التضليل السعودي.. أطماع الهيمنة على اليمن خلف أقنعة الشرعية والطائفية


من تبرير العدوان إلى تزييف الحقائق، ومن استدعاء الطائفية إلى استحضار التهديد الإيراني.. معركة الرواية التي تسعى إلى حجب كلفة العدوان  وتغييب سؤال السيادة اليمنية.

 

أعده للنشر | طارق الحمامي

 

 

لم تكتفِ السعودية بشن عدوانها على اليمن منذ 12 عام، بل خاضت بالتوازي معارك سياسية وإعلامية لتسويق تدخلها أمام العالم، وتقديمه باعتباره دفاعًا عن الشرعية ومواجهةً لتهديد إقليمي، في محاولة لتطويق الأسئلة الأكثر إحراجًا، لماذا تحولت الخلافات السياسية اليمنية إلى حرب إقليمية؟ ومن يتحمل مسؤولية الدمار والمعاناة الإنسانية؟ وما الأهداف التي تسعى الرياض إلى تحقيقها في بلد يمتلك موقعًا استراتيجيًا بالغ الأهمية؟  هنا تتكشف أهمية معركة الرواية؛ فحين تعجز الشعارات وحدها عن حجب الكلفة الإنسانية للعدوان، يصبح توجيه النقاش نحو خصم إقليمي أو صراع مذهبي وسيلةً لإعادة ترتيب الأولويات، بحيث تتقدم المخاوف الأمنية والسياسية على حقوق المدنيين وسيادة الدولة اليمنية.

 

صناعة الرواية.. تبرير العدوان وإبعاد المسؤولية

منذ الأيام الأولى للتدخل العسكري، ارتكز خطاب العدو السعودي الرسمي على استعادة الحكومة المعترف بها دوليًا حد زعمه ومواجهة نفوذ إيران، لكن تحويل هذه المبررات إلى إطار لفهم الحرب يؤدي إلى اختزال الأزمة اليمنية في صراع إقليمي، ويُبعد الأنظار عن نتائج العمليات الاجرامية والقيود التي أثرت في حياة ملايين اليمنيين، وقد وثقت تقارير أممية انتهاكات إنسانية ارتكبها العدو السعودي بما فيها وقائع مرتبطة بالغارات الجوية والأضرار التي لحقت بالأعيان المدنية، فضلًا عن التداعيات الإنسانية للقيود المفروضة على الواردات والمساعدات نتيجة الحصار الغاشم، وهنا تكمن المشكلة،  لا يمكن لأي شعار سياسي أن يمنح حصانة من المساءلة، ولا تستطيع مبررات الأمن والشرعية إلغاء حقوق الضحايا أو محو المسؤوليات القانونية، فحين يتصدر الخطاب السياسي المشهد، بينما تتراجع معاناة المدنيين إلى الهوامش، يصبح من الضروري مساءلة الرواية المهيمنة، وفحص ما تخفيه من وقائع وما تتجاهله من أسئلة.

الطائفية.. تحويل اليمن إلى ساحة صراع مذهبي

من أخطر أدوات تأطير العدوان تصويره باعتباره مواجهة بين السنة والشيعة، وربط كل ما يجري في اليمن بالتنافس السعودي الإيراني.  فهذا الاختزال يعيد تقديم مظلومية اليمن ضمن ثنائية مذهبية تخدم الاصطفافات الإقليمية،
إن تحويل الصراع السياسي إلى مواجهة هوياتية يحقق نتيجة خطيرة، نقل النقاش من مشروعية التدخل العسكري ونتائجه إلى الانتماءات الدينية للأطراف، وبدلًا من مساءلة السياسات والقرارات، يجري استدعاء المخاوف المذهبية لتعبئة الجمهور، وتوسيع دائرة الخصومة، وتقديم العدوان باعتباره دفاعًا عن السنة في مواجهة الشيعة، لكن اليمن ليس ملكًا لمحور إقليمي، ولا يجوز اختزال شعبه في مذاهب وطوائف، كما لا يجوز استخدام الدين ستارًا لتبرير العدوان أو تحويل الخلاف السياسي إلى عداوة اجتماعية مفتوحة، فحين تصبح الطائفية بديلًا عن مناقشة الوقائع، لا تعود مجرد خطاب تعبوي؛ بل تتحول إلى أداة تحجب جذور الصراع وتمنح التدخل الخارجي مبررات إضافية.

