مقصلة “الكنيست” وشرعنة التوحش ضد الأسرى الفلسطينيين: قراءة في دسترة الإبادة الصهيونية وتواطؤ الصمت الدولي


تعد المصادقة الأولية من قبل ما يسمى “الكنيست الإسرائيلي” على مشروع قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين بمثابة الرصاصة الأخيرة التي أُطلقت على جسد “الديمقراطية الزائفة” التي لطالما تغنى بها الكيان الصهيوني أمام العالم، ليعلن رسمياً وبأختام تشريعية انتقاله من مرحلة “الاحتلال العسكري” إلى مرحلة “العصابة الفاشية” التي تقنن القتل بدم بارد. إن هذا التشريع ليس مجرد انحراف قانوني عابر، بل هو “مانيفستو” استراتيجي يعكس عقيدة اليمين الصهيوني المتطرف التي تسعى لتحويل السجون من مراكز احتجاز قسري إلى مقاصل علنية تستهدف استئصال الروح النضالية الفلسطينية عبر “التصفية الجسدية المشرعنة”. ومن منظور التحليل الاستراتيجي العميق، يمثل هذا القانون محاولة يائسة من قبل المنظومة الصهيونية المأزومة لترميم صورة “الردع” التي تحطمت في ميادين المواجهة، عبر الاستقواء على أسرى عزل مقيدين خلف القضبان، مما يجعل من هذا التشريع وثيقة إدانة تاريخية تثبت أن الكيان الصهيوني بات يمثل الخطر الأكبر على منظومة القيم الإنسانية والقانون الدولي في القرن الحادي والعشرين.

إن خطورة هذا “القانون الفاشي” لا تكمن فقط في كونه يمنح السجان الحق في إنهاء حياة الأسير، بل في كونه يؤسس لمنطق “الإبادة السياسية” عبر تفريغ السجون من رموز المقاومة وأيقوناتها، في ظل صمت دولي مخزٍ وصل إلى حد التواطؤ العضوي مع الجلاد ضد الضحية. إن هذا التشريع يعري زيف “المجتمع الدولي” ومؤسساته التي تدعي حماية حقوق الإنسان، حيث يتبين أن القوانين الدولية والاتفاقيات الأممية، وفي مقدمتها اتفاقية جنيف الرابعة، قد تحولت إلى مجرد “حبر على ورق” أمام التغول الصهيوني المدعوم بغطاء إمبريالي أمريكي سافر. وبناءً على ذلك، فإن قراءة هذا القانون لا تستقيم إلا بوضعه في سياقه الطبيعي كجزء من “حرب الوجود” التي يشنها الكيان ضد الشعب الفلسطيني، حيث يتم استخدام القضاء كأداة من أدوات القمع العسكري، مما يحول منصات المحاكم العسكرية الصهيونية إلى غرف إعدام ميدانية تفتقر لأدنى شروط النزاهة، وهو ما يستدعي انتفاضة قانونية وأخلاقية عالمية تفضح هذا النظام “الأبرتهايد” وتضعه تحت طائلة الملاحقة الجنائية الدولية قبل أن تتحول هذه المقاصل إلى واقع يومي يذبح العدالة في مهدها.

مأسسة القتل.. تشريع الإبادة الصهيونية

ينبثق قانون إعدام الأسرى من رحم “اتفاقات الائتلاف” التي قادها حزب “العظمة اليهودية” المتطرف برئاسة الفاشي “إيتمار بن غفير”، ليتحول من شعار انتخابي شعبوي إلى آلية تنفيذية تهدف إلى مأسسة الإرهاب الصهيوني. فمن الناحية التقنية، ينص القانون على إمكانية فرض عقوبة الإعدام بحق كل من يرتكب “عملية قتل على خلفية قومية” ضد أهداف صهيونية، وهو توصيف فضفاض ومفخخ أيديولوجياً صُمم خصيصاً ليكون سيفاً مسلطاً على رقاب الفلسطينيين وحدهم، مع استثناء كامل للمستوطنين والجنود الصهاينة الذين يرتكبون مجازر يومية موثقة بحق المدنيين الفلسطينيين. إن هذا التمييز “القومي” في صياغة العقوبة يكرس أبشع صور العنصرية القانونية، حيث تصبح “حياة اليهودي” في عرف هذا التشريع أثمن من “حياة الفلسطيني”، مما يعيد للأذهان “قوانين نورمبرغ” النازية التي كانت تشرعن الاضطهاد والقتل بناءً على العرق والدين، ويثبت أن الكيان الصهيوني قد تجاوز كل الخطوط الحمراء في ممارسة “الأبرتهايد التشريعي” الذي يفرق بين البشر في حقهم الأساسي في الحياة.

