بنادق التنجية وأيمان القسَّامة.. العدالة القبلية في مواجهة جرائم القتل الغامضة والمعقدة
بين ثنايا الأعراف العريقة والتقاليد القبلية المتوارثة، تبرز قضايا القتل كاختبار حقيقي لتماسك المجتمعات القبلية وقدرتها على فض النزاعات؛ ففي ظل غياب القانون الوضعي أحيانًا، أو كمرجع موازٍ له، تتجلى منظومة معقدة من الأحكام والضوابط التي تُعنى بقضايا بمختلف أنواع جرائم القتل، والتي تتجاوز مجرد العقاب لتشمل مفاهيم التنجية والمصالحة ،ويفرض العرف القبلي أحكامًا صارمة ومفصلة للتعامل مع إزهاق الأرواح.
نستعرض في هذا الجزء الـ30 من سلسلة قواعد العرف القبلي المسنونة والغصابة لقبائل اليمن، الآليات العرفية المتبعة في تحديد المسؤوليات، وتسوية الدماء، بدءًا من “بنادق التنجية والمصفى” وصولاً إلى “أيمان القسامة”، في محاولة لفهم عمق هذه المنظومة القضائية التقليدية وكيف تسعى إلى تحقيق العدالة ضمن إطارها الخاص.
تقرير | محسن علي
تُعد قضايا القتل من أخطر الجرائم التي تواجه أي مجتمع، وفي العرف القبلي، تأخذ هذه الجرائم أبعادًا خاصة تتشابك فيها التقاليد العريقة مع مفاهيم العدالة والمسؤولية الجماعية، فقتل النفس البشرية المعصومة يُعتبر جريمة مروعة، ما لم يكن هناك مبرر شرعي أدى إلى ذلك، وتختلف جسامة الجريمة وأحكامها باختلاف وقائع وأسباب كل قضية.
أنواع القتل الهامي وأحكامه
يُعرف القتل الهامي بأنه: ثبوت قتل إنسان دون معرفة الجاني المرتكب للجريمة. وقد وضع العرف القبلي أحكامًا مفصلة للتعامل مع هذا النوع من القتل، والذي يتفرع إلى عدة حالات نستعرضها كالتالي:
قتيل الحد والساحة
هو الشخص الذي يُعثر عليه مقتولاً في حدود بلاد معينة (حمى قبيلة أو قرية) أو في ساحة عامة، ويكون قاتله مجهولاً. في هذه الحالة، يتحمل أصحاب الحد أو الساحة المسؤولية الكاملة عما حدث في حماهم؛ ويُلزمون عرفًا بوضع أربع بنادق من بنادق العصر تسمى “بنادق التنجية والمصفى” هذه الطروح تعني: المخارجة من “الليث”، وهو البحث عن الجاني أو تحمل الحكم المسنون.
يُمنح أصحاب الحد أو الساحة مدة زمنية تُقدر بسنة كاملة (سوف) للبحث عن القاتل، فإذا تمكنوا من كشف الفاعل خلال هذه المدة، تبرأ ذمتهم من المسؤولية ويصبح من حقهم مشاركة ولي الدم في “أحشام العيب” مناصفة، والتي يتحملها الجاني المكتشف؛ أما إذا عجزوا عن كشف الفاعل، فيُفرض عليهم عرفًا أيمان القسامة بـ 44 ذمة، حيث يحلف 44 شخصًا يمين القطعة والعل والعلم.
يمين القطعة
تعني أن يحلف الشخص بأنه لم يرتكب الجريمة، والعلم يعني: أنه لا يعرف من هو مرتكبها، فإذا أتموا هذه الأيمان، وجب عليهم دفع حكم الحد الأصلي في القتيل، وهو تسليم دية شرعية واحدة، وتسريح ثور مع متبوعه النقدي لولي الدم، وبذلك تُقطع القضية نهائيًا؛ ومن يتراجع عن حلف اليمين المفروضة (هاب الفراضة عاب)، يتحمل حكم “العيب الأصفر بالمربع” في الجريمة، والذي يساق بثلاث ديات شرعية وثلاثة أثوار مع متبوعها النقدي، مع مراعاة وجود “صور خافضات العيب” التي قد تخفض المحكوم به.