الأطماع التاريخية للعدو السعودي.. السؤال الذي لا تجيب عنه الشعارات

لا يمكن قراءة المواجهة اليمنية لاطماع الهيمنة السعودية بمعزل عن التاريخ، ففي عام 1934، خاضت السعودية والمملكة المتوكلية اليمنية حربًا على خلفية النزاع بشأن عسير وجازان ونجران، وانتهت بمعاهدة الطائف، وظلت المسألة الحدودية جزءًا من العلاقات المعقدة بين البلدين، حتى توقيع اتفاق جدة لترسيم الحدود عام 2000، المجحف، وتثبت هذه الوقائع وما بعدها وكواليس اللجنة الخاصة وجود خطة معاصرة لاحتلال اليمن، تكشف أن العلاقة لم تخلُ من صراعات على الأرض والنفوذ، وتفسر ممانعة اليمنيين تجاه أي تدخل يمس سيادتهم واستقلال قرارهم، ومن هنا يبرز السؤال الذي لا ينبغي أن تحجبه الشعارات السعودية عن الرأي العام العالمي، هل تنحصر أهداف العدو السعودي في اعتبارات أمنية معلنة، أم أن تدخلها يرتبط أيضًا بطموح فرض معادلة سياسية وعسكرية تحدد لليمنيين شكل مستقبلهم وحدود قرارهم الوطني؟
إن الموقع الجغرافي لليمن، وإشرافه على البحر الأحمر وباب المندب، يمنحانه أهمية استراتيجية تتجاوز حدوده، ولذلك فإن أي تحليل جاد للحرب لا بد أن يضع المصالح الإقليمية والتنافس على النفوذ في الحسبان،فجوهر القضية ليس مجرد اختلاف بين حكومتين، بل مدى احترام حق اليمنيين في تقرير مستقبلهم، ورفض إخضاع إرادتهم لموازين القوة الخارجية.

التحالفات الدولية.. حين تتقدم المصالح على دماء اليمنيين

لم تستمر الحرب بمعزل عن البيئة الدولية؛ فقد تداخلت فيها الشراكات العسكرية وصفقات السلاح والحسابات الأمنية والمصالح الاستراتيجية، وأسهم الدعم السياسي والعسكري الذي قدمته دول حليفة لتحالف العدوان في تمكين عملياته، بينما أثارت الكلفة الإنسانية للعدوان، تساؤلات جدية حول مسؤولية الدول الداعمة والتزاماتها القانونية، وتكمن خطورة الخطاب الذي يصور العدوان باعتباره جزءًا من مواجهة إقليمية كبرى في قدرته على توسيع دائرة المبررات السياسية، وإظهار التدخل وكأنه ضرورة تتجاوز اليمنيين أنفسهم، لكن أي تحالف، مهما بلغت قوته، لا يملك تفويضًا مفتوحًا لتجاهل القانون الدولي أو التقليل من معاناة المدنيين، كما أن المصالح الاستراتيجية لا ينبغي أن تتحول إلى غطاء يمنع التحقيق في الانتهاكات أو مساءلة المسؤولين عنها، وهكذا يصبح اليمن ساحة تتقاطع فيها حسابات القوى الإقليمية والدولية، فيما يدفع اليمنيون الكلفة الأثقل من أمنهم واقتصادهم واستقرارهم الاجتماعي.

معركة الوعي.. كشف الأقنعة وإعادة القضية إلى جوهرها

إن أخطر ما ينتجه التضليل السياسي هو إعادة تعريف العدوان بما يخدم الطرف الأقوى في صياغة الرواية، وإبعاد الأنظار عن الأسئلة التي تمس جوهر الصراع، فحين يُختزل اليمن في مواجهة مذهبية، تُهمّش قضايا السيادة والاستقلال، ويُعاد تقديم التدخل السعودي الغاشم ضمن إطار أمني يطغى على آثاره الإنسانية، ومواجهة هذا الخطاب بكشف التناقضات بين التصريحات والوقائع، وتوثيق الانتهاكات، وفحص الأهداف المعلنة على ضوء النتائج الفعلية، ورفض توظيف الانتماء الديني لتبرير الحرب والعدوان.

ختاما ..

إن معركة اليمن ليست مجرد معركة على الأرض، بل معركة على الحقيقة أيضًا، وبين شعارات الشرعية والأمن، والخطاب الطائفي، وحسابات التحالفات الدولية، يبقى السؤال الأهم،  هل يُراد لليمن أن يكون دولة مستقلة تصنع مستقبلها بإرادة شعبها، أم ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات وفرض النفوذ؟ هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يواجه الرأي العام العالمي، بدلًا من الاكتفاء بالروايات التي تبرر العدوان، أو تختزل شعبًا بأكمله في صراع المحاور،  فسيادة اليمن ليست ورقة تفاوض، وحقوق اليمنيين ليست تفصيلًا هامشيًا، وأي حديث عن السلام يظل ناقصًا ما لم يقترن بوقف التدخلات التي تقوض الاستقلال، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وضمان حق اليمنيين في تقرير مستقبلهم.

 

يمانيون.