وعلاوة على العنصرية الصارخة، فإن التعديلات الجوهرية التي أدخلها الكنيست على آليات إصدار الحكم تعكس نية مبيتة لتحويل القضاء إلى “آلة قتل” سريعة وفعالة؛ فبدلاً من اشتراط “الإجماع” بين القضاة الثلاثة في المحاكم العسكرية لإصدار حكم بالإعدام، بات يكفي الحصول على “أغلبية عادية” (قاضيان من أصل ثلاثة)، وهو إجراء يهدف إلى تجاوز أي “تحفظات قانونية” قد يبديها بعض القضاة الذين يخشون الملاحقة الدولية. وبالنظر إلى المعطيات الميدانية، نجد أن المحاكم العسكرية الصهيونية في “عوفر” و”سالم” تسجل نسبة إدانة خرافية تصل إلى 99.7% بحق الفلسطينيين، وهي نسبة تثبت أن هذه المحاكم ليست سوى أدوات تنفيذية لجهاز المخابرات (الشاباك)، وليست جهات قضائية مستقلة. إن تحويل هذه النسبة من الإدانات إلى أحكام إعدام يعني حرفياً البدء بمذبحة قانونية كبرى، تستهدف آلاف الأسرى القابعين في الزنازين، والذين يعانون أصلاً من ظروف اعتقال لا إنسانية وتفتقر لأبسط الحقوق التي كفلتها اتفاقية جنيف بشأن معاملة أسرى الحرب.

تاريخياً، يعيد هذا القانون إحياء “أنظمة الطوارئ” التي فرضها الانتداب البريطاني عام 1945، والتي كانت تستخدم لقمح الثورات، لكن الكيان الصهيوني طورها لخدمة مشروع “التطهير العرقي” الشامل. إن البيانات الواردة من مؤسسات الأسرى تؤكد أن الاحتلال يسعى من خلال هذا التشريع إلى خلق “حالة رعب” دائمة في الوعي الفلسطيني، لثني الأجيال القادمة عن الانخراط في العمل المقاوم، لكن القراءة التحليلية لتاريخ الشعوب المستعمرة تؤكد أن “سياسة المشانق” لم تكن يوماً أداة للسيطرة، بل كانت دائماً وقوداً للثورات العظمى. إن إصرار حكومة “نتنياهو-بن غفير” على المضي في هذا المسار رغم التحذيرات الأمنية الداخلية، يثبت أن الكيان بات محكوماً بعقلية “الانتحار الاستراتيجي”، حيث يضحي بأمنه المزعوم وسمعته الدولية المهتزة في سبيل إرضاء شهوة الدم لدى اليمين الديني المتطرف، مما يجعل من هذا القانون “مسماراً أخيراً” في نعش شرعية وجود هذا الكيان كعضو في الأسرة الدولية.

شراكة الصمت.. سقوط الضمير الدولي

أمام هذا المشهد الجنائزي التشريعي، يقف ما يسمى بـ “المجتمع الدولي” في حالة من الشلل الأخلاقي المتعمد، حيث تكتفي العواصم الغربية ببيانات “القلق” الخجولة التي لا تتجاوز جدران غرف الصحافة، بينما تستمر في ضخ الأسلحة وتوفير الحصانة السياسية لكيان يشرعن القتل العنصري. إن هذا الصمت المطبق ليس مجرد “عجز”، بل هو “شراكة عضوية” في الجريمة؛ فالدول التي تُقيم الدنيا ولا تقعدها عند تنفيذ حكم إعدام في أي بقعة أخرى من العالم، تلوذ بالصمت المريب عندما يتعلق الأمر بمقصلة صهيونية تُنصب للفلسطينيين. إن ازدواجية المعايير الدولية قد وصلت إلى مرحلة الفجاجة، حيث يتم التغاضي عن انتهاك “إسرائيل” الصارخ للمادة 147 من اتفاقية جنيف الرابعة، التي تعتبر حرمان الشخص المحمي من حقه في محاكمة عادلة وقانونية “جريمة حرب” تستوجب الملاحقة الجنائية الدولية فوراً دون إبطاء.

