بين الأحلاف المتعثرة وإعادة تشكيل المنطقة.. الثروة والنفوذ ومستقبل القرار العربي


تقرير خاص – الجوف نت

تشهد المنطقة العربية والإسلامية مرحلة متسارعة من إعادة تشكيل موازين القوة، في ظل تراجع قدرة المنظومات التقليدية على إنتاج موقف إقليمي موحد، وتزايد التنافس الدولي على النفوذ والممرات الاستراتيجية ومصادر الطاقة والأسواق.
وفي خضم هذه التحولات، تبرز التحالفات الإقليمية الجديدة باعتبارها انعكاساً لتباين الحسابات والمصالح بين دول المنطقة، أكثر من كونها تعبيراً عن مشروع استراتيجي موحد. ويطرح ذلك تساؤلات واسعة حول مستقبل الأمن الإقليمي، وحدود الاعتماد على القوى الكبرى، وإمكانية بناء منظومة مستقلة تستند إلى القدرات المحلية والإقليمية.
أحلاف جديدة.. ومصالح متباينة
أعاد الإعلان عن ترتيبات أمنية وسياسية تجمع السعودية وتركيا وباكستان النقاش حول طبيعة التحالفات التي تتشكل في المنطقة، خصوصاً مع اختلاف علاقات هذه الدول مع القوى الدولية الكبرى.
فتركيا عضو في حلف شمال الأطلسي، وفي الوقت ذاته تربطها علاقات اقتصادية وتجارية مع الصين وروسيا ودول أخرى، بينما تحتفظ باكستان بشراكة استراتيجية واقتصادية واسعة مع بكين، في حين تطورت العلاقات السعودية الصينية بصورة ملحوظة خلال السنوات الماضية، ولا سيما في مجالات الطاقة والتجارة والاستثمار والتكنولوجيا.
وتكشف هذه المعطيات عن مشهد إقليمي شديد التعقيد، تتداخل فيه التحالفات الأمنية مع المصالح الاقتصادية، ولا تتطابق فيه بالضرورة حسابات الدول المختلفة تجاه مصادر التهديد أو طبيعة الاستجابة لها.
الثروة الخليجية.. من النفوذ المالي إلى سؤال التنمية
تمتلك دول الخليج موارد مالية واقتصادية ضخمة مكّنتها لعقود من لعب أدوار مؤثرة في الملفات العربية والإقليمية. غير أن الجدل حول توظيف هذه الموارد ظل قائماً، بين من يرى أنها استُخدمت لتعزيز التنمية والاستقرار، ومن ينتقد توجيه جانب منها إلى الصراعات الإقليمية وتمويل مشاريع سياسية لم تحقق بناء منظومة عربية مستقلة في مجالات الصناعة والتكنولوجيا والدفاع.
ويعود هذا الجدل إلى عقود شهدت خلالها المنطقة محاولات متكررة لبناء قدرات صناعية وعسكرية محلية، لكنها اصطدمت بعوامل سياسية واقتصادية وإقليمية ودولية متشابكة.
ومن أبرز النماذج التي تستحضر في هذا السياق تجربة التصنيع العسكري العربي في مصر، ومحاولات تطوير صناعات دفاعية محلية خلال القرن العشرين، وصولاً إلى مشروع الطائرة المصرية «القاهرة 300». وقد ارتبط تعثر هذه المشاريع بمجموعة واسعة من العوامل السياسية والاقتصادية والتقنية، وليس بعامل واحد منفرد.
التصنيع العسكري.. معركة الاستقلال التي لم تكتمل
كان بناء قاعدة صناعية وعسكرية عربية مستقلة أحد أبرز أهداف عدد من المشاريع القومية خلال القرن الماضي، في ظل سباق تسلح إقليمي وتهديدات أمنية متصاعدة.
وقد تأسست الهيئة العربية للتصنيع عام 1975 بمشاركة مصر والسعودية والإمارات وقطر، بهدف إنشاء قاعدة عربية للصناعات الدفاعية. إلا أن التحولات السياسية التي أعقبت اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979، ثم انسحاب عدد من الدول العربية من المشاركة، أثرت بصورة كبيرة في طبيعة المشروع ومساره.
وتقدم هذه التجربة نموذجاً على صعوبة فصل المشاريع الصناعية والاستراتيجية الكبرى عن التحولات السياسية في المنطقة، خصوصاً عندما تكون مرتبطة بتمويل متعدد الأطراف وبعلاقات دولية متغيرة.
من الاعتماد الخارجي إلى البحث عن بدائل
تُظهر العقود الأخيرة أن الاعتماد على استيراد منظومات التسليح والتكنولوجيا المتقدمة ظل أحد عناصر العلاقة بين دول المنطقة والقوى الكبرى.
وفي المقابل، اتجهت دول إقليمية إلى تطوير قدراتها المحلية في مجالات الصواريخ والطائرات المسيّرة والصناعات العسكرية والإلكترونيات، في محاولة لتقليص الفجوة مع القوى العسكرية الكبرى.
