بدر الكبرى.. دروس في الإيمان والتخطيط لانتصارات الأُمَّــة


مقالات – حسين بن محمد المهدي

 (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ).. تُعدّ معركة بدر واحدةً من أعظم المحطات في تاريخ الإسلام، وقد وقعت في السابع عشر من شهر رمضان في السنة الثانية للهجرة بقيادة نبي الرحمة والملحمة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم، حين واجه المسلمون جيش قريش وهم قلة في العدد والعدة، لكنهم كانوا عظماء في الإيمان والثبات واليقين بالله.

لقد كان عدد المسلمين يوم بدر ثلاثمِئة وبضعة عشر رجلًا، بينما تجاوز عدد المشركين الألف، ومع ذلك تحقّق النصر للمؤمنين، فكانت بدر إعلانًا بأن موازين النصر لا تُقاس بالكثرة المادية فقط، بل بقوة العقيدة والهدف وعدالة القضية.

فاليقين بنصر الله أثبت أن النصر في المعركة ليس حكرًا على الكثرة العددية، فالفئة القليلة المؤمنة غلبت الفئة الكثيرة بإذن الله وحسن التوكل عليه.

والمستفاد من معركة بدر أن عواملَ أربعة إذَا توافرت في الفئة المؤمنة كان النصر حليفها.

العامل الأول: هو الإيمان الصادق، فقد جاءت بدر لتؤكّـد أن الإيمان الصادق هو أعظم قوة يمكن أن يمتلكها الإنسان، فالمؤمنون خرجوا من بيوتهم للقتال وهم يعلمون أنهم يواجهون جيشًا يفوقهم عددًا وسلاحًا، لكنهم كانوا على يقين أن الله معهم، وأن الدفاع عن الحق يستحق التضحية، ولهذا كان النصر حليفهم.

العامل الثاني: التوكل على الله، والصدق في النية، والثبات في الميدان.

والقرآن يأمر المؤمنين بالتوكل على الله، فالتوكل على الله قوة وعزة وأمن وسكينة وعزيمة وطمأنينة، وأخذ بالأسباب، والاعتماد على الله الملك الوهَّـاب.

وفي القرآن الكريم يقول العزيز الحكيم: (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا)، ويقول: (فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ).

وحسبُنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم عليه السلام حين أُلقي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وآله وسلم حين قالوا: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ).

وخاطب الله رسوله: (وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأرض وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ).

فالمتوكل على الله يعمل ولا يعجز، ويثق بعون الله ونصره وتوفيقه، فالتوكل على الله علاج للخوف والقلق والاضطراب: (فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ).

فكان النصر في بدر ثمرة من ثمار الإيمان والتوكل على الله.

العامل الثالث: وجود قيادة ربانية حكيمة يطيعها كُـلّ أفراد الفئة المقاتلة.

فقد كشفت بدر عن عظمة القيادة النبوية، حَيثُ أدار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المعركة بحكمة وبصيرة، فاستشار المؤمنين من أتباعه في تلك المعركة.

فالشورى لها مكانة في إصلاح شؤون الحرب والسلم، وقد أمر بها رب العالمين:

(فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ)، (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ).

وتجلى ذلك بقبول النبي بمشورة الحباب بن المنذر بخصوص تغيير معسكر الجيش، وهو أمر يرسخ فكرة أن القيادة الناجحة هي التي تستمع لخبراء الميدان وتقبل المشورة.

كما نظم الصفوف، واختار الموقع الاستراتيجي المناسب، وسيطر على مصادر الماء، مما أعطى المسلمين ميزة مهمة في ساحة المعركة.

وهذا يبين أن الإيمان لا يتعارض مع الأخذ بالأسباب، بل إن الجمعَ بينهما هو طريق النصر، وأن الانضباط والطاعة لولي الأمر، وعدم الاختلاف عليه رغم قلة الإمْكَانيات، كان سببًا رئيسيًّا في الصمود.

العامل الرابع من عوامل النصر: هو الوَحدة، فقد كشفت معركة بدر بأن الإسلام دين وحدة، وأن تلاحم الفئة القليلة جعل منها قوة فاعلة.