إن الأمم المتحدة، بمؤسساتها المختلفة، تظهر اليوم في أضعف حالاتها التاريخية، حيث فشلت في اتخاذ أي إجراء عقابي رادع ضد “الكنيست” أو قادة الاحتلال الذين صاغوا هذا القانون الإجرامي. إن غياب “الإرادة الدولية” لفرض عقوبات اقتصادية أو سياسية على الكيان الصهيوني، كما حدث مع أنظمة سابقة مارست الأبرتهايد، يمنح الاحتلال الضوء الأخضر للمضي في تحويل سجون “نفحة” و”ريمون” و”جلبوع” إلى مسالخ بشرية. إن الوثائق الصادرة عن المنظمات الحقوقية الدولية تشير بوضوح إلى أن الصمت الأمريكي تحديداً يمثل “الغطاء العملي” لهذه الجريمة، حيث تستخدم واشنطن نفوذها لعرقلة أي تحرك في مجلس الأمن يدين “التشريعات الفاشية” الصهيونية، مما يجعل من الإدارة الأمريكية شريكاً مباشراً في نصب المشانق للأسرى الفلسطينيين، ويحول “النظام القائم على القواعد” إلى مجرد خرافة تُستخدم لقمع الضعفاء وحماية القتلة المدعومين إمبريالياً.

وعلاوة على ذلك، فإن المحكمة الجنايات الدولية (ICC) مطالبة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بالخروج من مربع “الانتظار والترقب” إلى مربع “الفعل والملاحقة”؛ فتشريع قانون الإعدام هو جريمة بحد ذاته قبل تنفيذه، لأنه يمثل “نيّة جرمية” معلنة وموثقة في سجلات دولة تحتل أرض شعب آخر. إن التقاعس عن إصدار مذكرات توقيف بحق المشرعين الصهاينة الذين صوتوا لصالح هذا القانون يمثل سقطة كبرى لمنظومة العدالة الجنائية الدولية، ويثبت أن “القوي” فوق القانون دائماً في هذا العالم المختل. إن تعرية الصمت الدولي واجب أخلاقي، لأن هذا السكوت هو الذي أدى تاريخياً لارتكاب المجازر الكبرى، وما يفعله الكنيست اليوم هو “تمهيد قانوني” لمجزرة كبرى ستطال أجساد آلاف الأسرى الذين يمثلون النخبة السياسية والنضالية للشعب الفلسطيني، مما يجعل من الصمت العالمي جريمة “إبادة بالترك” ستلاحق ضمير الإنسانية لقرون قادمة.

السجل الأسود لقوانين الإبادة الصهيونية

يرتكز السجل التشريعي للكيان الصهيوني على “قانون أملاك الغائبين” لعام 1950، الذي شرعن مصادرة نحو 2 مليون دونم من أراضي المهجرين، ووضعه في عهدة “حارس أملاك الغائبين” كأداة للسطو التاريخي. تبع ذلك اعتماد “أنظمة الدفاع (الطوارئ) لعام 1945” الموروثة عن الانتداب البريطاني، والتي وظفتها المحاكم العسكرية لشرعنة “الاعتقال الإداري”؛ حيث تشير بيانات نادي الأسير الفلسطيني إلى وجود أكثر من 3500 معتقل إداري حالياً (حسب إحصائيات 2024-2025) دون تهمة أو محاكمة، استناداً إلى “ملفات سرية” يحظر على الدفاع الاطلاع عليها. هذا النظام “الأبرتهايد القضائي” عززه “قانون القومية” لعام 2018، الذي حصر حق تقرير المصير لليهود فقط، ملغياً الحقوق السياسية لـ 20% من السكان الفلسطينيين داخل الخط الأخضر، ومشرعاً الاستيطان كقيمة وطنية عيا، مما يثبت أن التشريع الصهيوني هو محرك أساسي لعملية التطهير العرقي.