وفي هذا السياق، برزت تجارب إيران واليمن بوصفها حالات لافتة في تطوير قدرات عسكرية محلية، رغم اختلاف الظروف السياسية والاقتصادية والعسكرية لكل منهما. وقد أثبتت التطورات الميدانية في البحر الأحمر والمنطقة أن التكنولوجيا منخفضة الكلفة نسبياً، عندما تقترن بالتنظيم والتطوير المحلي، تستطيع التأثير في حسابات القوى البحرية الكبرى.
البحر الأحمر.. اختبار جديد لموازين القوة
أصبحت مياه البحر الأحمر وخليج عدن ومضيق باب المندب خلال السنوات الأخيرة إحدى أبرز ساحات التنافس العسكري والأمني الدولي.
وأظهرت المواجهات البحرية والتطورات المرتبطة بأمن الملاحة أن التفوق العسكري التقليدي لا يضمن وحده السيطرة الكاملة على الممرات البحرية، في ظل استخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ والقدرات غير المتماثلة.
وقد دفعت هذه التطورات الولايات المتحدة وحلفاءها إلى إعادة حساباتهم بشأن حماية الملاحة، فيما تحولت المنطقة إلى ساحة اختبار للتكنولوجيا العسكرية والاستراتيجيات البحرية.
لكن قراءة هذه التطورات باعتبارها تحولاً نهائياً في ميزان القوى تحتاج إلى الحذر؛ إذ إن القدرات العسكرية لكل طرف، وحجم الموارد المتاحة، وطبيعة التحالفات الدولية، كلها عوامل ما تزال مؤثرة في مسار الصراع.
اليمن وإيران.. نماذج مختلفة لبناء القدرات المحلية
تقدم إيران نموذجاً يمتد لعقود في بناء الصناعات العسكرية المحلية، مستفيدة من الاستثمار في البحث والتطوير وإنتاج الصواريخ والطائرات المسيّرة وأنظمة الدفاع.
أما اليمن، فقد شهد خلال سنوات الحرب تطوراً في القدرات العسكرية المحلية، خصوصاً في مجال الطائرات المسيّرة والصواريخ، مع إعلان القوات المسلحة اليمنية بشكل متكرر عن تطوير وإنتاج منظومات محلية.
ويرى مؤيدو هذا المسار أن تطوير القدرات الذاتية يحد من تأثير الحصار والاعتماد على الخارج، بينما يشير منتقدوه إلى الكلفة الإنسانية والاقتصادية للصراعات العسكرية وإلى المخاطر التي تفرضها عسكرة المنطقة على أمن الملاحة والاستقرار.
وبين الرؤيتين، يبقى السؤال الأوسع متعلقاً بقدرة دول المنطقة على تحويل الخبرات المتراكمة في المجال العسكري إلى قاعدة أوسع للتنمية الصناعية والتكنولوجية والمدنية.
لماذا لم يتحول المال العربي إلى قوة صناعية مشتركة؟
المشكلة لا ترتبط بحجم الأموال وحده، وإنما بغياب منظومة متكاملة تجمع رأس المال بالبحث العلمي والتعليم والتكنولوجيا والأسواق والتخطيط طويل الأمد.
فامتلاك الموارد المالية لا يعني تلقائياً امتلاك القدرة على تصنيع الطائرات أو المحركات أو الرقائق الإلكترونية أو أنظمة الاتصالات المتقدمة. وهذه الصناعات تحتاج إلى مؤسسات بحثية، وكفاءات بشرية، وسلاسل توريد، واستثمارات مستمرة لعشرات السنين.
ومن هنا، فإن أحد الأسئلة الأساسية المطروحة أمام المنطقة اليوم هو: هل تستطيع الدول العربية الانتقال من شراء التكنولوجيا إلى إنتاجها، ومن استيراد منظومات الأمن إلى بناء جزء معتبر من احتياجاتها داخلياً؟
مستقبل المنطقة.. بين التبعية والتكامل
التحولات الدولية الحالية تفتح المجال أمام تعدد أكبر في الشراكات الاقتصادية والعسكرية، مع صعود الصين وروسيا وتنامي أدوار القوى الإقليمية.
لكن الانتقال من نظام يعتمد على قوة خارجية إلى منظومة إقليمية أكثر استقلالاً لا يتحقق بمجرد تغيير التحالفات. فالاستقلال الاستراتيجي يحتاج إلى اقتصاد منتج، وأمن غذائي ومائي، وبنية صناعية، وتعليم متقدم، وبحث علمي، وقدرة على إنتاج التكنولوجيا.
وتبقى المنطقة أمام مسارين متوازيين: استمرار التنافس على النفوذ والثروة ضمن تحالفات متغيرة، أو توسيع مجالات التعاون الإقليمي في الصناعة والطاقة والتكنولوجيا والأمن الاقتصادي.
وفي النهاية، فإن مستقبل القرار العربي لن تحدده الأموال وحدها، ولا كثرة الأحلاف، بل القدرة على تحويل الموارد البشرية والطبيعية والمالية إلى مؤسسات إنتاج ومعرفة وقوة اقتصادية وتكنولوجية مستدامة.
فالمعادلة الجديدة في المنطقة تتجه من سؤال: من يملك المال والسلاح؟ إلى سؤال أوسع: من يملك القدرة على إنتاج المعرفة والتكنولوجيا وصناعة قراره بنفسه؟