من تحالف الـ17 دولة إلى حلفاء جدد للسعودية.. مصر أمام اختبار اليمن
كلما عجزت السعودية عن إخضاع اليمن أو إعادته إلى دائرة الهيمنة والوصاية التي لفظها الشعب اليمني في ثورة 21 سبتمبر المباركة، فتحت بابًا جديدًا للتحالفات واستدعت مزيدًا من القوى إلى ساحة الحرب، لكن سنوات المواجهة أثبتت أن كثرة الرايات لا تصنع نصرًا، وأن التحالف الأمريكي السعودي الذي بدأ بـ17 دولة لم يتمكن من كسر إرادة اليمنيين أو فرض أهدافه، واليوم، مع الحديث عن أدوار باكستانية ومصرية معلنة رسميا وتلميحات بمشاركة إسرائيلية، تعود الرياض إلى الرهان نفسه، فيما يرد اليمنيون بمعادلة واضحة: الحصار بالحصار، والتصعيد بالتصعيد.
تقرير | محسن علي
لا تبدو التحالفات الجديدة في العدوان السعودي على اليمن تعبيرًا عن قوة واثقة، بقدر ما تكشف مأزق حرب عجزت القوة الجوية والبحرية والبرية والقدرات المالية والدعم الدولي اللوجستي عن حسمها، فبدل أن تقود سنوات القصف والحصار والإجرام إلى إخضاع صنعاء، دفعت إلى اتساع دائرة المواجهة وإعادة إنتاج الخسائر، وفي قلب هذا المشهد، تقف مصر أمام قرار بالغ الحساسية: هل تدخل حربًا جديدة خدمةً لحسابات الرياض، أم تستحضر درس التاريخ وتدرك أن اليمن لا يفتح أبوابه للغزاة؟ بل يقبر فيها كل غازي.
تحالفات أكثر.. وأزمة أعمق
تسعى السعودية إلى توسيع دائرة التورط العسكري معها في العدوان على اليمن، مستفيدة من أموالها في علاقاتها الإقليمية والدولية، في محاولة لإعادة تشكيل موازين القوى بعد عجز التحالف السابق الذي تناثر عقده عن تحقيق أهدافه، غير أن استدعاء أطراف جديدة لا يعالج أصل الأزمة، بل يوسع نطاقها ويزيد احتمالات تحولها إلى مواجهة متعددة الجبهات غير محسوبة العواقب بالنسبة للأطراف المعتدية.
فقد بدأ العدوان بتحالف 2015 ضم 17 دولة، مدعومًا بقدرات عسكرية وسياسية واسعة، لكنه لم ينجح في إخضاع اليمن أو إنهاء مقاومته، ومع مرور السنوات، تراجعت قدرة التحالف على فرض وقائع جديدة، بينما انتقلت المواجهة إلى العمق السعودي والمنشآت الحيوية، لتصبح كلفة الحرب ملموسة لدى الطرف الذي ظن أن التفوق العسكري كافٍ لحسم المعركة.
ومن هنا، فإن الحديث عن تحالف باكستاني أو مشاركة مصرية محتملة، إلى جانب التلميحات بشأن دور للكيان الصهيوني رغم تواجد خبرا صهاينة وأمريكيين في الرياض منذ بدء التصعيد الجاري، لا يمثل مخرجًا سياسيًا، بل يعكس إصرارًا على إدارة الحرب بالأدوات نفسها التي فشلت في إنهائها، وكل طرف جديد يدخل الميدان يضيف إلى قائمة المسؤوليات، ويرفع كلفة أي تسوية مقبلة.
مصر أمام حسابات الدم والسيادة
تكتسب المشاركة المصرية المحتملة حساسية خاصة، بالنظر إلى تجربة التدخل العسكري المصري السابقة في اليمن خلال ستينيات القرن الماضي، وما خلّفته من خسائر بشرية واستنزاف طويل، فالتاريخ لا يقدم نموذجًا لحرب سهلة أو سريعة، بل يثبت أن الجغرافيا اليمنية والمجتمع اليمني قادران على تحويل التفوق العسكري إلى مأزق ممتد.
