معركة الوعي والهوية.. حين يصبح القرآن والرسول صلوات الله عليه وعلى آله خط الدفاع الأول عن الأمة في مواجهة الهيمنة

معركة الوعي والهوية.. حين يصبح القرآن والرسول صلوات الله عليه وعلى آله خط الدفاع الأول عن الأمة في مواجهة الهيمنة


تتجاوز مضامين الكلمة التي أُلقيت بمناسبة المولد النبوي الشريف 1445هجرية، حدود الحديث عن المناسبة باعتبارها حدثاً دينياً وتاريخياً، لتطرح رؤية متكاملة حول واقع الأمة الإسلامية والتحديات التي تواجه هويتها ووعيها واستقلالها، وينطلق الخطاب من أن أخطر أشكال الصراع المعاصر لم تعد تقتصر على الاحتلال العسكري أو السيطرة السياسية، وإنما امتدت إلى الفكر والثقافة والتعليم والإعلام والقيم والولاءات، ومن هذا المنطلق، يضع الخطاب تعزيز الصلة بالرسول محمد صلوات الله عليه وعلى آله والقرآن الكريم في قلب عملية بناء المناعة الفكرية والثقافية للأمة، باعتبار أن الحفاظ على الهوية والمرجعية والقيم يمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على الاستقلال والكرامة والقدرة على استعادة الدور الحضاري.

 

أعده للنشر | طارق الحمامي

 

 

 

المعركة تبدأ من الوعي

الفكرة المركزية في الخطاب أن السيطرة على الإنسان قد تكون أخطر من السيطرة على الأرض؛ لأن احتلال الأرض يمكن مقاومته واستعادته، بينما فقدان الإنسان لمرجعيته الفكرية والثقافية والقيمية قد يجعله عاجزاً عن إدراك مصالحه أو الدفاع عنها، ومن هنا يرسم الخطاب مساراً للهيمنة يبدأ من التأثير في الفكر والمفاهيم، ثم إعادة تشكيل الثقافة والقيم، وصولاً إلى تغيير الولاءات والمواقف، وبذلك تصبح المعركة الحقيقية معركة على الوعي قبل أن تكون معركة على الجغرافيا.

 

من الاحتلال المباشر إلى الهيمنة الناعمة

يقدم الخطاب مفهوم «الحرب الناعمة» باعتباره أحد أبرز أدوات التأثير المعاصر، حيث لا تقتصر وسائلها على الإعلام، بل تمتد إلى التعليم والمناهج والثقافة والعادات والتقاليد والاقتصاد وسائر المجالات التي تؤثر في تشكيل الإنسان،
ويشير الخطاب إلى ما يصفه بتدخلات خارجية في المناهج التعليمية في بعض الدول العربية والإسلامية، ويذكر السعودية نموذجاً لذلك، بما في ذلك حديثه عن حذف آيات وتعديل مفاهيم، ودلالتها في سياق الخطاب واضحة، أن التعليم يمثل ميداناً استراتيجياً في تشكيل وعي الأجيال.

 

 

أخطر أشكال الخطر .. الانتماء الشكلي

من أبرز المضامين التي يطرحها الخطاب التحذير من بقاء الانتماء إلى الإسلام في صورته الشكلية، بينما تتغير الثقافة والمفاهيم والتصورات بعيداً عن القرآن وما كان عليه الرسول صلوات الله عليه وعلى آله، وهنا يميز الخطاب بين الإسلام كاسم وهوية ظاهرية، والإسلام كمنظومة فكرية وقيمية وأخلاقية ورؤية للحياة، فالمشكلة، وفق هذه الرؤية، لا تتمثل فقط في التخلي عن الهوية بصورة مباشرة، وإنما في تفريغها من مضمونها مع الإبقاء على شكلها، وهذا يجعل معركة الهوية، في جوهرها، معركة على المضمون، ماذا يؤمن الإنسان؟ وكيف يفكر؟ وما القيم التي تحكم سلوكه؟ وما المرجعية التي تحدد مواقفه وخياراته؟

