اليمن تحت النار منذ 2015.. لماذا يرى العالم حرائق السعودية ويتجاهل مأساة اليمنيين؟
اليمن تحت النار منذ 2015.. لماذا يرى العالم حرائق السعودية ويتجاهل مأساة اليمنيين؟
بينما تتسابق الشاشات إلى نقل صور الحرائق في منشآت النفط السعودية، وتحصي خسائر اضطراب الطيران وتوقف المطارات، يقف اليمنيون أمام سؤال لا يجد طريقه إلى العناوين الكبرى: من يتذكر عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى ومثلها أيضا منازل المدنيين التي سحقتها الغارات الأمريكية السعودية على رؤوس ساكنيها وحولتها إلى ركام، ومئات الآلاف المرضى الذين أُغلقت أمامهم أبواب العلاج، والأطفال الذين كبروا تحت القصف والجوع وسويت منازلهم ومدارسهم واسواقهم ومساجد ومستشفياتهم بالأرض نتيجة الغارات المباشرة ؟ فالمشهد السعودي الطارئ لا يمكن فصله عن مأساة يمنية ممتدة، عاشها ملايين المدنيين على مدى أعوام، من دون أن تحظى بالاهتمام نفسه.
وبينما تُرصد حركة الطائرات المتوقفة والخسائر الاقتصادية لحظة بلحظة، تُترك مأساة المرضى والأطفال والجوعى خارج الصورة؛ وكأن حياة الإنسان لا تستحق الاهتمام إلا عندما تمس منشأة نفطية أو مطارًا في دولة غنية كجارة السوء المملكة السعودية.
تقرير | محسن علي
حين يبدأ الخبر من لحظة الرد
لا تكمن المشكلة في متابعة ما تتعرض له المنشآت السعودية أو نقل أثر ذلك على الطيران والطاقة والتجارة؛ فمن حق الجمهور معرفة التطورات،غير أن الإشكال يبدأ عندما تُقدَّم هذه الأحداث بوصفها بداية القصة، ويُغفل السياق الذي سبقها، أو تتحول الخسائر السعودية إلى محور التحليل الوحيد، بينما تُدفع معاناة اليمنيين إلى هامش التغطية.
فما يجري، يأتي في سياق حرب قادتها الرياض على اليمن منذ عام 2015، رافقها قصف وحصار أثّرا مأساوية على الغذاء والدواء والوقود والبنية التحتية بشهادة الأمم المتحدة ، ومن هذا المنظور، يضع اليمنيون العمليات الراهنة تحت عنوان «الحصار بالحصار»، باعتبارها ردًا على سنوات من القصف والقيود.
ضحايا مدنيون وقطاع صحي منهك
تضم ذاكرة الحرب اليمنية محطات دامية، من استهداف حافلة طلاب في ضحيان ومجلس عزاء في صنعاء وحفل زفاف في سنبان، إلى ضرب الأسواق والمنازل والمدارس ومخيمات النازحين؛ بما يعكس اتساع الخطر الذي واجهه المدنيون بعيدًا عن خطوط القتال المباشرة.
ووفق بيانات وزارة الصحة للفترة من 3 سبتمبر إلى 15 أكتوبر 2026، بلغ عدد الشهداء 120 شخصًا والجرحى 307، بإجمالي 427 ضحية، مع تجاوز النساء والأطفال 60% من الحصيلة، كما تشير البيانات إلى ارتفاع إجمالي الضحايا منذ 26 مارس 2015 إلى 53 ألفًا و215 شهيدًا وجريحًا، بينهم 16 ألفًا و349 شهيدًا.
ولم يتوقف الأثر عند الخسائر المباشرة؛ إذ تقول تؤكد الإحصائيات إن أكثر من 55 قطاعًا صحيًا تضرر، ودُمر 139 مستشفى، وتضررت 190 سيارة إسعاف، مع غياب أكثر من 1600 صنف دوائي. ويواجه آلاف مرضى الثلاسيميا والفشل الكلوي والسرطان نقصًا في الأدوية والأجهزة والمستلزمات.
