«كاسر القلاع» يدك جدار الهيمنة الأمريكية.. صواريخ إيران تخترق دفاعات واشنطن وتضع قواعدها تحت مرمى النيران


لم تعد القواعد والمنشآت العسكرية الأمريكية المنتشرة في المنطقة بمنأى عن الصواريخ الإيرانية، ولم تعد منظومات الدفاع الجوي الأمريكية قادرة على ضمان الحماية المطلقة لحزام القواعد والمنشآت الذي أقامته واشنطن وحلفاؤها في الخليج والشرق الأوسط.

وفي تطور لافت يكشف جانباً من التحول المتسارع في معادلة الردع، أكدت صحيفة «يو إس إيه توداي» الأمريكية أن الصواريخ الباليستية الإيرانية ألحقت أضراراً جسيمة بقواعد أمريكية وبنية تحتية عسكرية تابعة لحلفاء واشنطن في المنطقة، مشيرة إلى أن إيران أدخلت إلى الخدمة جيلاً جديداً من الصواريخ القادر على الإفلات من منظومات الدفاع الجوي الأمريكية والوصول إلى أهدافه بدقة عالية.

وبحسب التقرير الأمريكي، فإن هذا التطور يضع شبكة القواعد الأمريكية الممتدة عبر منطقة الخليج والشرق الأوسط أمام خطر غير مسبوق، ويكشف أن معادلة الحماية التي اعتمدت عليها واشنطن لعقود لم تعد تعمل بالكفاءة التي كانت تراهن عليها.

«خيبر شكن».. صاروخ صُمم لاختراق جدار الاعتراض

في قلب هذا التطور يبرز الصاروخ الإيراني «خيبر شكن»، الذي تطلق عليه طهران اسم «كاسر القلاع»، وهو اسم يلخص بصورة مباشرة الوظيفة التي صُمم من أجلها: الوصول إلى الأهداف المحصنة وتجاوز منظومات الدفاع التي يفترض أنها تشكل جدار الحماية الأول للقواعد والمنشآت العسكرية.

ويبلغ مدى الصاروخ نحو 900 ميل، ويحمل رأساً حربياً موجهاً بالأقمار الصناعية وقابلاً للمناورة، وهي خصائص تمنحه قدرة أكبر على تغيير مساره ومواجهة محاولات الاعتراض التقليدية.

وتكمن أهمية هذه المواصفات في أن المعركة لم تعد مجرد سباق بين صاروخ ومنظومة اعتراض، بل أصبحت مواجهة بين منظومة هجومية قادرة على المناورة وتغيير مسارها، ومنظومات دفاعية يتعين عليها اكتشاف الهدف وتعقبه واعتراضه خلال فترة زمنية قصيرة للغاية.

وهنا تحديداً تكمن إحدى نقاط التحول التي تكشفها التطورات الأخيرة؛ فكلما ازدادت قدرة الصاروخ على المناورة، وتقلص الوقت المتاح لاكتشافه واعتراضه، أصبحت مهمة الدفاع الجوي أكثر تعقيداً، حتى بالنسبة إلى منظومات متطورة تمتلكها الولايات المتحدة.

ستة أشهر من الحرب.. والقواعد الأمريكية تحت الاختبار

وتشير «يو إس إيه توداي»، استناداً إلى مصادر حكومية واستخباراتية أمريكية، إلى أن الجيش الإيراني استخدم صاروخ «خيبر شكن» بكثافة خلال الحرب المستمرة منذ ستة أشهر، مستهدفاً المركز البحري الأمريكي في البحرين وقواعد ومنشآت أخرى في المنطقة.

ولا تكتسب هذه الإشارة أهميتها من طبيعة الصاروخ وحدها، وإنما من طبيعة الأهداف التي باتت ضمن نطاق الاستهداف؛ إذ إن الحديث يدور عن منشآت عسكرية أمريكية تعد جزءاً من منظومة الانتشار العسكري التي تعتمد عليها واشنطن لإدارة عملياتها وحماية مصالحها ونفوذها في المنطقة.

فاستهداف قاعدة أو منشأة عسكرية لا يعني بالضرورة تدميرها بالكامل حتى يحقق أثراً عسكرياً؛ إذ يكفي إلحاق أضرار بمرافق الصيانة أو البنية الفنية أو مواقع تمركز الطائرات لتعطيل جزء من القدرة العملياتية وإجبار القوات الموجودة فيها على إعادة توزيع إمكاناتها ورفع مستوى إجراءات الحماية.

