ترامب ومقامرة “إقفال المقفول”: من العجز إلى “بلطجة” دولية
مبارك حزام العسالي
في واحدة من أكثر لحظات السياسة الدولية سريالية، خرج ترامب ليعلن عن “إنجاز” جديد بفرض حصار شامل على مضيق هرمز، ومنع دخول وخروج أية سفينة منه.. هذا الإعلان الذي جاء عقب فشل مفاوضات إسلام آباد، يثير سؤالًا ساخرًا: هل يحاول “إقفال المقفول” أصلًا، أم أنه يمارس عملية “سطو إعلامي” على جغرافيا لا يملك مفاتيحها؟
من “التطهير” إلى “الحصار”: تخبط الرواية
قبل ساعات فقط، كان ترامب يروّج لعملية “تطهير” المضيق وفتحه أمام الملاحة العالمية كمنقذ و”خادم” للدول.
لكن، وما إن اصطدمت طموحاته بصخرة الردع الإقليمي وتراجعت مدمّـراته أمام التهديد الميداني، حتى قلب الرواية رأسًا على عقب.
إن التحول من خطاب “فتح الممرات” إلى خطاب “فرض الحصار” ليس إلا اعترافًا ضمنيًّا بالفشل في كسر الإرادَة السيادية للدول المشاطئة للمضيق.
سرقة “الفعل” الإيراني
المفارقة المضحكة في تصريح ترامب هي محاولته تحويل “إغلاق المضيق” من أدَاة ردع تلوح بها طهران، إلى “عقوبة” يفرضها البيت الأبيض.
هي محاولة يائسة لسرقة زمام المبادرة؛ فبما أن واشنطن عجزت عن فرض “المرور الآمن” بشروطها، قرّرت أن تدَّعي أنها هي من “يغلق” الممر، لتداريَ انكسار هيبتها البحرية خلف ستار “الحصار الشامل”.
الحصار على العالم لا على إيران
حين يعلن ترامب منعَ “أي وجميع السفن” من العبور، فهو لا يحاصرُ إيران فحسب، إنما يعلن الحرب على اقتصاديات الصين واليابان وأُورُوبا.
إنها “قرصنة دولية” مقنعة، حَيثُ يحاولُ تحويلَ ممر ملاحي عالمي إلى “منطقة نفوذ” خَاصَّة، يُمنع فيها حتى دفع الرسوم القانونية للدول السيادية.
هذا “الإقفال الترامبي” ليس موجهًا ضد القوات العسكرية، بل هو طعنة في قلب التجارة العالمية واستقرار الطاقة.
الهروب إلى الأمام
إن لجوء ترامب للغة التهديد بـ “إبادة ما تبقى من جيش إيران” وادِّعاءاته بتدمير قادتها، تعكس حالة من الهستيريا السياسية الناتجة عن اصطدام عقلية “رجل الصفقات” بجدار “رجل الميدان”.
ترامب يعلم أن الحصار الفعلي يتطلب مواجهة مباشرة لا يملك النفَس الطويل لخوضها، لذا فهو يكتفي بـ “الحصار اللفظي” بانتظار معجزة سياسية تنقذه من المأزق الذي وضع نفسه فيه.
إذن..
مضيق هرمز، بجغرافيته المعقّدة وصواريخه الرابضة على الشواطئ، لا يعترف بالتغريدات ولا ببيانات البيت الأبيض.
إن محاولة ترامب “إقفالَ المقفول” هي مُجَـرّد “فقاعة إعلامية” لترميم صورة مهتزة.
فالواقع يقول إن من يملك الساحل يملك القرار، ومن يهدّد بالحصار من خلف المحيطات ليس سوى مقامر يراهن بأوراقٍ محترقة في سوق لا تبيع إلا الأوهام.
ترامب يظن أنه يتعاملُ مع نظام هش يمكن لَفُّه بـ “صفقة” أَو إخضاعه بقرار حصار، متناسيًا أن إيران “ابنة الحصار” بامتيَاز، وقد طورت كيمياء خَاصَّة للبقاء والنمو تحت أقسى الضغوط طيلة عقود.
إيران على مدى 47 عامًا قامت بـ “توطين” أزماتها وتحويلها إلى قوة؛ صنعت سلاحها، وأدارت اقتصادها بالحد الأدنى، واعتادت العيش خارج المنظومة المصرفية الدولية.
في المقابل، فإن أمريكا وحلفاءها يعيشون في “بيئة زجاجية” من الوفرة؛ أي اهتزاز في أسعار النفط أَو توقف في سلاسل الإمدَاد عبر هرمز سيؤدي إلى زلزال سياسي واقتصادي داخل واشنطن وأُورُوبا، ولن يتحمل الناخب الغربي دفع ثمن مغامرات ترامب من جيبه.