يمتد التوحش القانوني لانتهاك الحقوق الحيوية للأسرى عبر “قانون التغذية القسرية” لعام 2015، الذي تسمح المحكمة العليا بموجبه بكسر إضراب الأسرى عن الطعام بالقوة، وهو ما وصفته “مقررة الأمم المتحدة المعنية بالحق في الصحة” بأنه يرقى لمستوى التعذيب. كما صادق الكنيست على “قانون احتجاز جثامين الشهداء” لعام 2019، الذي منح الشرطة صلاحية احتجاز الجثث كأوراق مساومة؛ حيث تشير توثيقات الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء إلى احتجاز أكثر من 150 جثماناً في الثلاجات و256 في مقابر الأرقام (حتى مطلع 2025). هذا السلوك يُوججه تصريح وزير القضاء الصهيوني السابق “أيليت شاكيد” بأن “حقوق الإنسان لا ينبغي أن تكون عائقاً أمام الحفاظ على المصالح القومية”، مما يمنح الغطاء السياسي لتحويل السجون إلى مختبرات للقمع الممنهج وتجاوز كافة الخطوط الحمراء الدولية.

وثقت منظمة “بتسيلم” الحقوقية صدور أكثر من 1600 أمر عسكري منذ عام 1967 تتحكم بكافة مناحي حياة الفلسطينيين، من ضمنها قوانين تمنع رفع العلم الفلسطيني وتجرم العمل السياسي تحت مسمى “الإرهاب”. وفي سياق شرعنة القتل الميداني، عدل الكنيست “تعليمات إطلاق النار” لتسمح للجنود بفتح النار على المتظاهرين حتى في حال فرارهم، وهو ما أدى لارتفاع نسب الاستشهاد الميداني بزيادة بلغت 120% في الأعوام الثلاثة الأخيرة. إن هذه الوثائق والبيانات تؤكد أن “قانون إعدام الأسرى” ليس إلا تتويجاً لبنية تشريعية إجرامية؛ فالمحاكم العسكرية التي تسجل نسبة إدانة تصل إلى 99.7% هي ذاتها التي ستصدر أحكام الإعدام، مما يحول “القضاء” من أداة للعدالة إلى ذراع تنفيذي للاغتيال الرسمي، في ظل صمت دولي يرفض تصنيف هذه القوانين كجرائم ضد الإنسانية رغم مطابقتها لنظام روما الأساسي.

نهاية أوهام الديمقراطية

إن مصادقة الكنيست على قانون إعدام الأسرى لا تمثل مجرد تغليظ في العقوبات الجنائية، بل هي إعلان رسمي عن بلوغ “مأسسة التوحش” ذروتها، حيث تحول القضاء الصهيوني من أداة للضبط القانوني إلى ذراع تنفيذي لعمليات اغتيال سياسي مغلفة بصبغة تشريعية. إن هذا التحول الاستراتيجي يعكس أزمة عميقة في بنية الردع الصهيونية، التي باتت تبحث عن انتصارات وهمية عبر الاستقواء على أسرى عزل؛ مما يضع المنظومة الدولية أمام اختبار نهائي لمصداقيتها، فإما الانتصار لقيم العدالة الإنسانية وملاحقة قادة هذا النظام كجناة حرب، أو القبول بتحويل القوانين الدولية إلى غطاء يمنح القاتل حصانة لارتكاب إبادته تحت مسمى “القانون”.

ختاماً، يبرهن هذا السجل الأسود من التشريعات العنصرية أن الكيان الصهيوني قد انتقل فعلياً من مربع “دولة الاحتلال” إلى نموذج “نظام الأبرتهايد المطلق”، الذي لا يرى في الفلسطيني إلا هدفاً للتصفية أو التغييب خلف القضبان. إن سياسة المشانق التي يسعى اليمين المتطرف لفرضها لن تنجح في كسر إرادة النضال، بل ستؤسس لمرحلة جديدة من المواجهة الوجودية التي تتجاوز حدود الزنازين لتصبح قضية ضمير عالمي مطالب بالتحرك قبل أن تكتمل فصول المذبحة القانونية؛ فالتاريخ يعلمنا أن الأنظمة التي تشرعن القتل بدم بارد هي أنظمة تعيش مخاضها الأخير وتكتب بمداد دماء الضحايا وثيقة زوال شرعيتها الأخلاقية والسياسية.

 

موقع 21 سبتمبر.