الأردن.. ضربات تكشف هشاشة القواعد الجوية

ومن أبرز الوقائع التي أوردها التقرير الأمريكي، استخدام صواريخ «خيبر شكن» في الهجمات التي استهدفت قاعدة موفق السلطي الجوية في الأزرق بالأردن.

وبحسب البيانات التي نقلتها الصحيفة عن مصادر رسمية وإيرانية، بما في ذلك وكالة «تسنيم»، فقد استُخدمت هذه الصواريخ في ضربات 17 يوليو على القاعدة، كما استُخدمت في هجمات لاحقة استهدفت قاعدتي موفق السلطي والملك حسين في الأردن، رداً على الهجوم الأمريكي على جزيرة لارك الإيرانية.

ونقلت الصحيفة عن «تسنيم» أن الحرس الثوري الإيراني استهدف في هذه الهجمات البنية التحتية الفنية ومرافق الصيانة ومواقع تمركز الطائرات المقاتلة في المنشأتين، ما أدى إلى إلحاق أضرار كبيرة بالقاعدتين.

وهذه التفاصيل بالذات تكشف أن طبيعة الاستهداف لم تكن عشوائية، وإنما اتجهت نحو منشآت ومرافق ذات قيمة تشغيلية مباشرة، بما يجعل الضربة ذات تأثير يتجاوز حدود الضرر المادي إلى التأثير في القدرة على تشغيل الطائرات وصيانتها وإدامة العمليات العسكرية.

البحرين.. إصابة قلب الحضور البحري الأمريكي

ولا تقف التطورات عند القواعد الجوية، إذ يشير التقرير إلى أضرار واسعة النطاق طالت قاعدة نشاط الدعم البحري الأمريكي في البحرين، وهي منشأة ذات أهمية خاصة للحضور العسكري الأمريكي في المنطقة.

وتكتسب هذه القاعدة أهمية استراتيجية بالنظر إلى ارتباطها بالنشاط البحري الأمريكي في الخليج، ما يجعل تعرض منشآت الدعم والصيانة فيها للصواريخ الإيرانية مؤشراً على اتساع دائرة التهديد لتشمل مكونات متعددة من البنية العسكرية الأمريكية، وليس القواعد الجوية وحدها.

وهكذا، فإن القدرة على الوصول إلى المنشآت البحرية والجوية على حد سواء تعني أن انتشار القوات الأمريكية في المنطقة أصبح أمام تحدٍ مركب: فالقواعد التي كانت واشنطن تنظر إليها باعتبارها نقاط ارتكاز آمنة نسبياً باتت هي الأخرى جزءاً من ميدان المواجهة.

لماذا يصعب اصطياد «كاسر القلاع» قبل إطلاقه؟

أحد أبرز عناصر القوة التي أشار إليها التقرير الأمريكي يتمثل في طبيعة تشغيل صاروخ «خيبر شكن».

فالصاروخ يعمل بالوقود الصلب، ويتم نقله على منصات إطلاق متحركة، وهي خصائص تمنح القوات الإيرانية مرونة عالية في عمليات الانتشار والإطلاق، وتجعل اكتشاف المنظومة وتدميرها قبل إطلاق الصاروخ مهمة شديدة الصعوبة.

فالمنصة المتحركة لا تمنح الخصم هدفاً ثابتاً يمكن مراقبته واستهدافه بسهولة، كما أن الاعتماد على الوقود الصلب يقلل من بعض المتطلبات اللوجستية المرتبطة بعمليات تجهيز الصاروخ للإطلاق.

وبالتالي، فإن التحدي أمام الدفاعات الأمريكية لا يبدأ لحظة انطلاق الصاروخ فقط، بل يبدأ قبل ذلك: كيف يمكن تحديد موقع منصة الإطلاق، ومراقبتها، واستهدافها، وتدميرها قبل أن تنفذ مهمتها؟

وهذه الحلقة من المعادلة هي التي تجعل الصواريخ المتحركة أكثر إزعاجاً للمنظومات الدفاعية، لأنها تفرض على الخصم خوض معركة استخبارية واستطلاعية واسعة إلى جانب معركة الاعتراض نفسها.

من الخليج إلى كيان العدو.. دائرة النار تتسع

ويمنح مدى «خيبر شكن» القوات الإيرانية قدرة على الوصول إلى مجموعة واسعة من الأهداف العسكرية الأمريكية والحليفة في الشرق الأوسط، وفق ما أوردته الصحيفة الأمريكية.