قتيل ملك الحوز
هو الشخص الذي يُعثر عليه مقتولاً في ملك خاص (مثل المزارع أو المحلات التجارية) ويكون قاتله مجهولاً، في هذه الحالة، يتحمل صاحب الملك المسؤولية الكاملة، ويُلزم بوضع أربع بنادق “تنجية ومصفى”، ويُمنح مدة للبحث عن الجاني؛ إذا كشفه، خرج من المسؤولية وأصبح شريكًا لولي الدم في أحشام العيب؛ وإن عجز عن كشف الجاني، يتحمل حكم “العيب الأصفر بالمربع”، وهو ثلاث ديات شرعية وثلاثة أثوار مع متبوعها النقدي، بالإضافة إلى دفع الدية الشرعية وثور ومتبوعه النقدي كحد أصلي في القتيل.
قتيل الحدين
هو الشخص الذي يُعثر عليه مقتولاً في الحدود الفاصلة بين قريتين أو قبيلتين، ويكون قاتله مجهولاً، يتحمل أصحاب الحدين المسؤولية مناصفة، ويُلزمون بوضع أربع بنادق “تنجية ومصفى” والبحث عن الجاني، من ينجح في كشف القاتل يخرج من المسؤولية ويشارك ولي الدم في أحشام العيب، وإن عجز الطرفان، تُفرض عليهم أيمان القسامة بـ 44 ذمة، إذا أتموا الأيمان، تحملوا حكم الحد الأصلي في القتيل، وهو دية شرعية وثور مع متبوعه مناصفة بين أصحاب الحدين، ومن يتراجع عن حلف اليمين، يتحمل حكم “العيب الأحمر بالمحدش”، والذي يساق بعشر ديات شرعية وعشرة أثوار مع المتبوع، مع مراعاة وجود خافضات العيب. ويبقى الخيار لولي الدم في قبول الدية أو المطالبة بأحشام العيب.
قتيل السوق
هو الشخص الذي يُعثر عليه مقتولاً في سوق عام، ويكون قاتله مجهولاً، يتحمل أصحاب السوق جميعهم (القائمون عليه والمالكون للمحلات) المسؤولية، تُفرض أيمان القسامة على أصحاب السوق والمتسوقين فيه، فإذا أتموا الأيمان، تحملوا حكم الحد الأصلي في القتيل، وهو دية شرعية واحدة وثور مع متبوعه، ومن يتراجع عن الذمة، يتحمل حكم “العيب الأحمر بالمحدش”، وهو عشر ديات شرعية وعشرة أثوار مع المتبوع النقدي، ويبقى القطع في الدم من خيار الولي.
قتيل اللمة
هو الشخص الذي يُقتل بين جمع من الناس (في مناسبات الزواج أو الضيافات)، ويكون قاتله مجهولاً، يتحمل جميع الحاضرين مسؤولية الجريمة، وتُفرض أيمان القسامة على كل الحاضرين فردًا فردًا، فإذا حلف الجميع اليمين، تحملوا حكم الحد الأصلي في القتيل، وهو دية شرعية واحدة وثور مع متبوعه النقدي، وبذلك تُقطع القضية نهائيًا، من يتراجع عن الذمة، يتحمل حكم “العيب الأصفر بالمربع”
قتيل الزلة
هو الشخص الذي يُقتل عن طريق الخطأ، ويدعي القاتل أن القتل كان “زلة” على الجاني إثبات دعواه، فإذا برهن على صحة الزلة، يتحمل حكم الحد الأصلي في القتيل، وهو دية شرعية وتسريح ثور مع متبوعه النقدي، وإن لم يستطع الجاني البرهان، يتحمل حكم “العيب الأصفر بالمربع”، ما لم يكن هناك “علقة عيب أرفع” في القضية، حيث يُحكم بالعلقة الأرفع قيمة، ولا يُلزم قبول يمين الجاني لإثبات زلته إلا بموافقة ولي الدم، فالمسنون العرفي هو البرهان الجلي وليس حلف اليمين من الجاني.
ختاما
تُظهر هذه الأحكام مدى تعقيد وشمولية العرف القبلي في التعامل مع قضايا القتل، سعيًا للحفاظ على النظام الاجتماعي وتحقيق العدالة ضمن إطاره الخاص، مع مراعاة تفاصيل كل حالة وملابساتها..
المرجع: قواعد العرف القبلي المسنونة والغصابة لقبائل اليمن- الشيخ صالح روضان.
يمانيون.