بثبات الميدان والدبلوماسية.. طهران تكسر إملاءات واشنطن في إسلام آباد وتواجه تحركاتها بيقظةٍ استراتيجية


عبدالقوي السباعي: تتجلى اليوم ملامح الصراع الدولي في أبهى صورها بين منطق الحق السيادي وإملاءات الهيمنة المتغطرسة للصهيونية العالمية؛ حيث أثبتت جولة مفاوضات “إسلام آباد” أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية باتت رقمًا صعبًا يمتلك زمام المبادرة في الميدان والدبلوماسية على حدٍّ سواء، وتستطيع من منطلق القوة والإرادة كسر كافة الإملاءات الأمريكية وفرض معادلة السيادة.

وفي تفاصيل المشهد الذي ارتسمت معالمه خلال 21 ساعة، من المحادثات المكثفة، بين طهران وواشنطن، شاهد العالم مواجهة وجودية بين إرادة شعبٍ صمد لـ 47 عامًا في وجه الحصار وسلسلة برامج العقوبات والضغوط الاقتصادية القصوى، وبين إدارة أمريكية مسكونة بعقلية التهريج والفرض والغطرسة والتملك التي لا تفقه لغة التوافق أبدًا.

حيث جاء الجانب الأمريكي والمكوّن من 300 عنصر، إلى العاصمة الباكستانية محمولاً بأوهام الإملاءات لا المفاوضات، ظنًا منه أن لغة التهديد يمكن أن تنال من صلابة الموقف الإيراني، إلا أن ما حدث في القاعات المغلقة وما تلاه من تطورات ميدانية أثبت أن طهران قد تجاوزت الشق الفني للأزمة، وباتت اليوم تدير المعركة بمنطق الندية الكاملة، مستندة إلى إرثٍ تاريخي من الصمود وثبات عسكري يسيطر بفعالية على شريان الطاقة العالمي في مضيق هرمز.

الفشل الذي منيت به المحادثات في إسلام آباد لا يعود لنقصٍ في المرونة الإيرانية، وإنّما للجمود واللاواقعية التي اتسم بها الوفد الأمريكي؛ فبينما قدمت طهران مبادرات استشرافية ومقترحات عملية اتسمت بالانفتاح لتجسير الفجوات، بقي الطرف الأمريكي حبيس اشتراطات مفرطة تتجاهل واقع الميدان والتحولات الاستراتيجية التي فرضتها إيران خلال الـ 40 يومًا الماضية، من الدفاع الوطني المقدس.

ويرى خبراء أن هذا التعثر، وإن بدا في ظاهره انغلاقًا للأفق السياسي، إلا أنه يحمل في طياته إيجابية جزئية لإيران، حيث باتت واشنطن تدرك الآن، وبشكّلٍ لا يدع مجالاً للشك، مدى متانة السقف الإيراني وعدم قابليته للكسر تحت وطأة الضغوط.

الفجوة العميقة بين تطلعات واشنطن الاستعمارية وحقوق طهران المشروعة لم تكن لتُردَم في جلسةٍ واحدة، خاصة وأن الإدارة الأمريكية حاولت الالتفاف على الحقائق الميدانية التي لم تستطع تغييرها بالقوة، وحاولت انتزاعها عبر طاولة الحوار، وهو ما واجهته الدبلوماسية الإيرانية بحزمٍ أكد أن زمن الإملاءات قد ولى إلى غير رجعة.

وفي سياق الهروب من الفشل الدبلوماسي نحو التصعيد العسكري، جاء قرار ترامب بفرض حصار بحري على مضيق هرمز ليعكس حالة الارتباك والتخبط التي تعيشها إدارته، ولجوئه إلى ما يسمى بـ “خطة الطوارئ” وتحويلها إلى إجراء عسكري فعلي، ليس إلا محاولة بائسة لقلب المعادلة وحرمان طهران من ورقتها الاستراتيجية الأقوى.

