هرمز.. عقدة اختناق في خاصرة الهيمنة
الجوف نت/
بقلم.عبدالله عبدالعزيز الحمران
في ذروة الغرور السياسي، يتصرف ترامب وكأن العالم مزرعة مفتوحة لإرادته، وكأن مضيق هرمز مُجَـرّد بوابة خلفية يملك مفاتيحها، يفتحها متى شاء ويغلقها متى أراد.
لكن الحقيقة التي تتجاهلها واشنطن عمدًا: أن هذا المضيق ليس بابًا في مزرعة أمريكية، بل شريان سيادي تمسك إيران بأحد أهم مفاصله.
المعادلة التي تفرضها الإدارة الأمريكية تكشف مستوى غير مسبوق من الوقاحة السياسية:
“أبقوا المضيق مفتوحًا لنفطنا.. واختنقوا أنتم بحصارنا!”
أيُّ منطق هذا الذي يطالب دولة بأن تؤمّن تدفق الطاقة للعالم، بينما تُحرم من حقها في التجارة والحياة؟
أيُّ قانون دولي هذا الذي يبيح حرية الملاحة للبوارج، ويمنعها عن السفن التجارية إذَا لم تكن تحت المظلة الأمريكية؟
إنه منطق القوة العارية، حين تسقط كُـلّ الأقنعة، وتظهر الهيمنة في صورتها الأكثر فجاجة:
إما أن تكون أدَاة في خدمة الاقتصاد الغربي.. أَو تُعاقَب لأنك ترفض ذلك.
لكن ما يغيب عن عقلية “الصفقات” الترامبية، أن الجغرافيا ليست شركة يمكن ابتزازها، ولا ممرًا يمكن فصله عن سيادته.
فـهرمز ليس مُجَـرّد ممر مائي؛ إنه عقدة ضغط عالمية، وأي محاولة لتحويله إلى ممرٍ انتقائي تخدم طرفًا واحدًا، تعني فتح أبواب مواجهة لا يمكن التحكم بنتائجها.
لقد راهنت واشنطن على أن الحصار سيكسر إرادَة طهران، فإذا بها تعيد تعريف قواعد الاشتباك:
ليس عبر إغلاق المضيق –وهو الخيار الذي يحمل تداعيات كبرى– بل عبر تثبيت معادلة أخطر:
لا أمن لتدفق الطاقة.. دون احترام سيادة الدول.
وهنا يتحول المضيق من ممرٍ اقتصادي إلى رسالة سياسية:
أن من يحاول خنق الآخرين اقتصاديًّا، عليه أن يتحمل قلقًا دائمًا على شرايينه الحيوية.
سياسة “نريد نفطكم يمر.. ولا نريد تجارتكم أن تعيش” ليست مُجَـرّد تناقض؛ إنها إعلان فشل.
فالدول لا تُدار بمنطق الحارس المأجور، ولا تقبل أن تتحول إلى أدوات صامتة في منظومة تستنزفها.
وإذا كانت واشنطن تظن أن بإمْكَانها فصل البحر عن اليابسة، والمضيق عن السيادة، والتجارة عن الكرامة، فهي بذلك تعيد إنتاج أوهام سقطت مرارًا في التاريخ.
في النهاية، قد تملك أمريكا الأساطيل، وقد تفرض العقوبات، لكنها لا تملك إعادة كتابة الجغرافيا.
وهرمز، الذي يُراد له أن يكون “بابًا” للهيمنة، سيبقى –كما هو– نقطة تذكير دائمة بأن من يتحكم بالممرات، لا يمكن أن يُحاصر إلى الأبد.
فإما ممرٌّ للجميع.. أَو قلقٌ يطال الجميع.