من العقيدة إلى فلسطين وأحداث المنطقة: قراءة في كتاب «الدين الإسلامي والملل الأخرى»
من صفحات العقيدة إلى خرائط كيان العدو الإسرائيلي المحتل، يمضي كتاب «الدين الإسلامي والملل الأخرى» في خطّ متصل يربط الماضي بالحاضر، بسرد المعتقدات أو تعريف الفرق؛ خاصة مع الحروب والتحولات السياسية ويبني منها مدخلًا إلى حكاية أوسع عن صراع الدين والسياسة والأرض، حيث تبدأ الرحلة من تصوّر المؤلف للأديان، وتمرّ بالحروب والاستعمار، لتصل في نهايتها إلى القضية الفلسطينية وتستقر عند فلسطين بوصفها خلاصة المسار وسؤاله الأشد إلحاحًا.
تقرير | محسن علي
إطارٌ يحدّد زاوية القراءة
يفتتح المتميز كتابه «الدين الإسلامي والملل الأخرى» بتحديد تصوره لمفهوم الدين؛ فالإسلام، هو الرسالة الإلهية التي دعا إليها الأنبياء، فيما يربط تسميتي اليهودية والنصرانية بما يراه مسارًا من التحريف والانحراف.
هذا التمهيد لا يؤدي وظيفة تعريفية فحسب، بل يرسم الإطار الذي ستُقرأ من خلاله بقية الموضوعات: من تاريخ الأديان إلى السياسة والصراع على الأرض، لذلك، فالكتاب يعد قراءة دينية وسياسية ذات موقف واضح، ينبغي تمييز أطروحاتها من الحقائق التاريخية المتفق عليها.
من اليهودية إلى الصهيونية
ينتقل الكتاب من الإطار العام إلى اليهودية، متناولًا التوراة والتلمود، ثم يوسّع النقاش نحو الصهيونية بوصفها حركة سياسية ذات أبعاد دينية، ويستعرض محطات تأسيسها، ومؤتمر بازل، ومحاولات الهجرة إلى فلسطين، ثم الانتداب البريطاني ووعد بلفور، وصولًا إلى قيام كيان العدو الغاصب عام 1948، كما يناقش مصطلح «السامية» كتوظيف سياسي له، وفي هذا القسم، يربط المؤلف بين الموروث الديني والمشروع الصهيوني، ويقدّم تفسيره الخاص لنشأة الحركة وأثرها.
الفرق والمعتقدات: من التعريف إلى الحكم
بعد ذلك، يفتح المؤلف ملف معتقدات وفرق أخرى، فيعرض البوذية والهندوسية، ثم القاديانية والبهائية، متوقفًا عند نشأة كل منها وبعض أفكارها وانتشارها، غير أن العرض لا يظل وصفيًا؛ إذ يصنّف الكتاب هذه الجماعات من منظور عقدي، ويربط نشأة بعضها أو انتشارها بنفوذ القوى الاستعمارية، وهنا تتضح إحدى سماته الأساسية: فهو لا يكتفي بسؤال «ما هذه الجماعة؟»، بل ينتقل إلى سؤال «من يقف وراءها؟»، مجيبًا عنه ضمن أطروحته التي تربط بعض الحركات بمشاريع سياسية خارجية.
النصرانية بين العقيدة والانقسام
يخصّص الكتاب مساحة للنصرانية، فيعرض مكانة عيسى عليه السلام، ثم يقدّم روايته عن دور بولس في تشكّل المسيحية، ويتابع بعد ذلك انقسام الكنائس إلى أرثوذكسية وكاثوليكية وبروتستانتية، وأبرز الخلافات التي رافقت هذا الانقسام، كما يتناول الأناجيل وما يسمى الكتاب المقدس.
ولا يقف السرد عند العقائد والمؤسسات؛ بل ينتقل إلى العلاقة بين اليهود والكنائس المسيحية، فيرصد العديد من التحولات بين الصراع والاضطهاد والتقارب، وبهذا يصبح هذا القسم جسرًا من الخلاف الديني إلى التاريخ السياسي للمواجهة بين المسلمين والقوى الأوروبية.