ويؤكّد مراقبون أنّ الحصار البحري الأداة الضاغطة والتي اختارها ترامب لإعادة إيران إلى طاولة المفاوضات من جديد، والتلويح بتجديد إحكام القيود على مواردها المالية، هي محاولة مكشوفة لتحميل طهران فشل مفاوضات إسلام أباد، أمام المجتمع الدولي، ونقل العبء الأخلاقي والعسكري لجهة البدء بالحرب إلى الجانب الإيراني.

ووفقًا للمعطيات؛ فإنّ هذا التحرك يصطدم بحقيقة ميدانية ساطعة أكدتها قيادة القوة البحرية لحرس الثورة الإسلامية في إيران، وهي أن “كافة التحركات المعادية تحت السيطرة الكاملة، وأن أيّة خطوة خاطئة ستجعل العدو يسقط في دوامات مميتة داخل المضيق”.

وما يصفه بعض المسؤولين الأمريكيين بـ “الردع” يراه العالم بوضوح كـ “قرصنةٍ دولية” واعتداء صارخ على حرية الملاحة، وهو ما يضع واشنطن في مواجهة ليس فقط مع إيران، وإنّما مع قوى دولية كبرى مثل الصين والهند التي تعتمد على النفط المار عبر هذا الشريان الحيوي بتنسيق كامل مع السيادة الإيرانية.

وعلى الصعيد الداخلي، توحدت مؤسسات الدولة الإيرانية خلف رؤية القيادة، حيث أكد رئيس مجلس الشورى، محمد باقر قاليباف، أن نية إيران الحسنة واجهت عدم ثقة تاريخي مبرر بالطرف الأمريكي الذي أثبت مجدّدًا فشله في كسب ثقة الشعب الإيراني.

كما أن منطق “تعويضات الحرب” الذي طرحته لجنة الأمن القومي، هو استحقاق لدماء الشهداء والجرحى، وتحذير واضح بأن السفن المعادية في الخليج الفارسي ستكون ثمنًا لأيّة حماقة أمريكية.

وهذا الموقف الإيراني الشامل، الذي عبّر عنه أيضًا نائب الرئيس محمد رضا عارف ومستشار قائد الثورة علي أكبر ولايتي، يؤكد أن مفتاح مضيق هرمز سيبقى في الأيدي القوية التي صانته عبر التاريخ، وأن الدبلوماسية بالنسبة لطهران هي مجال لتبادل الاحترام لا لإملاء الأمنيات.

المفارقة الكبرى تجلت في فشل المدمرتين الأمريكيتين في عبور المضيق بالتزامن مع المفاوضات، حيث أجبرت التحذيرات الإيرانية القطع البحرية الأمريكية على الانسحاب الذليل، ما كسر قاعدة “التفاوض تحت الضغط” التي حاول ترامب فرضها.

وبينما يعيش كيان العدو الصهيوني حالة من الرعب والتأهب الفوري، محاولاً جر المنطقة إلى أتون حربٍ شاملة، تبرز أصوات من داخل المنظومة الأمريكية نفسها، مثل ضابط الاستخبارات السابق “فيليب جيرالدي”، تصف التوجهات الحالية بـ “الجنون الذي يخدم مصالح (دولة أبارتهايد) على حساب الأمن القومي الأمريكي”.

وبالنتيجة؛ فإنّ التحذيرات الصارمة من رؤساء شركات النفط الكبرى في “وول ستريت” لترامب تعكس حجم الكارثة الطاقوية التي قد تنجم عن أيّة مغامرة في هرمز، ما يثبت أن إيران لا تزال تملك قوة ردع وازنة وقادرة على توجيه ضربات مضادة حتمية لأيّة تحركات عدوانية تستهدف أمنها وسيادتها، ليبقى الجسد الإيراني الواحد، بـ 90 مليون روح، حصنًا منيعًا لا تدركه أوهام ترامب ومن يقف خلفه.

 

 

المسيرة نت.