آل سعود.. القشة التي قصمت ظهر العرب
بقلم. رسول حسين أبوالسبح
لم يكن العالمُ العربي خلال العقود الماضية يفتقرُ إلى التحديات أو المؤامرات أو مشاريع الهيمنة الخارجية، لكن ما فاقم تلك الأزمات وجعل آثارها أكثر عمقاً هو وجود أنظمة اختارت أن تكون جزءاً من المشكلة بدلاً من أن تكون جزءاً من الحل، وفي مقدمة هذه الأنظمة يبرز آل سعود الذين تحولت سياساتهم، في نظر كثير من المراقبين، إلى عامل رئيس في إضعاف الموقف العربي وتمزيق وحدته وإدخال المنطقة في دوامة من الصراعات التي ما تزال تدفع شعوبها أثمانها الباهظة.
لقد كانت القضية الفلسطينية لعقود طويلة عنوان الإجماع العربي، وكانت مواجهة المشاريع الأجنبية التي تستهدف المنطقة تمثل قاسماً مشتركاً بين الشعوب العربية مهما اختلفت أنظمتها، غير أن هذا المشهد بدأ يتغير تدريجياً مع صعود نهج سياسي سعودي جعل أولويته الصراع مع قوى إقليمية بعينها بدلاً من مواجهة التحديات الحقيقية التي تهدد الأمة بأكملها.
وكانت الحرب على اليمن واحدةً من أكثر المحطات دلالة على هذا التحول، فبدلاً من احتواء الخلافات بالحوار، جرى اللجوء إلى الخيار العسكري الذي قاد إلى واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية والسياسية في المنطقة، وعلى مدى سنوات، تعرض اليمن لحصار وضغوط عسكرية واقتصادية هائلة، فيما ظل الشعب اليمني يدفع الثمن الأكبر من أمنه واستقراره ومعيشته.
إن الحربَ نفسَها كشفت حجم التصدع الذي أصاب النظام العربي الرسمي.
فبدلاً من أن تتوحَّـــدَ الجهودُ العربية لمعالجة أزمات التنمية والتخلف ومواجهة التحديات المشتركة، استُنزفت الطاقات والإمكانات في صراع داخلي أضعف الجميع وفتح الأبواب أمام مزيد من التدخلات الخارجية.
وفي التطورات الأخيرة المرتبطة بمطار صنعاء الدولي، عادت الأزمة لتؤكد أن سياسة الحصار والضغط لم تنتج حلولاً دائمة، فقد أسهمت في تكريس معادلة الرد والرد المقابل، فكل خطوة تصعيدية تقابلها خطوة أخرى، وكل إجراء يؤدي إلى مزيد من التوتر، بينما تبقى الشعوب هي الخاسر الأكبر.
لكن التأثير الأخطر لسياسات آل سعود يمتد إلى مجمل المشهد الإقليمي، فخلال السنوات الماضية أصبحت المنطقة أكثر انكشافاً أمام التدخلات الأجنبية، وتحولت أراضي بعض الدول العربية ومجالاتها الحيوية إلى منصات تستخدمها القوى الكبرى لتحقيق أهدافها الاستراتيجية.
وفي هذا السياق، يرى كثيرون أن فتح الأجواء والتسهيلات أمام العمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية ضد خصوم واشنطن في المنطقة لم يؤدِّ إلى تعزيز الأمن العربي كما كان يُروَّج، لقد ساهم في إدخال المنطقة في مرحلة جديدة من عدم الاستقرار، حيث باتت احتمالات المواجهة الشاملة أكثر حضوراً من أي وقت مضى.
إن المفارقة الكبرى تكمن في أن السياسات التي رُفعت تحت شعارات حماية الأمن والاستقرار انتهت إلى نتائجَ معاكسة تماماً.
فاليمن لم ينكسر، والأزماتُ لم تنتهِ، والتوتراتُ الإقليمية لم تتراجع، فقد ازدادت تعقيداً واتساعاً، فيما تراجعت قدرة العالم العربي على امتلاك موقف موحد تجاه القضايا المصيرية.
لقد أدَّت هذه السياساتُ إلى استنزاف الثقة بين الشعوب العربية وأنظمتها، كما ساهمت في تعميق الانقسامات المذهبية والسياسية والجغرافية، وهي انقسامات كانت القوى الخارجية تبحث دائماً عن وسائل لتغذيتها واستثمارها، وما كان يصعب تحقيقه عبر الضغوط الخارجية أصبح ممكناً بفعل السياسات الخاطئة والصراعات البينية.
ولعل أخطر ما في الأمر أن المنطقة باتت تدفع اليوم ثمن تراكمات سنوات طويلة من القرارات غير المحسوبة، فكل أزمة جديدة تكشف أن الرهان على القوة وحدها لا يصنع استقراراً، وأن التحالف مع القوى الخارجية ضد أبناء المنطقة يخلق أزمات جديدة أكثر تعقيداً من سابقاتها، ولا يؤدي إلى بناء أمن مستدام.
إن التاريخ لا يحاسب الدول على حجم ثرواتها أو قدراتها فحسب، وإنما يحاسبها أيضاً على الأدوار التي لعبتها في مصائر شعوبها وأمتها، وعندما يُكتب تاريخ هذه المرحلة المضطربة من تاريخ المنطقة، فإن كثيراً من الصفحات ستتوقف عند السياسات التي انتهجها آل سعود، بوصفها أحد العوامل التي ساهمت في تعميقها وتوسيع نطاقها، وليس بوصفها حلولاً للأزمات.
واليوم، وبعد سنوات من الحروب والحصارات والانقسامات، تبدو الحقيقة أكثر وضوحاً من أي وقت مضى: إن الأمة العربية تُهزم بسبب سوء الخيارات، لا بسبب نقص الإمكانات، وإن القشة التي قصمت ظهر العرب كانت أيضاً سياسات داخلية خاطئة دفعت المنطقة نحو مزيد من الانقسام والتبعية والصراع.
ومن هنا فإن استعادةَ المشروع العربي الحقيقي تبدأ من مراجعة شجاعة للمسار الذي أوصل المنطقة إلى ما هي عليه اليوم، والاعتراف بأن الأمن العربي لا يُبنى على الحصار والحروب، بل على الحوار والاستقلال والتعاون واحترام إرادة الشعوب.