فالقرآن وصف  اليهود الصهاينة كمنافسين كأشد الناس عداوة للمؤمنين، ولم يقتصر وصفه لهم بالعداء السياسي وحسب، وهي عداوة نابعة من عقائدية راسخة لا تُغيرها المصالح العارضة، ومع ذلك، لا يزال البعض يقع في فخ سوء التقدير، معتبراً أن القضية في فلسطين أو لبنان أو سوريا هي مجرد وعكة سياسية ستزول بزوال المستجدات، مراهنين على قرارات دولية أثبتت التجربة أنها ليست سوى حبرٍ على ورق يُكتب لحماية القوي لا لإنصاف المظلوم.

​إن المتأمل في خيارات التسوية يجدها مسارات دائرية تستهلك الوقت لصالح العدو؛ فأول هذه الخيارات هو سياسة أنصاف الحلول، وهو خيار أثبت فشله الذريع، فالعقلية الصهيونية لا تؤمن بالمشاركة، وهي تسعى للسيطرة على كامل الجغرافيا من النهر إلى البحر، وإلى ما وراء ذلك، وهذا هو المصداق الحي لقوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَّا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا}.

فمن يرفض إعطاء النقير (وهو النكتة الصغيرة في ظهر النواة) لن يقبل يوماً بسيادة حقيقية لغيره على شبر من الأرض، مما يجعل المراهنة على تقسيم القدس أو الدولة المستقلة وهماً يسوقه الضعفاء، ​أما خيار المعاهدات، فقد تحول في يد العدو إلى أداة للمناورة وتجريد الخصوم من أوراق القوة؛ فالتاريخ القريب في غزة وجنوب لبنان يشهد أن العدو ينقض العهد فور شعوره بالقدرة على الغدر، وهو تجسيد للآية: {أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم}.

فالقوة الإقناعية هنا تكمن في أن “النكث” ليس خطأً تكتيكياً صهيونياً، بقدر ما هو  استراتيجية ثابتة لإنهاك الطرف الآخر بالوعود الكاذبة، إذ يأتي خلف ذلك “خيار الاسترضاء والاستسلام”، الذي تتبناه الجماعات الحاكمة في سوريا وبعض الأنظمة في المنطقة، ظناً منها أن مغازلة العدو وتطمين أمنه سيجعله كافاً عن أذاه، حتى  وصل الحال ببعضهم لتصنيف المقاومة كعدو مشترك فلم يزدها ذلك الا توغلا واحتلالاً وتوسعاً واستباحة للأمة.

وهنا تبرز الحقيقة القرآنية الصادمة: {وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ}،فالرضا الصهيوني ثمنه ليس “الأمن” بل التبعية الكاملة والذوبان في مشروعهم، وهو ما يفسر لماذا لم يسلم المستسلمون من الإذلال رغم كل ما قدموه.

​و يبرز “خيار التطبيع وتولّي الأعداء  كأخطر الانزلاقات الثقافية، حيث يسعى حكام مطبعون لإظهار الود المفرط لأمريكا والكيان ، متجاهلين التحذير الإلهي: {وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ}؛ فهؤلاء يبحثون عن العزة عند عدو يبطن لهم من الكراهية أضعاف ما يظهر، ومصداق ذلك واقعي وملموس في تصريحات الصهاينة الذين ينظرون للمطبعين كـ “أدوات وظيفية” لا كحلفاء محترمين.

وهنا تتجلى الآية: {هَا أَنتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ}، فكل هذه الخيارات قد تحطمت على صخرة الأطماع الصهيونية العالمية، فمشروع  ما يسمى “إسرائيل الكبرى” لا يزال هو المحرك الخفي والظاهر لكل تحركاتهم، بينما الحكومات التي تنشد السلام تظل كمن يبحث عن إبرة في كومة من الرمال المتحركة.

​وأمام هذا الفشل المطبق لكل المسارات الدبلوماسية، يبرز الخيار الوحيد المثبت جدواه  وهو خيار الجهاد في سبيل الله وإعداد القوة كونه خيار حتمي يندرج ضمن  منهجية بناء أمة  تبدأ من التعبئة العامة، وإحياء روح السخط والعداء للظالمين، وتحصين الداخل ثقافياً، ونشر ثقافة المقاطعة الاقتصادية التي تهز أركان اقتصادهم. وتتجلى عظمة هذا الخيار في نماذج حية.

من فصائل المقاومة في فلسطين التي أذلت جبروتهم، إلى حزب الله في لبنان الذي صنع توازن الردع، وصولاً إلى إيران الإسلامية التي باتت تمثل العمق الاستراتيجي للمستضعفين وتخوض نزالاً مباشراً مع قوى الاستكبار، فيكون  الفلاح والنصر هو الوعد الإلهي لمن سلك هذا الدرب: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}.

​والشعب اليمني اليوم يمثل التجسيد الأرقى لهذا الخيار القرآني؛ فلم يقف الشعب اليمني عند حدود التعاطف، فقد  ترجم إيمانه بمواقف ميدانية غيرت قواعد اللعبة في البحرين الأحمر والعربي. إن استهداف حاملات الطائرات الأمريكية وهزيمة هيبتها العسكرية، والحضور المتجدد في كل معركة تفرضها ظروف المرحلة، هو البرهان الساطع على أن الأمة إذا استمدت قراراتها من قرآنها، ملكت زمام المبادرة وصنعت النصر في زمن الانكسار.

إنها معركة وعي قبل أن تكون معركة سلاح، والشعب اليمني اليوم يكتب بالبارود والوعي فصلاً جديداً من فصول الغلبة للمؤمنين والذلة للصهاينة المعتدين.