ولهذا، فإن انخراط القاهرة في حرب جديدة سيضع الجيش المصري أمام مهمة لا تخدم بالضرورة الأمن القومي المصري، وقد تربط القرار العسكري بحسابات الرياض ومصالحها. كما سيجعل الجنود المصريين في مواجهة شعب يرفض الوصاية والاحتلال، ويملك خبرة طويلة في مقاومة التدخلات الخارجية.
كما إن أي قرار بالمشاركة لا ينبغي أن يُقاس بالوعود السياسية أو المساعدات المالية، بل بحجم المخاطر التي ستتحملها مصر: خسائر بشرية، واستنزاف اقتصادي، وتداعيات إقليمية، فضلًا عن مسؤولية سياسية وقانونية عن حرب أرهقت ملايين المدنيين.
حرب على اليمن.. وصمت على الجرائم
لم تكن الحرب على اليمن طيلة 12 عاما مجرد عملية عسكرية محدودة، بل امتدت آثارها إلى المدنيين والاقتصاد والخدمات الأساسية، فقد رافق القصف حصار أثّر في الغذاء والدواء والوقود، وألحق أضرارًا بالبنية التحتية، وترك ملايين اليمنيين أمام أزمات إنسانية وصحية متفاقمة وصنع مأساة إنسانية تضاهي مأساة الشعب الفلسطيني في غزة ، وسط صمت دولي مخزي ومفضوخ.
ومع ذلك، لم يحظَ الضحايا اليمنيون بالاهتمام الدولي نفسه الذي تحظى به الأضرار الواقعة داخل السعودية، فعندما تطال العمليات منشأة نفطية أو موقعًا حيويًا، تتصدر بيانات الإدانة نشرات الأخبار، وتنعقد النقاشات حول الأمن والاستقرار، أما حين تُقصف المنازل والأسواق والمدارس والمستشفيات في اليمن، فتُختزل المأساة غالبًا في أرقام عابرة ونداءات إغاثة مؤقتة.
هذه الازدواجية لا تكتفي بتشويه صورة الحقيقة ، بل تمنح المعتدي شعورًا بالإفلات من العقاب، وتترك الضحية أمام خيارين: انتظار بيانات لا توقف القصف، أو الدفاع عن نفسها بما تملكه من وسائل، وعندما يرد اليمنيون على سنوات الحصار والعدوان، يُطلب من العالم أن يرى لحظة الرد ويتجاهل تاريخ الاعتداء.
معادلة جديدة في مواجهة القوة
أثبتت التطورات أن اليمن لم يعد ساحة مستباحة للطيران أو منصة لتجريب الأسلحة والتحالفات، فكلما اتسعت الضغوط، تعززت لدى اليمنيين قناعة بأن المعركة تتجاوز حدودها العسكرية، لتصبح دفاعًا عن السيادة ورفضًا للتبعية، وأن كلما يروج له العدو من عناوين ليست إلا خداع أثبتتها الأيام والواقع والميدان.
ولهذا تواصل القوات المسلحة اليمنية، بحسب موقفها المعلن، التعامل مع التصعيد بمنطق الردع المتبادل، واضعةً قاعدة «الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد» عنوانًا للمواجهة، وفي المقابل، لا يبدو أن توسيع التحالفات سيمنح السعودية نصرًا لم تحققه سنوات الحرب السابقة، بل قد يفتح أبوابًا جديدة للاستنزاف.
ختاما
بعد 12 عاماً من العدوان ، لم يعد السؤال: كم دولة ستنضم إلى التحالف؟ بل: لماذا عجزت كل هذه القوى عن كسر إرادة اليمن؟ إن استمرار الرهان على القوة سيضاعف الخسائر، ويدفع أطرافًا جديدة إلى حرب بلا أفق، ويبقى الاختبار الحقيقي أمام مصر: هل تنحاز إلى حسابات الرياض، أم تنحاز إلى درس التاريخ الذي يقول إن اليمن لا يُحكم بالغزو، وإن كل من يستخف بشعبه قد يجد نفسه أمام مقبرة لمشروعه وأرتاله العسكرية وجحافله البشرية؟