، مؤكداً أن الاتفاق القوي والمستدام ممكن إذا توفرت النية الحقيقية لدى جميع الأطراف.

الوساطة العُمانية تتحرك لتقريب وجهات النظر

وفي هذا السياق، تواصل سلطنة عُمان دورها المحوري في تسهيل الحوار بين طهران وواشنطن، حيث أعلنت وزارة الخارجية العُمانية أن لقاءات عقدت في جنيف مع المبعوثين الأميركيين لمناقشة المقترحات الإيرانية والاستفسارات المرتبطة بالبرنامج النووي.

وأكدت مسقط أن الجهود مستمرة بروح بناءة، مشيرة إلى وجود انفتاح غير مسبوق من قبل الأطراف المتفاوضة على أفكار وحلول جديدة قد تسهم في تقليص الفجوات ودفع المسار التفاوضي نحو نتائج عملية.

ويُنظر إلى الوساطة العُمانية على أنها أحد العوامل الأساسية التي ساعدت في إبقاء قنوات التواصل مفتوحة رغم التوترات السياسية والعسكرية المحيطة بالملف.

تحذير عسكري شديد اللهجة لواشنطن

وفي مقابل هذا الحراك الدبلوماسي، أطلقت القوات المسلحة الإيرانية تحذيراً حاداً للولايات المتحدة، حيث أكد المتحدث باسمها اللواء أبو الفضل شكارجي أن أي خطوة استفزازية من الجانب الأمريكي ستُواجَه برد إيراني حاسم.

وأوضح شكارجي أن أي إجراء وصفه بـ”غير الحكيم” من واشنطن قد يؤدي إلى اشتعال مواجهة واسعة في المنطقة، مؤكداً أن المصالح الأمريكية المنتشرة في المنطقة ستكون ضمن دائرة الاستهداف في حال وقوع أي عدوان.

كما اعتبر أن التهديدات المتكررة الصادرة عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لا تتجاوز إطار الاستعراض السياسي، مشدداً على أن إيران مستعدة للدفاع بقوة عن أمنها ومصالح شعبها.

مفاوضات تحت سقف التوتر

وتأتي هذه التطورات في وقتٍ تتقاطع فيه مسارات الدبلوماسية مع التصعيد العسكري، إذ تسعى الأطراف إلى التوصل إلى تفاهم يخفف من حدة التوتر ويعيد ضبط العلاقة حول الملف النووي والعقوبات الاقتصادية.

غير أن المشهد الحالي يشير إلى معادلة مزدوجة تحاول إيران ترسيخها:
المضي في التفاوض بجدية لتحقيق مكاسب ملموسة، مقابل الحفاظ على جاهزية الردع والتأكيد أن أي ضغط عسكري لن يفرض شروطاً على طهران.

وفي ظل هذه المعادلة، تبدو جنيف اليوم محطة مفصلية قد تحدد اتجاه المرحلة المقبلة، إما نحو اتفاق يفتح باب التهدئة، أو نحو تصعيد أوسع إذا تعثرت الجهود السياسية.

موقع 21 سبتمبر.