وتشمل دائرة الأهداف المحتملة مواقع أمريكية رئيسية مثل قاعدة العديد الجوية في قطر، وقاعدة الأمير سلطان الجوية في السعودية، وقاعدة الظفرة الجوية في الإمارات العربية المتحدة، فضلاً عن أهداف أخرى في المنطقة، بما فيها كيان العدو الإسرائيلي.

وهنا تتضح الأهمية الاستراتيجية للصاروخ؛ إذ لا تقتصر قيمته على كونه سلاحاً قادراً على إصابة هدف محدد، بل يرتبط بقدرته على توسيع دائرة المخاطر التي تواجه الانتشار العسكري الأمريكي برمته.

فكلما اتسعت دائرة الأهداف التي يمكن بلوغها، أصبحت عملية توزيع القوات والمنشآت وحمايتها أكثر تعقيداً، وارتفعت كلفة الحفاظ على القواعد العسكرية، واضطرت القوات الأمريكية إلى تخصيص مزيد من الموارد للدفاع والحماية بدلاً من توظيفها في العمليات الهجومية.

شهادة أمريكية: الدفاعات بُنيت على افتراضات قديمة

الأكثر دلالة في التقرير الأمريكي هو الاستشهاد برأي جوناثان هاكيت، الضابط السابق في مشاة البحرية والاستخبارات الأمريكية، الذي أمضى عقدين في تتبع الملف الإيراني.

ووفق شهادته، فإن المنظومات الدفاعية الأمريكية صُممت وفق افتراضات قديمة، الأمر الذي يفرض تغيير الاستراتيجية الدفاعية برمتها.

وهذه الشهادة تكشف أن المشكلة التي تواجهها واشنطن لا تتعلق فقط بوجود صاروخ جديد أو منظومة هجومية متطورة، وإنما تتعلق بالفجوة بين طبيعة التهديدات الجديدة والعقيدة التي بُنيت عليها منظومات الدفاع الأمريكية.

فحين تتطور القدرات الهجومية بسرعة أكبر من قدرة الدفاعات على التكيف معها، تتحول المنظومة الدفاعية من عامل ردع مطمئن إلى منظومة مطالبة باستمرار بإعادة بناء نفسها وتغيير افتراضاتها وطرق انتشارها.

وهذا تحديداً ما يجعل الحديث عن «كاسر القلاع» يتجاوز حدود السلاح نفسه، إلى الحديث عن اختبار لعقيدة الدفاع الأمريكية في المنطقة.

حجب صور الأقمار الصناعية.. عندما تصبح الأضرار مشكلة بحد ذاتها

وفي مؤشر آخر على حساسية التطورات، أشار التقرير إلى أن الجهود الرامية إلى تقييم حجم الأضرار التي لحقت بالمنشآت المستهدفة واجهت عراقيل، بعد أن طلب مسؤولون أمريكيون من مزودي صور الأقمار الصناعية التجارية حجب صور المواقع العسكرية الحساسة.

وتكشف هذه الخطوة، بحد ذاتها، حجم الحساسية التي تحيط بالمنشآت التي تعرضت للاستهداف، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقواعد عسكرية ذات أهمية عملياتية.

وفي المقابل، تشير البيانات الرسمية والتقارير التي وثقتها الصحيفة إلى وقوع أضرار واسعة النطاق في قاعدة نشاط الدعم البحري في البحرين ومنشآت حيوية أخرى.

وهكذا تتحول صور الأقمار الصناعية من مجرد وسيلة لتقييم الأضرار إلى عنصر من عناصر المعركة المعلوماتية؛ فإظهار حجم الأضرار أو حجبه بات جزءاً من الصراع على الصورة التي تريد كل جهة تقديمها بشأن فعالية الضربات وقدرة الدفاعات على حماية المنشآت.

سقوط وهم «القواعد الآمنة»

لعقود طويلة، اعتمدت الولايات المتحدة على شبكة واسعة من القواعد العسكرية في الشرق الأوسط باعتبارها ركائز لنفوذها العسكري وعملياتها الإقليمية.

وكانت هذه القواعد محمية بطبقات متعددة من الدفاعات الجوية والصاروخية، إضافة إلى التفوق الجوي والاستخباري والتقني الأمريكي.

غير أن التطورات الأخيرة، كما يعرضها التقرير الأمريكي، تقدم صورة مختلفة: القواعد نفسها أصبحت أهدافاً قابلة للوصول والاستهداف، والتحصينات الدفاعية لم تعد ضمانة مطلقة لمنع وصول الصواريخ إليها.