خلف هذه الأرقام أسر تنتظر جرعة دواء، ومرضى تتوقف فرص علاجهم على جهاز أو وقود أو وسيلة نقل، وعندما تتعطل المستشفيات أو تُغلق طرق السفر، يتحول المرض القابل للعلاج إلى خطر يهدد الحياة، أما الصمت الدولي، فلا يكتفي بتجاهل الضحايا؛ بل يضعف فرص المساءلة، ويمنح أطراف الحرب شعورًا بالإفلات من العقاب، ويحوّل الطوارئ الإنسانية إلى واقع دائم تتراجع معه المساعدات ويبهت الاهتمام السياسي.
الصمت الدولي.. أزمة تتجدد بلا مساءلة
حين تُفصل الكارثة عن أسبابها، تتحول الأرقام إلى نشرة إغاثية مؤقتة بدل أن تكون دليلًا على مسؤولية سياسية وقانونية، ويطيل ذلك الأزمة؛ إذ تنشغل المنظمات أحيانا بإنقاذ ما يمكن إنقاذه، بينما تبقى أسباب الانهيار خارج المحاسبة، ومع كل عام من الصمت، يتسع الضرر بين الأجيال، وتصبح المساعدات بديلًا قسريًا عن الحق في الأمن والصحة والحياة الكريمة.
مطار صنعاء.. عزلة مستمرة
تظهر المفارقة بوضوح عند مقارنة التغطية الواسعة لتعليق الرحلات في مطارات سعودية، بما عاشه مطار صنعاء من إغلاق وقيود لأكثر من عشر سنوات، وفق المادة، فالمطار بالنسبة إلى مريض السرطان أو الطفل الذي يحتاج إلى علاج متخصص ليس مجرد منشأة للنقل، بل منفذ إلى العلاج، وقناة لوصول الأدوية والمعدات وقطع الغيار.
وبينما تُقاس خسائر توقف المطارات السعودية بالساعات والأرقام الاقتصادية، مرّت عزلة اليمن الجوية وآثارها على المرضى والأسر دون الاهتمام نفسه، وهنا يبرز سؤال العدالة في التغطية: لماذا تصبح أيام الاضطراب في مطار غني خبرًا عالميًا، فيما تتحول سنوات الحرمان في مطار صنعاء إلى تفصيل اعتيادي؟
الأطفال في قلب المأساة
تقول الأرقام الواردة من الإحصائيات الرسمية للتقارير الأممية إن نحو 3.6 ملايين طفل دون الخامسة يعانون سوء التغذية الحاد، بينهم 1.8 مليون في حالة وخيمة، فيما تتجاوز نسبة التقزم 45%، وتأثرت حياة أكثر من عشرة ملايين طفل بين 2017 و2024، وتتسع الأزمة لتشمل النساء والأمهات، وأكثر من 17 مليون شخص يواجهون انعدام الأمن الغذائي، فيما يحتاج أكثر من 24 مليونًا إلى مساعداتـ، وهذه الحصيلة لا يمكن فصلها عن الحرب والقيود وتضرر البنية التحتية التي تسببت بها المملكة السعودية، ولا تُعالج بالمساعدات وحدها.
ختاما
إذا كان العالم يتابع حرائق المنشآت النفطية واضطراب المطارات السعودية، فمن حق اليمنيين أن يسألوا: أين كان هذا الاهتمام حين ضربت الغارات منازلهم ومدارسهم وأسواقهم؟ وأين كانت الحساسية الدولية حين حُرم المرضى من السفر وعجزت المستشفيات عن توفير الدواء؟ إن سلامًا عادلًا لا يُبنى على ذاكرة مبتورة؛ وفهم التصعيد يبدأ بالاعتراف بأن اليمنيين عاشوا آثاره قبل وصول نيرانه إلى النفط والمطارات السعودية جراء التصعيد السعودي خدمة للمشروع الصهيوأمريكي في المنطقة.
يمانيون.