 

 

القرآن والرسول صلوات الله عليه وعلى آله.. خط الدفاع الأول

في سياق المولد النبوي الشريف، يمنح الخطاب الارتباط بالرسول صلوات الله عليه وعلى آله والقرآن الكريم بعداً يتجاوز الاحتفاء الوجداني إلى إعادة بناء الوعي والهوية، فالقرآن، وفق الرؤية المطروحة، ليس مجرد كتاب للعبادة، وإنما مصدر للقيم والمبادئ والرؤية، بينما يمثل الرسول صلوات الله عليه وآله النموذج العملي لهذه المنظومة، ومن ثم فإن تعزيز الصلة بهما يعني ترسيخ الإيمان والأخلاق والمسؤولية والكرامة والاستقلال والقدرة على التمييز،
وبهذا تصبح المحبة للرسول صلوات الله عليه وعلى آله مرتبطة بالاقتداء به، ويصبح الاحتفاء بالمولد مناسبة لاستحضار منهجه ودوره في بناء الإنسان والأمة.

 

الهوية بوصفها مناعة استراتيجية

يطرح الخطاب «أصالة الانتماء» باعتبارها أحد عناصر المناعة الداخلية، فالمجتمع الذي يحتفظ بفكره وثقافته وقيمه ومبادئه يكون أكثر قدرة على التفاعل مع العالم دون أن يتحول إلى تابع له، وهنا لا تعني حماية الهوية بالضرورة الانغلاق عن العالم، وإنما تعني امتلاك القدرة على الاختيار والتمييز والاستيعاب النقدي؛ أي الاستفادة من المعرفة والتجارب الإنسانية مع الحفاظ على المرجعية والقيم والقرار المستقل.

 

من الدفاع عن الهوية إلى استعادة الدور

لا يقف الخطاب عند التحذير من الهيمنة، وإنما يربط ترسيخ الهوية بهدف أوسع يتمثل في استعادة الأمة لحريتها واستقلالها وكرامتها ودورها الريادي، وهذا يعني أن مقاومة التبعية لا تتحقق بالشعارات وحدها، بل ببناء تعليم قوي، وإعلام مؤثر، وإنتاج معرفي، واقتصاد أكثر استقلالاً، ومؤسسات قادرة على إنتاج البدائل، فالأمة التي تريد أن تستعيد دورها تحتاج إلى أن تمتلك أدوات القوة الحضارية إلى جانب امتلاكها لهويتها.

 

ختاما ..

تكشف الرؤية المطروحة عن تصور يعتبر أن أخطر معارك الأمة هي المعركة على الإنسان ووعيه وهويته؛ فالأرض يمكن استعادتها ما دام الإنسان محتفظاً بإيمانه وثقافته وقيمه، أما إذا فقد هذه العناصر فإن الخطر يصبح أعمق من خسارة الجغرافيا، ومن هنا يأتي جوهر رسالة الخطاب في المولد النبوي الشريف، أن الارتباط بالرسول صلوات الله عليه وعلى آله والقرآن الكريم ليس مجرد تعبير عن الانتماء، بل أساس لبناء الإنسان الواعي بهويته، القادر على حماية قيمه وقراره واستقلاله، وهكذا تتحول معركة الهوية إلى معركة وعي، وتتحول مناسبة المولد من استحضار للماضي إلى سؤال يتعلق بالحاضر والمستقبل، كيف تستطيع الأمة أن تحافظ على هويتها ووعيها وقيمها، وتواجه الهيمنة والتبعية، ثم تنتقل من موقع الدفاع عن ذاتها إلى موقع صناعة مستقبلها واستعادة دورها الحضاري؟ والإجابة التي يضعها الخطاب في مركز رؤيته هي: إعادة بناء الإنسان على أساس القرآن، وتعزيز الصلة بالرسول صلوات الله عليه وعلى آله، وترسيخ الوعي والهوية والقيم، بما يجعل الأمة أكثر قدرة على حماية إرادتها وكرامتها واستقلالها.

 

 

يمانيون.