وما النصر إلا من عند الله».. مبدأ إيماني يعيد تعريف معادلة القوة والثبات


في محاضرة هامة للسيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي، حفظه الله، يبرز عنوان عظيم يتمثل في قوله تعالى : «وما النصر إلا من عند الله»، باعتباره مبدأ قرآني وإيماني وصفه بأنه قاعدة أساسية في التعامل مع التحديات والصراعات، ومصدرًا للثبات النفسي والمعنوي أمام ما قد يبدو من اختلال في موازين القوة، ويختصر السيد القائد جوهر هذه الرؤية في التأكيد على أن النصر لا يُنسب في حقيقته إلى الإمكانات المادية وحدها، مهما بلغت، وإنما إلى الله سبحانه وتعالى، مع الأخذ بالأسباب والاستمرار في العمل والجهاد والصمود.

 

 

 

أعده للنشر | طارق الحمامي

 

 

 

 

 

النصر يبدأ من مصدر القوة الحقيقي

 

يؤكد السيد القائد أن الآية الكريمة: «وما النصر إلا من عند الله» ليست مجرد آية تُقال عند الحديث عن الانتصار، بل هو مبدأ عظيم ينبغي أن يحكم نظرة الإنسان إلى المعركة وإلى موازين القوة فيها، فحين يستقر هذا المبدأ في الوعي، لا تصبح قوة الخصم المادية معيارًا نهائيًا للحكم على النتائج، ولا تتحول كثرة السلاح والإمكانات إلى سبب كافٍ لبث اليأس أو الاعتقاد بحتمية الهزيمة، وهنا تتأسس معادلة مختلفة، الأسباب المادية مهمة، لكنها ليست المصدر النهائي للنصر؛ إذ إن قدرة الله فوق كل تقدير بشري، وما يبدو في الحسابات المادية مستحيلًا أو بالغ الصعوبة لا يعني بالضرورة استحالة تحقيق النتيجة.

 

 

 

الالتجاء إلى الله .. حالة مستمرة لا موقف طارئ

 

ومن أبرز المضامين التي يركز عليها السيد القائد قوله: «يبقى التجاؤنا إلى الله واعتمادنا على الله وتوكلنا على الله باستعانتنا بالله»، واللافت هنا هو استخدام مجموعة مترابطة من المفاهيم الإيمانية، الالتجاء، والاعتماد، والتوكل، والاستعانة، وهذا التتابع يعكس أن العلاقة بالله، ليست موقفًا عابرًا يظهر عند اشتداد الأزمة ثم ينتهي بانتهائها، وإنما هي حالة إيمانية مستمرة ترافق الإنسان في مواجهة التحديات، فالالتجاء إلى الله يمنح الإنسان الملاذ النفسي والروحي، والاعتماد عليه يحرره من الارتهان الكامل لقوة الذات والإمكانات، والتوكل عليه يمنحه الثقة، بينما الاستعانة به تدفعه إلى مواصلة العمل مع استحضار أن النتائج بيده سبحانه وتعالى.

 

 

 

 

 

اليقين بوعد الله في مواجهة التحديات

 

ينتقل السيد القائد بعد ذلك إلى محور أكثر عمقًا، يتمثل في اليقين بأن الله قادر على إنجاز وعده بالنصر مهما كانت التحديات، وهذه الفكرة تواجه بصورة مباشرة حالة القلق التي يمكن أن تنشأ عندما تكون التحديات كبيرة أو عندما يمتلك العدو إمكانات كبيرة، فالطرح هنا لا ينكر وجود التحديات، ولا يتجاهل قوة الخصم، وإنما يرفض أن تتحول هذه المعطيات إلى مصدر لزعزعة اليقين، ولهذا تأتي العبارة، «مهما كانت التحديات ومهما كان ما يمتلكه العدو»، لتؤكد أن حجم التحدي لا ينبغي أن يكون هو المحدد الوحيد لمستوى الثقة بالله.

 

 

 

بين الأخذ بالأسباب والثقة بالله

 

ومن المهم فهم هذا المضمون في سياقه الإيماني بصورة متوازنة؛ فالإيمان بأن النصر من عند الله لا يعني إلغاء الأسباب أو التقليل من أهمية التخطيط والإعداد والعمل، بل إن المعنى الأعمق يتمثل في أن الإنسان يأخذ بالأسباب المتاحة، ويبذل أقصى ما يستطيع، لكنه لا يعبد الأسباب ولا يجعلها مصدر يقينه النهائي، وبذلك يصبح الإعداد والعمل جزءًا من المسؤولية، بينما يبقى النصر والنتيجة النهائية بيد الله، وهذه المعادلة تمنح المؤمن قدرة أكبر على الاستمرار.

 

 

 

 

 

«إن تنصروا الله فلا غالب لكم».. النصر مرتبط بالموقف

 

ويستشهد السيد القائد بالآية القرآنية الكريمة، ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾، وهي آية تحمل في مضمونها انتقالًا من مجرد طلب النصر إلى تحمل مسؤولية الموقف الذي يسبق النصر،

فالنصر في هذا التصور ليس وعدًا منفصلًا عن المسؤولية، وإنما يرتبط بنصرة الحق والقيام بالواجب والثبات على المبدأ، ومن هنا تصبح القضية ذات بعدين متكاملين، أن نصرة الله سبحانه مقابل ثبات والتزام وبذل ينتج عنه استحقاق للنصر بإذن الله، وهذا يمنع اختزال الخطاب الإيماني في انتظار النتيجة دون عمل، ويحول الإيمان بالنصر إلى دافع لمزيد من المسؤولية والبذل والثبات.

 

 

 

القوة المادية ليست الحقيقة الوحيدة في المعركة

 

من زاوية تحليلية، فإن الرؤية لمفهوم القوة لا ينفي أهميتها، لكنه يضعها ضمن منظومة أوسع، فقد يمتلك العدو السلاح والتقنية والإمكانات والقدرات البشرية، لكن هذه العناصر لا تمنحه بالضرورة القدرة المطلقة على فرض النتيجة التي يريدها، وفي المقابل، فإن المجاهد المؤمن الذي يمتلك الإيمان والثبات والوعي والإرادة والاستعداد للبذل يمكنه أن يحافظ على قدرته على الصمود حتى في ظروف بالغة الصعوبة، وبهذا المعنى، يتحول الإيمان من كونه مسألة روحية خاصة إلى عامل مؤثر في بناء المعنويات والإرادة الجماعية.

 

 

 

ختاما ..

 

«وما النصر إلا من عند الله» رسالة مركزية مفادها أن النصر لا ينبغي أن يُقرأ من خلال ميزان القوة المادية وحده، وأن الإيمان بالله والثقة بوعده يمثلان أساسًا للثبات في مواجهة التحديات، فالاعتماد على الله، وفق ما طرحه السيد القائد لا يعني ترك الأسباب، بل يعني العمل بالأسباب دون الارتهان لها، ومواجهة التحديات دون الخضوع للخوف منها، والاستمرار في أداء المسؤولية مع اليقين بأن النتائج بيد الله، ومن هنا تتكامل دلالات العبارة القرآنية ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ مع قوله تعالى: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾، لتشكلا قاعدة واحدة، إيمان يورث الثبات، وثبات يقود إلى العمل، وعمل قائم على المسؤولية والاستعانة بالله، مع يقين بأن النصر الحقيقي من عنده سبحانه وتعالى.