“حجة اللسان واللطم وفسخ الخطوبة”.. حينما تضع الأعراف القبلية حداً لإهانة الزوجة وتضمن كرامتها
محسن علي
في مجتمع تتشابك فيه التقاليد الدينية مع الموروثات القبلية، تبرز العلاقة الزوجية باعتبارها حجر الزاوية في الإسلام لاستقرار الأسرة والمجتمع بأسره, لكن عندما تعصف الخلافات بهذه العلاقة المقدسة، وتجد الزوجة نفسها ضحية للإهانة أو التجريح، تتدخل الأعراف القبلية بقوة لتضع ضوابط صارمة وروادع تحفظ للمرأة كرامتها وتفرض على الزوج المخطئ عقوبات مادية ومعنوية، لتثبت أن “المرأة إنسان له كرامته وقيمته واعتباره” أولاً وأخيراً, نستعرض في هذا الجزء الـ”17″ مفاهيم وأحكام محنق الزوجة وفسخ الخطوبة في العرف القبلي وعلى النحو التالي:
“مَحْنَق الزوجة”.. حين يصبح بيت الأهل ملاذاً من الظلم
يُعرّف العرف القبلي “مَحْنَق الزوجة” بأنه مغادرتها بيت زوجها قاصدةً بيت أهلها، ليس نزوةً عابرة، بل نتيجة خلاف يصل أحياناً إلى حد الإهانة والضرب’ هذه الظاهرة، التي تهدد كيان الأسرة وتلقي بظلالها السلبية على تربية الأبناء، لم يغفل عنها العرف القبلي، بل وضع لها قواعد دقيقة تضمن عدم ضياع الحقوق.
فقد سنّت الأعراف “حججاً” (جمع حجة)، وهي عقوبات إلزامية تُفرض على الزوج المخطئ لرد اعتبار زوجته, وتتنوع هذه الحجج لتشمل كل أشكال الإساءة المحتملة نوردها كما يلي:
حجة اللسان: عند التلفظ بألفاظ السب والشتم أو التشبيهات المهينة، يُلزم الزوج بتقديم “رأس من الغنم” مع مبلغ نقدي, ويتضاعف الحكم إذا امتدت الإساءة لتشمل أهل الزوجة.
حجة المد واللطم: مجرد مد اليد على الزوجة، سواء بالصفع على الوجه أو الجسد، يستوجب “رأس من الغنم”, وإذا كان اللطم على الوجه، يُضاف إلى العقوبة “سُباعية”، وهي سبعة أذرع من القماش ككسوة لرد اعتبارها.
حجة الإهمال: إذا حنقت الزوجة، يتوجب على الزوج متابعتها للتأكد من وصولها بسلام إلى بيت أهلها في الليلة نفسها. فإن أهمل ذلك، لزمه “رأس من الغنم”، وتتضاعف العقوبة إذا كان بيت أهلها بعيداً.
حجة الطلاق: حتى عند مراجعة الزوج لزوجته بعد الطلقة الأولى أو الثانية، يلزمه العرف بتقديم “حجة” وكسوة كاملة، كاعتراف ضمني بأن الطلاق كان له أثر نفسي عليها.
حجة انعدام الستر: تعتبر الإساءة للزوجة أمام الجيران أو عامة الناس خطيئة كبرى, وفي هذه الحالة، تتضاعف العقوبة (حجتان بدلاً من حجة واحدة)، لأن الإهانة هنا لم تعد شأناً خاصاً، بل أصبحت علنية.
فسخ الخطوبة.. العرف يضمن الحقوق ويرد الاعتبار
لم تقتصر الأعراف القبلية على تنظيم العلاقة بعد الزواج، بل امتدت لتشمل فترة الخطوبة، باعتبارها اتفاقاً يجب احترامه, ففسخ الخطوبة دون سبب شرعي أو صحي قهري، يترتب عليه حكم عرفي واضح لرد اعتبار الطرف المتضرر.
فإذا كان الفاسخ هو الخاطب: يُلزم بتقديم “رأسين من الغنم” لولي أمر المخطوبة، ويخسر كل ما دفعه من أموال أو هدايا خلال فترة الخطوبة.
وإذا كان الفاسخ هو ولي أمر المخطوبة: يُلزم بتقديم “رأسين من الغنم” للخاطب، مع إرجاع كل ما خسره الخاطب “مجبوراً” (مضاعفاً)، كعقوبة على نقض الاتفاق.
وبهذه الأحكام، يرسخ العرف القبلي مبدأ المسؤولية ويحمي كرامة الطرفين، مؤكداً على أن العلاقات الإنسانية، سواء كانت خطوبة أو زواجاً، تقوم على الاحترام المتبادل والالتزام بالعهود.
المرجع: قواعد العرف القبلي المسنونة والغصابة لقبائل اليمن للشيخ صالح روضان.
يمانيون.