فمن دروس بدر العظيمة أَيْـضًا أن وَحدة الصف كانت أَسَاسَ القوة، فقد اجتمع المهاجرون والأنصار على قلب رجل واحد، وتجاوزوا كُـلّ الفوارق القبلية، فصاروا أُمَّـة واحدة تدافع عن الحق.

إن هذا الدرس لا يزال صالحًا لكل زمان، فالأمة التي تتفرق كلمتها تضعف، والأمة التي تتوحد حول هدفها تصبح قادرة على مواجهة التحديات مهما كانت كبيرة.

وتعلّمنا بدر أن القوة المعنوية قد تكون أحيانًا أعظم أثرًا من القوة المادية، فالمؤمن الذي يحمل قضية عادلة ويؤمن بها بصدق يكون أكثر ثباتًا وصبرًا في مواجهة الشدائد.

ولهذا فإن بناءَ الإنسان المؤمن الواعي هو أَسَاس كُـلّ نهضة وكل نصر.

إن استحضار دروس بدر في واقعنا المعاصر ليس مُجَـرّد استذكار لحدث تاريخي، بل هو استلهام لقيم عظيمة؛ كالإيمان، ووحدة الصف، والتخطيط، والقيادة الحكيمة، والاستعداد لمواجهة التحديات.

فالأمم التي تتعلم من تاريخها تستطيع أن تبني مستقبلها، أما التي تنسى دروسَه فإنها تكرّر أخطاءها.

لقد كانت بدر بداية مرحلة جديدة في تاريخ الإسلام، حَيثُ انتقل المسلمون من حالة الضعف إلى مرحلة القوة والثبات.

ولذلك فإن هذه المعركة تبقى شاهدًا على أن الحق مهما بدا ضعيفًا في بدايته، فإنه إذَا اقترن بالإيمان والعمل الصادق فإن الله يكتب له النصر والتمكين.

إن دروس معركة بدر في المواجهات العسكرية بين الجمهورية الإسلامية في إيران وقوى الاستكبار الصهيوني تؤكّـد أن وحدة الصف والاعتماد على الله ومواجهة العدوّ بقوة إيمان، وانضباط تحت راية واحدة وبأمر واحد، وتجاوز الخلافات الداخلية بين أبناء الأُمَّــة، هو ضمانٌ لعدم تشتت القوى، وأن العقيدة الراسخة تتطلب التخطيط العلمي، والقيادة الحكيمة، ووحدة الصف، وعدم التنازع بين القادة في اتِّخاذ القرارات المصيرية التي يتطلبها العمل العسكري في الميدان، وأن غرس الثقة بالنصر في نفوس المقاتلين يتطلب رفع الروح المعنوية باليقين بأن النصر من عند الله.

وقد أثبتت الجمهورية الإسلامية في إيران علو كعبها، وحسن قيادتها، وتوكلها على الله، وامتلاكها القوة العسكرية من الطائرات والصواريخ التي كبدت الصهيونية اليهودية خسائر فادحة.

وفي الحديث النبوي: “من سرَّه أن يكونَ أقوى الناس فليتوكل على الله”.

فبدر تكشف انتصار القلة المؤمنة، ولقد اجتمعت للجمهورية الإسلامية في إيران ومحور المقاومة كُـلّ هذه المعاني السامية، التي ما اجتمعت في أُمَّـة إلا كان النصر حليفها.

وقد أوضح قائد المسيرة القرآنية تطورات العدوان الأمريكي الإسرائيلي بما لا مزيد عليه، وأن هذه الذكرى أتت والأمة في مواجهة مع طاغوت العصر من اليهود والصهاينة، وأن الخيارات الدبلوماسية واللجوء إلى الأمم المتحدة والارتماء في أحضان الأعداء خيارات جُرِّبت كَثيرًا دون جدوى، وأن الخيارات مع شطب الجهاد في سبيل الله لا تحقّق حقًا ولا تبطل باطلًا.

وهي كذلك، بل على الجميع أخذ الدروس والعِبَر من ذكرى غزوة بدر، وتأكيد الوقوف التام والكامل مع الشعب الإيراني ونظامه الإسلامي، كما دعا إلى ذلك قائد المسيرة القرآنية: (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ).