البرد يحوّل آلام مصابي غزة إلى معركة يومية مع العذاب


لم يعد الشتاء في غزة فصلًا عابرًا، بل صار امتحانًا قاسيًا لأجساد أنهكتها جراح الحرب، وذاكرة مثقلة بعامين متواصلين من الإبادة. مع كل موجة برد وأمطار تتسلل إلى خيام النازحين، تتجدد آلام آلاف الجرحى، وتتحول الإصابات القديمة إلى عذاب يومي لا تخففه مسكنات نادرة ولا رعاية طبية شبه غائبة، في قطاع حُرم من أبسط مقومات العلاج والدفء.
في مخيمات الإيواء المنتشرة وسط القطاع، يواجه الجرحى شتاءً لا يرحم؛ أطراف مبتورة، صفائح معدنية مغروسة في العظام، وأجساد ترتجف داخل خيام لا تقي من المطر ولا تحجب الرياح. هنا، يصبح البرد شريكًا مباشرًا في الألم، يضاعفه ويطيله، ويحوّل الليالي إلى ساعات ثقيلة من الصراخ والانتظار.
في دير البلح، يقضي الشاب أحمد حرب، 23 عامًا، شتاءه الأول بقدم واحدة. قبل إصابته، كان من عشّاق المطر والبرد، أما اليوم فيراقب الشتاء بقلقٍ وخوف. فقد بُترت قدمه اليمنى في ديسمبر 2024 إثر شظية قذيفة مدفعية أطلقها جيش العدو الإسرائيلي، لتبدأ رحلة جديدة من المعاناة داخل خيمة لا تمنح سوى القليل من الأمان. مع كل انخفاض في درجات الحرارة، يشتد الألم في عظم فخذه، ولا يجد أحمد ما يخفف عنه سوى مسكنات باتت نادرة، بينما تصبح ليالٍ كثيرة ساحة مفتوحة للأوجاع.
يبحث أحمد يوميًا عن بقعة شمس بين الخيام، يلف قدمه برباط ضاغط، ويحاول تقليل استخدام الأدوية التي يصعب العثور عليها في المستشفيات الميدانية والمراكز الحكومية. يقول إن البرد لم يعد مجرد طقس، بل سببًا مباشرًا لألمٍ لا يهدأ، وعذابٍ يتجدد مع كل ليلة ممطرة.
ولا تقف المأساة عند حالة واحدة. فوزارة الصحة في غزة تشير إلى تسجيل نحو ستة آلاف حالة بتر خلال عامين من العدوان، جميعهم بحاجة إلى برامج تأهيل طويلة الأمد ودعم نفسي مستمر، خصوصًا الأطفال الذين يواجهون إعاقات دائمة في سن مبكرة. هذه الأرقام، بحسب الوزارة، تعكس حجم الكارثة الإنسانية التي تتفاقم مع كل شتاء جديد.
في مخيم النصيرات، يعيش الشاب محمد درويش، 22 عامًا، شتاءه بطقوس قاسية. يجلس عند مدخل بدروم لجأت إليه عائلته بعد تدمير منزلهم، ممددًا قدمه اليسرى المثبتة بصفائح معدنية إثر إصابة تعرض لها في أغسطس 2025. يحاول تدفئتها بأشعة الشمس وغطاء صوفي، لكن البرد يتسلل إلى العظام، ويجعل الألم رفيق الليل. خلال المنخفضات الجوية، يعجز عن الوصول إلى جلسات العلاج الطبيعي بسبب شدة الألم وسوء الطرقات، ويلازم فراشه لساعات طويلة، فيما يضطر أحيانًا لشراء المسكنات من الصيدليات الخاصة إن وُجدت.
في ظل هذا الواقع، تحذّر وكالة “أونروا” من أن ندرة الرعاية الطبية ونقص الأدوية الأساسية يضاعفان معاناة جرحى غزة ويعمّقان صدمتهم النفسية. وتؤكد وزارة الصحة أن القطاع يعاني عجزًا حادًا في مخزون الأدوية الأساسية بلغ 52%، و71% في المستهلكات الطبية، إلى جانب نقص خطير في أجهزة الفحوصات وأدوية الأمراض المزمنة.
من جهته، يصف مدير جمعية الإغاثة الطبية في غزة محمد أبو عفش الأوضاع الصحية بالكارثية، مشيرًا إلى أن منع السفر للعلاج في الخارج، والعيش داخل الخيام والبيوت المدمرة جزئيًا، زادا من مضاعفات الإصابات، في بيئة تنتشر فيها الأمراض وتتلوث فيها المياه، ما يثقل كاهل الطواقم الطبية المنهكة أصلًا.
بين خيمةٍ لا تعرف الدفء، وجسدٍ مثقل بالجراح، يستقبل جرحى غزة شتاءهم بآلام مضاعفة. لا علاج يصل، ولا مسكنات تكفي، فيما يبقى البرد شاهدًا جديدًا على معاناة إنسانية مفتوحة، لا يبدو أن نهايتها قريبة.