وهنا تكمن القيمة الحقيقية للتحول؛ فمعادلة الردع لا تُقاس فقط بعدد الصواريخ التي يتم إطلاقها، وإنما بقدرة الطرف المهاجم على جعل المنشآت الحيوية للخصم عرضة للخطر بصورة مستمرة.

وبمجرد أن يصبح وجود القاعدة العسكرية مرتبطاً باحتمال تعرضها لضربة صاروخية دقيقة، فإن تكلفة تشغيلها وحمايتها ترتفع، وتصبح كل عملية انتشار عسكري فيها بحاجة إلى حسابات جديدة.

«كاسر القلاع».. عنوان لتحول أوسع في معادلة الردع

إن أهمية صاروخ «خيبر شكن» لا تنحصر في مداه أو رأسه الحربي أو منصة إطلاقه المتحركة، وإنما في اجتماع مجموعة من الخصائص التي تمنحه قيمة استراتيجية: المدى، الدقة، القدرة على المناورة، الوقود الصلب، والمرونة في الإطلاق من منصات متحركة.

ومع هذه الخصائص، يصبح اعتراض الصاروخ أو تدمير منصة إطلاقه قبل الإطلاق أكثر تعقيداً، بينما تتعرض القواعد العسكرية المنتشرة في المنطقة لضغط متواصل.

وإذا كانت واشنطن قد بنت حضورها العسكري في المنطقة على فكرة أن التفوق التقني والدفاعي يوفران حماية كافية لقواعدها، فإن التطورات التي تنقلها «يو إس إيه توداي» تشير إلى أن هذه الفرضية باتت بحاجة إلى مراجعة.

فالقوة الصاروخية الإيرانية لا تعمل فقط على امتلاك صواريخ بعيدة المدى، بل تتجه إلى تطوير منظومة هجومية تستطيع تهديد العمق العسكري للخصم وتقليص هامش الأمان الذي كانت القواعد الأمريكية تتمتع به.

معادلة جديدة: القواعد الأمريكية في مرمى الردع

وبذلك، فإن «كاسر القلاع» يمثل، في سياق المواجهة الإيرانية الأمريكية، أكثر من اسم لصاروخ باليستي.

إنه عنوان لمعركة أوسع حول من يملك القدرة على فرض معادلة الردع ومن يستطيع حماية قواعده ومنشآته في بيئة إقليمية متوترة.

فالولايات المتحدة تمتلك شبكة ضخمة من القواعد والقدرات العسكرية، لكنها في المقابل تواجه خصماً يمتلك صواريخ قادرة على الوصول إلى هذه القواعد وضرب منشآت ذات أهمية تشغيلية، وفق ما تكشفه التقارير الأمريكية نفسها.

وبينما تحاول واشنطن تقليص ظهور الأضرار عبر تقييد صور المواقع العسكرية الحساسة، تبرز في المقابل حقيقة أكثر أهمية: لم يعد بوسع القواعد الأمريكية في المنطقة أن تُقدَّم باعتبارها حصوناً منيعة خارج نطاق الاستهداف.

ومع استمرار تطور الصواريخ الإيرانية، وتزايد قدرتها على المناورة والدقة والوصول، فإن السؤال لم يعد فقط: هل تستطيع الدفاعات الأمريكية اعتراض الصاروخ؟

بل أصبح السؤال الأوسع والأكثر إلحاحاً: هل تستطيع واشنطن الحفاظ على شبكة قواعدها العسكرية في المنطقة بالفاعلية نفسها، بعدما أصبح الوصول إليها ممكناً رغم كل ما تنفقه من مليارات على منظومات الحماية والاعتراض؟

إن ما كشفته «يو إس إيه توداي» يضع هذه المسألة في صدارة المشهد: إيران تطور أدوات الهجوم، والقواعد الأمريكية تفقد شيئاً فشيئاً حصانتها، وجدار الدفاع الذي طالما قدمته واشنطن باعتباره عنواناً للتفوق العسكري بات أمام اختبار صاروخي متصاعد.

وفي هذه المعادلة، يبدو أن «كاسر القلاع» لم يعد مجرد صاروخ يحمل رأساً حربياً، بل بات رمزاً لتحول أعمق في ميزان الردع: القلاع العسكرية الأمريكية نفسها لم تعد بعيدة عن مرمى النيران.