من المواجهة التاريخية إلى الحملات الصليبية
في فصل الإسلام والنصرانية، يستعرض بدايات المواجهة بين المسلمين والروم، ثم يتوقف عند الحملات الصليبية بوصفها محطة مركزية في تاريخ المنطقة، وهنا يسرد الحملات في المشرق، وما شهدته من معارك وحصارات واتفاقات، ويتابع امتداد الصراع إلى مصر والأندلس حتى سقوط غرناطة، لكنه لا يقدّمها كتسلسل عسكري فقط؛ بل يناقش الأهداف المعلنة وما يراه أهدافًا أعمق، ثم يقوّم نتائجها، وبهذا يضع القارئ أمام انتقال الصراع من المجال الديني المعلن إلى التنافس على المدن والنفوذ وموازين القوة.
الاحتلال الحديث: استعمار بوجوه متعددة
من الحملات الوسيطة، ينتقل الكتاب إلى الاحتلال الحديث للوطن العربي، حيث يبدأ بالحملة الفرنسية على مصر والشام، ثم يتابع التوسع البريطاني والفرنسي والإيطالي في المنطقة، عارضًا محطاته ومناطقه، وبهذا يربط بين تاريخ الحملات القديمة وموجات السيطرة الأوروبية الحديثة، مقدّمًا الاستعمار باعتباره امتدادًا لصراع لم يتوقف، وإن تغيّرت وسائله، وتكتسب هذه المرحلة أهميتها في بنية الكتاب لأنها تهيئ للانتقال إلى الحربين العالميتين وما خلّفتاه من إعادة رسم للحدود وموازين النفوذ.
الحربان العالميتان وسقوط الخلافة
يبلغ السرد منعطفًا مع الحرب العالمية الأولى؛ إذ يتناول مشاركة العرب في المعارك، وتفكك الدولة العثمانية وسقوط الخلافة، ثم اتفاقية سايكس–بيكو ووعد بلفور وتقاسم النفوذ في الأراضي العربية، وبعدها يعرض الحرب العالمية الثانية ونتائجها السياسية، وصعود نظام دولي جديد، هذه الوقائع تمثل في قراءة المؤلف حلقات متتابعة في تشكيل واقع المنطقة، كما تفسر ـ من وجهة نظره ـ كيف تحولت السيطرة من احتلال مباشر إلى نفوذ سياسي ودولي.
الاستقلال وفلسطين
يستعرض الكتاب استقلال البلدان العربية بعد فترات متفاوتة من الاحتلال، لكنه لا يقدّم الاستقلال بوصفه نهايةً مكتملة للهيمنة؛ إذ يناقش ما أعقبه من صراعات داخلية ونفوذ خارجي، ثم يصل إلى فلسطين، حيث ينتقد ما يراه تراجعًا في المواقف العربية والإسلامية، وعزلًا للقضية عن محيطها، كما يتناول التسويات والتطبيع والرهان على المفاوضات، وهنا تلتقي خيوط الكتاب كلها: فالصهيونية والانتداب والحروب والاستعمار ليست موضوعات منفصلة، بل مقدمات تفضي إلى السؤال الفلسطيني، الذي يمنحه المؤلف موقع الخاتمة ومركز الثقل.
المحطة الأخيرة
هنا يستعرض المؤلف ما يراه من تراجع في المواقف العربية والإسلامية، وانتقال القضية تدريجيًا إلى الهامش، منتقدًا التسويات والتطبيع والرهان على المفاوضات، وهكذا تعود فلسطين في الخاتمة إلى مركز البناء كله: من الصهيونية والانتداب، مرورًا بالحروب والاحتلال، إلى سؤال الموقف العربي والإسلامي اليوم.
ختاما
وهكذا لا يُغلق الكتاب صفحاته عند فلسطين، بل يتركها مفتوحة على سؤالٍ يثقل الحاضر: ماذا يبقى من الاستقلال إذا ظلّت الأرض موضع صراع، والذاكرة ساحةً للتنازع، والموقف العربي دون حجم القضية؟
وبين أوله وآخره، تتبدل العناوين والأزمنة، فيما يبقى السؤال الذي يلحّ عليه الكتاب حاضرًا: كيف يمكن فهم حاضر المنطقة من دون العودة إلى تاريخ الصراع على فلسطين؟.
للمزيد.. يرجى الضغط على الرابط أدناه لتحميل الكتاب
يمانيون.